تحليل

الإثنين 23 فبراير 2026 4:41 مساءً - بتوقيت القدس

قراءة في كتاب 'الأمة الممكنة' لمحسن مرزوق: بين طموح المشروع وقيود النموذج

يأتي كتاب 'الأمة الممكنة' للسياسي التونسي محسن مرزوق في توقيت حساس يتسم بتراجع الثقة في النخب السياسية وانكشاف حدود النموذج التنموي التقليدي. لا يقدم الكتاب مجرد تشخيص للأزمة، بل يطرح مشروعاً متكاملاً يهدف إلى إعادة صياغة سردية الدولة والأمة عبر إصلاحات هيكلية شاملة.

تسعى القراءة التي قدمتها مصادر إعلامية إلى تفكيك الجهاز المفاهيمي للكتاب، متسائلة عن مدى واقعية المقترحات في ظل سياق دولي معقد. وترى القراءة أن الطموح الذي يحمله المشروع يستوجب مساءلة نقدية صارمة تتجاوز مجرد العرض الوصفي للأفكار المطروحة.

ينطلق مرزوق من سؤال كلاسيكي في الفكر العربي حول أسباب التأخر وسبل التقدم، معتبراً أن الفشل يعود أساساً لسوء الإدارة ورداءة السياسات المحلية. إلا أن هذا المنظور يواجه انتقادات لكونه يفترض وجود نموذج جاهز للتقدم يجب اللحاق به دون مراعاة الخصوصيات البنيوية.

تشير القراءة إلى أن الكتاب يميل لرد الأزمة إلى عوامل داخلية، متجاهلاً الموقع التابع للاقتصاد المحلي ضمن تقسيم العمل الدولي. هذا الاختزال قد يؤدي إلى حلول تقنية جزئية لا تمس جوهر التبعية الاقتصادية والقيود التي تفرضها المؤسسات المالية الدولية.

يمثل مفهوم الدولة العمود الفقري في رؤية مرزوق، حيث يراها الأداة المركزية لصناعة الأمة وقيادة المجتمع نحو الحداثة. لكن هذا التمركز الشديد حول الدولة يثير مخاوف من إعادة إنتاج نماذج 'التحديث من فوق' التي ميزت حقبة ما بعد الاستقلال.

تنتقد القراءة افتراض الكتاب بأن المجتمع عاجز عن إنتاج تماسكه الذاتي، مما يستدعي وجود دولة قوية تتولى مهمة التوجيه والتأطير. هذا التصور قد يهمش دور المجتمع كذات فاعلة ويحوله إلى مجرد موضوع للإصلاحات الإدارية والمؤسساتية.

يبرز مصطلح 'الدولة القوية' في الكتاب كشرط أساسي للتقدم، غير أن التجربة التاريخية العربية تربط هذا المفهوم غالباً بالتغول على حساب الحريات. ولم يفرق الكتاب بشكل صارم بين قوة الدولة في الإنتاج والعدالة وبين قوتها في الضبط والقهر الاجتماعي.

يظل التفريق بين مفاهيم الدولة والأمة والشعب ملتبساً في بعض جوانب الكتاب، مما يثير تساؤلات حول مصدر الشرعية الحقيقي. فهل تأتي الشرعية من المجتمع وقواه الحية، أم من الدولة بوصفها العقل المنظم الذي يمتلك حق تعريف المصلحة العامة؟

في الشق الاقتصادي، يركز المشروع على خلق الثروة وإصلاح القطاعات الكبرى مثل الفلاحة والسياحة والتحول الرقمي. ويقوم هذا الوعد التنموي على فرضية أن حسن التخطيط والحوكمة كفيلان بتجاوز الاختلالات الاقتصادية العميقة التي تعاني منها البلاد.

تؤكد القراءة النقدية أن الاقتصاد المحلي ليس مجرد اقتصاد سيئ الإدارة، بل هو مدمج بشكل تابع في منظومة عالمية غير متكافئة. وهذا يجعل من 'حرية القرار الاقتصادي' أمراً صعب المنال ما لم يتم التصدي للقيود البنيوية وشروط التمويل الخارجي.

يغيب عن أطروحة الكتاب تحليل معمق لدور الديون السيادية واتفاقيات الشراكة غير المتكافئة مع القوى الدولية. فالمقاربة التقنية للإصلاح الاقتصادي تتجاهل كونه ساحة للصراع الاجتماعي والسيادي، وليست مجرد مسألة كفاءة إدارية أو حوكمة مؤسساتية.

إن التركيز على 'الميزات المقارنة' دون مساءلة من يحدد هذه الميزات قد يؤدي إلى إعادة إنتاج نفس أدوار التبعية التقليدية. فالتنمية الحقيقية ترتبط بتغيير علاقات الإنتاج ونمط توزيع الثروة، وليس فقط بتغيير المحفظة الاستثمارية أو القطاعات المستهدفة.

يخشى النقاد من أن يؤدي فشل مثل هذه المقاربات الإرادوية إلى لوم المجتمع وتحميله مسؤولية الإخفاق عبر ذريعة 'ضعف الإنتاجية' أو 'ثقافة العمل'. وهذا يحول الأزمة من مستواها البنيوي والسياسي إلى مستوى أخلاقي يعفي الهياكل الكبرى من المسؤولية.

في الختام، يرى عامر عياد أن مشروع 'الأمة الممكنة' يحتاج إلى ربط دعوات الإنتاج بسؤال السيادة والعدالة الاجتماعية. وبدون هذا الربط، قد يتحول المشروع إلى محاولة لتحسين إدارة التبعية بدلاً من كونه مشروعاً حقيقياً للتحرر والنهوض الوطني.

دلالات

شارك برأيك

قراءة في كتاب 'الأمة الممكنة' لمحسن مرزوق: بين طموح المشروع وقيود النموذج

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.