صدر حديثاً عن مجمّع الأطرش لنشر الكتاب المختص في تونس، كتاب جديد للباحث بجامعة الزيتونة محمد القوماني بعنوان 'تنوير وتحرير: ادّكار آخر في القرآن الكريم'. يقع الكتاب في 245 صفحة، ويقدم محاولة جادة لكسر الجمود في الدراسات القرآنية المعاصرة عبر استثمار المناهج العلمية الحديثة.
ينطلق المؤلف من ملاحظة تحول عميق في الدراسات الاستشراقية الحديثة، التي بدأت تقر بكنوز القرآن وإسهاماته في قضايا الحرية والرحمة. ويرى القوماني أن هذا التحول يستوجب استجابة إسلامية موازية تتجاوز التكرار والجمع الذي طبع الكثير من التفاسير الكلاسيكية عبر القرون الماضية.
يستلهم الكتاب 'الروح العاشورية' نسبة للعلامة محمد الطاهر ابن عاشور، صاحب تفسير 'التحرير والتنوير'. ويسعى القوماني إلى البناء على ما أنجزه ابن عاشور من فتوحات مقاصدية، مع العمل على تجاوزها من خلال توظيف علوم النفس والاجتماع واللسانيات التداولية في فهم النص.
يؤكد الدكتور احميدة النيفر في مقدمته للكتاب أن هذا العمل يفتح مديات تتخطى الانقسام الحدي بين الجهود التفسيرية التقليدية والدراسات الحديثة. ويعتبر النيفر أن اعتناء القوماني بالدروب التأويلية المجددة يمثل فتحاً معرفياً يربط بين النص وسياقات الواقع المعيش.
قسم المؤلف كتابه إلى أربعة فصول رئيسية، بدأها بتمهيد حول علاقة النقل بالعقل ومنزلة القرآن بوصفه خاتم الوحي. وطرح تساؤلات جوهرية حول إمكانية تجميد فهم النص عند عصر بعيد، مستعرضاً خصائص اللحظة المعرفية الراهنة التي يعيشها الفكر الإسلامي.
في الفصل الأول، يستعرض الكتاب راهنية المواقف من المنطق الأرسطي لدى الغزالي وابن رشد، وكيف تمت تبيئة المنطق داخل الثقافة الإسلامية. ويقارن المؤلف بين تلك التجارب التاريخية وبين محاولات المفكرين المعاصرين في التعامل مع الحداثة الغربية ومناهجها.
خصص القوماني الفصل الثاني لمناقشة قراءة محمد شحرور المعاصرة للتنزيل الحكيم، محللاً ما لها وما عليها من منظور نقدي. ويرى المؤلف أن شحرور أحدث جدلاً واسعاً بجهازه الاصطلاحي الفريد، مما يستدعي مراجعة منطلقاته ومكاسبه المعرفية بدقة.
التنوير في مقاربتِنا طريق إلى التحرير، إذ تحرير الإنسان المسلم يبدأ من تحرير علاقته بالنص المؤسس.
أما الفصل الثالث، فقد ركز على 'السياقية التداولية' من خلال دراسة أعمال المستشرق الياباني توشيهيكو إيزوتسو. واعتبر المؤلف أن إيزوتسو دشن ثورة منهجية في فهم الرؤية القرآنية للعالم، متجاوزاً الدلالات المعجمية الضيقة نحو فهم سياقي أرحب.
وفي الجانب التطبيقي، تناول الفصل الرابع قصة 'ذي القرنين' كنموذج لجدل الغيب والشهادة في القصص القرآني. وسعى المؤلف من خلال هذا النموذج إلى تقديم قراءة عقلانية تتجاوز 'الإسرائيليات' والخرافات التي طغت على التفاسير التقليدية لهذه القصة.
يشدد القوماني على أن تجديد قراءة النص القرآني ليس ترفاً فكرياً، بل هو مطلب حضاري ملح لمواجهة تحديات العصر. ويرى أن الانفتاح على المناهج المعاصرة لا يعني القطيعة مع التراث، بل هو حوار نقدي يستبقي الاجتهادات المستقيمة ويعيد النظر فيما تجاوزه الزمن.
يعتبر الكتاب أن 'التنوير شرط سابق للتحرير'، حيث يبدأ تحرير الإنسان المسلم من تحرير علاقته بالنص المؤسس. ويؤكد المؤلف أن تحرير الذوات وتنوير التفكير هو السبيل الوحيد لتحرير الشعوب والأوطان وتحقيق النهضة الحضارية المنشودة.
يستحضر المؤلف مقولة المفكر فضل الرحمن حول ضرورة النزعة العقلية الموصولة بأسلوب تفسير القرآن لإحداث تغيير اجتماعي. ويؤمن القوماني بأن تعثرات الحاضر تعود في جوهرها إلى الافتقار لمنهج صالح لفهم القرآن يتناسب مع تعقيدات اللحظة الراهنة.
يرى القوماني أن القرآن نص تأسيسي مفتوح على الزمان والمكان، وأن العقل هو 'الترجمان' الضروري لهذا النص الصامت بين الدفتين. ويستشهد بقول الإمام علي بن أبي طالب لتأكيد أن التأويل والتفسير هما مسؤولية إنسانية مستمرة لا تتوقف عند عصر معين.
يختتم الكتاب بالدعوة إلى بناء ثقافة قرآنية جديدة قوامها التفاعل الحر والمسؤول مع الوحي، بعيداً عن نزعات التكفير. ويؤكد أن القيم الكبرى مثل العدل والرحمة والتزكية يجب أن تكون هي البوصلة في أي جهد تأويلي معاصر يسعى لعمران الأرض.





شارك برأيك
تنوير وتحرير.. قراءة تونسية جديدة تستنطق النص القرآني بمناهج العصر