عربي ودولي

الخميس 29 يناير 2026 5:07 مساءً - بتوقيت القدس

تصعيد غير مسبوق: ترمب يلوّح بالخيار العسكري ضد إيران وسط رهانات على تغيير المعادلة السياسية

واشنطن – سعيد عريقات

تحليل إخباري

أطلق الرئيس الأميركي دونالد ترامب في الأربعاء واحدة من أشد رسائله تهديدًا تجاه إيران منذ عودته إلى البيت الأبيض، محذرًا من أن "الوقت ينفد" أمام طهران للتوصل إلى اتفاق نووي جديد، ومعلنًا أن "أسطولًا عسكريًا ضخمًا" تقوده حاملة الطائرات أبراهام لنكولن بات في طريقه إلى المنطقة، في إشارة واضحة إلى استعداد واشنطن للجوء إلى القوة إذا فشلت المساعي الدبلوماسية.

وفي منشور على منصته "تروث سوشيال" الأربعاء، 28 كانون الثاني، دعا ترمب القيادة الإيرانية إلى "الجلوس فورًا إلى طاولة المفاوضات" للتوصل إلى اتفاق يمنع امتلاك السلاح النووي، محذرًا من أن أي ضربة أميركية مقبلة ستكون "أشد وأوسع نطاقًا" من العمليات السابقة التي استهدفت منشآت إيرانية. وجاءت تصريحاته في لحظة إقليمية ودولية شديدة الحساسية، حيث تتقاطع الملفات النووية مع اضطرابات داخلية متصاعدة في إيران، وتوترات أمنية تهدد استقرار الشرق الأوسط برمّته.

أهداف تتجاوز الملف النووي

لكن خلف الخطاب العلني الذي يركز على منع إيران من امتلاك سلاح نووي، تكشف تسريبات من دوائر القرار في واشنطن عن مقاربة أوسع. فبحسب مصادر أميركية مطلعة، يدرس ترمب خيارات عسكرية محدودة لا تهدف فقط إلى الردع، بل إلى "تهيئة ظروف سياسية داخلية قد تقود إلى تغيير في بنية الحكم الإيراني" بحسب ما علم مراسل القدس في واشنطن. وتشمل هذه الخيارات ضربات دقيقة تطال وحدات أمنية مرتبطة بقمع الاحتجاجات، في محاولة لإضعاف قبضة النظام وتعزيز حالة السخط الشعبي.

وتعكس هذه الرؤية قناعة لدى بعض صقور الإدارة الأميركية بأن النظام الإيراني يمر بمرحلة هشاشة غير مسبوقة، بفعل الأزمة الاقتصادية الخانقة، والعزلة الدولية، واتساع رقعة الاحتجاجات الشعبية، ما يجعل الضغط الخارجي عاملًا محفزًا لتصدعات داخلية أعمق.

إيران ترد: لا تفاوض تحت التهديد

في المقابل، جاء الرد الإيراني سريعًا وحادًا. فقد أكدت طهران، على لسان وزير خارجيتها عباس عراقجي، أن أي تفاوض تحت التهديد مرفوض جملة وتفصيلًا، محذرًا من أن القوات المسلحة الإيرانية "في أعلى درجات الجاهزية"، وأن أي هجوم أميركي سيُقابل برد "فوري وقاسٍ".

وشدد مسؤولون إيرانيون رفيعو المستوى على أن أي ضربة، مهما كانت محدودة، ستُعتبر إعلان حرب، وقد تؤدي إلى ردود تمتد إلى ما هو أبعد من الساحة الإيرانية، لتشمل مصالح أميركية وحليفة في المنطقة. وترافق ذلك مع تصعيد إعلامي ورسائل سياسية تعبّر عن استعداد طهران لتحمل كلفة المواجهة، بدل الرضوخ لما تصفه بـ"سياسة الإملاءات".

المنطقة على حافة الانفجار

ورفع التصعيد الأميركي ضد إيران من وتيرة القلق في المنطقة . فبينما كثفت كل من إسرائيل والسعودية مشاوراتهما مع واشنطن بشأن السيناريوهات المحتملة، أبدت دول خليجية أخرى تحفظًا واضحًا إزاء أي عمل عسكري قد يجر المنطقة إلى حرب مفتوحة، رافضة استخدام أراضيها أو أجوائها في أي هجوم محتمل.

في الوقت نفسه، حذّرت روسيا من مخاطر الانزلاق إلى مواجهة عسكرية شاملة، داعية إلى إعطاء الدبلوماسية فرصة أخيرة، فيما عبّرت دول أوروبية عن قلقها من تداعيات أي تصعيد على أمن الطاقة العالمي واستقرار الملاحة في مضيق هرمز.

ارتدادات اقتصادية وأمنية

وقد بدأت ملامح هذه التداعيات بالظهور فعليًا، إذ شهدت أسعار النفط ارتفاعًا ملحوظًا، وسط مخاوف من تعطل الإمدادات في حال اندلاع مواجهة عسكرية. كما أعادت شركات طيران دولية توجيه رحلاتها بعيدًا عن أجواء الشرق الأوسط، في مؤشر على تزايد القلق من المخاطر الأمنية.

أما الأسواق المالية، فقد سجلت حالة من التذبذب، مع توجه المستثمرين نحو الملاذات الآمنة، في ظل ضبابية المشهد الجيوسياسي.

حسابات معقدة

رغم التصعيد، لا يزال المشهد مفتوحًا على أكثر من احتمال. فالإدارة الأميركية تلوّح بالقوة، لكنها تؤكد في الوقت ذاته أن الباب لم يُغلق بالكامل أمام التفاوض. أما إيران، فترفض التهديد، لكنها تترك نافذة مواربة لاتفاق "ائم على الاحترام المتبادل"، وفق تعبير مسؤوليها.

ويبقى السؤال الأبرز: هل تشكل هذه الضغوط المتبادلة مقدمة لتسوية سياسية جديدة، أم أنها تقود المنطقة نحو واحدة من أخطر المواجهات في تاريخها الحديث؟

ويعكس التصعيد الأميركي تجاه إيران تحوّلًا استراتيجيًا يتجاوز منطق الردع التقليدي إلى محاولة التأثير في التوازنات الداخلية للنظام الإيراني. غير أن الرهان على "تغيير السلوك” أو “تهيئة ظروف التغيير السياسي" عبر الضغط العسكري يحمل مخاطر جسيمة، إذ غالبًا ما توحّد التهديدات الخارجية الجبهات الداخلية بدل تفكيكها. في المقابل، تبدو إيران عالقة بين رفض الإذعان والحاجة إلى تخفيف الضغوط الاقتصادية الخانقة. وبين هذين الخيارين، تقف المنطقة على حافة انفجار قد لا يملك أحد القدرة على التحكم بمآلاته، ما يجعل الدبلوماسية، رغم هشاشتها، الخيار الأفضل وفق الخبراء.

دلالات

شارك برأيك

تصعيد غير مسبوق: ترمب يلوّح بالخيار العسكري ضد إيران وسط رهانات على تغيير المعادلة السياسية

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.