لا يمثل امتلاك القوة، سواء للفرد أو الدولة، أمراً يحظى بالتشجيع أو التصفيق في الساحة الدولية، بل هو رحلة شاقة محفوفة بالمخاطر والعثرات. إن محاولة التعافي وقهر الوهن هي في حد ذاتها تجسيد للقوة، لكنها تصطدم بواقع سياسي يرى في نهوض الدول المنهارة تهديداً لمصالح قوى أخرى تعتاش على ضعف جيرانها.
عندما تحاول دولة ما استرجاع سيادتها وقبضتها على مواردها بعد سنوات من الانهيار أو الحرب، تجد نفسها في مواجهة سيوف متعددة تسعى لتأجيل هذا التعافي. هذه القوى الخارجية تهدف إلى إبقاء حالة السيولة السياسية قائمة حتى يكمل المستفيدون جمع غنائمهم وتحقيق أطماعهم التوسعية على حساب الدولة المنهكة.
في الواقع السياسي النفعي، لا مكان للخطاب الرومانسي الذي يلوم الدول القوية على عدم رحمة الدول الضعيفة، فكل دولة تبحث عن مصلحة شعبها أولاً. لذا، فإن فاتورة الوهن والانهيار تكون باهظة، حيث يُنظر للدولة المتأزمة كغنيمة سهلة أو كفرصة لتحقيق مكاسب ظرفية عابرة في مجالات مثل السياحة أو التجارة.
يلاحظ المراقبون أن التعافي في دول مثل لبنان والعراق وليبيا يسير بوتيرة بطيئة للغاية، تكاد تكون غير مرئية في كثير من الأحيان. هذا البطء ليس صدفة، بل هو نتيجة لاستراتيجية دولية غير معلنة تهدف إلى إلقاء العصا في العجلات لمنع أي استقرار قد يضر بمصالح القوى المستفيدة من الفوضى.
إن استمرار حالة التشتت والتوتر يخدم أجندات خارجية ترى في استقرار هذه الدول ضرراً مباشراً لنفوذها، مما يجعل صرخة 'ممنوع التعافي' تتردد في أروقة السياسة الدولية. ومع ذلك، فإن العائق الأكبر لا يقتصر على الخارج فحسب، بل يمتد إلى عمق النسيج الداخلي لهذه الدول المكلومة.
إن تطعن النخب السياسية في بعضها بعضاً وتعمل على خلق الانشقاق؛ فهذا يعني أن الذات الوطنية تهاجم ذاتها، وهنا تكمن الصدمة وأخطر أعراض مرض جهاز مناعة الذات الوطنية.
يبرز الدور الصادم للنخب السياسية المحلية كأحد أخطر العراقيل التي تمنع استعادة السيادة الوطنية، حيث تنخرط هذه النخب في صراعات بينية تذكي الانقسام. وبدلاً من العمل على مشروع وطني جامع، تساهم هذه القوى في دعم خطط الأطراف الأجنبية عبر تعطيل مشاريع المصالحة الوطنية وتغليب المطامع الشخصية.
لا يقتصر الأمر على مجرد خلافات سياسية عادية، بل يصل إلى حد 'خيانة الذات الوطنية' عندما تهاجم النخب بعضها البعض في وقت تحتاج فيه البلاد إلى التكاتف. هذا السلوك يمثل خللاً في جهاز المناعة الوطني، حيث تصبح القوى التي يُفترض بها حماية الدولة هي الأداة التي تساهم في استمرار علتها وضعفها.
إن المشكلة الحقيقية تكمن دائماً في الداخل، حيث تُطالب النخب الوطنية بتقديم مصلحة التعافي واستعادة الدولة على أي أهداف حزبية أو فئوية أخرى. فلا يمكن لأي طرف سياسي أن يتمتع بالكرامة أو القوة الحقيقية في ظل دولة عليلة ومرتهنة للقرار الخارجي والنهب الممنهج لثرواتها.
في الحالة الليبية، يظهر بوضوح كيف تمنع الأيادي المتعددة والرصاصات الطائشة البلاد من الخروج من دوامة النهب المفتوح لثرواتها النفطية. هذا الوضع يستدعي استفاقة وطنية سريعة لتعويض الزمن الضائع وحماية مستقبل الأجيال القادمة التي تحمل إرثاً ثقيلاً من الصراعات التي لم تكن طرفاً فيها.
ختاماً، يبقى التحدي الأكبر أمام شعوب العراق ولبنان وليبيا هو كيفية إغلاق الثغرات التي تتسرب منها التدخلات القاتلة، والعمل على بناء جبهة داخلية صلبة. إن التعافي الحقيقي يبدأ من الداخل، عبر نكران الذات السياسية وتوحيد الجهود لانتزاع حق الدولة في القوة والسيادة والعيش الكريم.





شارك برأيك
معضلة التعافي الممنوع: كيف تعيق النخب والتدخلات الخارجية نهوض الدول العربية؟