باحثه دكتوراه الاداره التربويه
عندما نتأمل في عالمنا اليوم، قد يتبادر إلى الذهن سؤال مقلق: ما الذي يشغل بال أبنائنا المراهقين؟ الإجابة، في كثير من الأحيان، تكمن في شاشة صغيرة تتوهج في أيديهم، نافذة تطل على عالم صاخب من “المؤثرين” و”الترندات”. هذا العالم، الذي يبدو للوهلة الأولى بريئاً ومسلياً، يخفي بين طياته أزمة قيم حقيقية. فما نراه ليس تأثيراً بالمعنى الإيجابي للكلمة، بل هو فراغ مقنع، محتوى سطحي يمجّد المظاهر ويحتفي بالتفاهة، بل ويصل أحياناً إلى حد الترويج لتحديات عبثية قد تكلف الشاب أو المراهقة سلامته الجسدية. هنا، يصبح لزاماً علينا أن نتوقف ونسأل: أين دورنا كتربويين ومربين؟ وكيف يمكن لمؤسساتنا التعليمية أن تستعيد زمام المبادرة وتعيد توجيه بوصلة شبابنا الأخلاقية؟ إن التعمق في طبيعة المحتوى الذي يستهلكه شبابنا يكشف عن حقيقة مرة. فالأرقام لا تكذب؛ إذ تشير دراسة صادرة عن مركز بيو للأبحاث (Pew Research Center) في عام 2024 إلى أن نسبة كبيرة من المراهقين تقضي ساعات يومية على منصات التواصل الاجتماعي. يتصدر يوتيوب القائمة بنسبة استخدام يومي تبلغ 73%، يليه تيك توك بنسبة 60%، ثم انستغرام وسناب شات بنسبة 50% لكل منهما. والأكثر إثارة للقلق هو أن نسبة من يستخدمون هذه المنصات بشكل “شبه مستمر” تصل إلى 16% على تيك توك و15% على يوتيوب. هذا الوقت الثمين يتبدد في متابعة محتوى لا يقدم إلا سراباً من الشهرة الزائفة والسطحية المقنّعة. والأدهى من ذلك أن هذا الفراغ الرقمي ليس مجرد مضيعة للوقت، بل هو خطر حقيقي يتربص بصحة شبابنا النفسية والجسدية. فقد دقت دراسات عدة ناقوس الخطر، حيث ربطت معاهد الصحة الوطنية الأمريكية في دراسة لها عام 2025 بين الاستخدام المفرط لهذه المنصات وارتفاع معدلات القلق والاكتئاب لدى المراهقين. وفي سياقنا العربي، أكدت دراسة أجريت في الشرق الأوسط على التأثير السلبي الكبير لهؤلاء “المؤثرين” على الجوانب الاجتماعية والأخلاقية والصحية لشبابنا، من خلال الترويج لقيم المادية المفرطة والسلوك الاستهلاكي غير المسؤول. ولا يمكننا أن نغفل عن تلك “الترندات” الخطيرة التي تنتشر كالنار في الهشيم، والتي تدفع بالمراهقين، في سعيهم المحموم للفت الانتباه، إلى تقليد أفعال قد تعرض حياتهم للخطر. “إن المراهق، في رحلة بحثه عن هويته، يكون كالإسفنجة التي تمتص كل ما حولها. وعندما تكون البيئة المحيطة به مشبعة بالتفاهة والسطحية، فإننا نجازف بتكوين جيل يقيس قيمة الإنسان بعدد متابعيه، لا بعمق فكره ونبل أخلاقه.” أمام هذا السيل الجارف من المحتوى الهابط، لا يمكن أن يكون الحل في الانعزال أو المنع، بل في بناء “جهاز مناعة أخلاقي” لدى شبابنا. وهنا، تتعاظم مسؤولية مؤسساتنا التعليمية، التي يجب أن تتجاوز دورها التقليدي في تلقين المعارف، لتصبح منارات تهدي العقول وتصقل النفوس. لم يعد كافياً أن نحشو عقول طلابنا بالمعلومات، بل يجب أن نزرع في قلوبهم البذور الأولى للتفكير النقدي، وأن نمنحهم الأدوات التي تمكنهم من التمييز بين ما ينفع وما يضر. إن إدراج “التربية الإعلامية” و”الثقافة الرقمية” في صلب مناهجنا الدراسية لم يعد ترفاً فكرياً، بل ضرورة وجودية. يجب أن يتعلم أبناؤنا كيف يقرؤون ما بين السطور، وكيف يحللون الرسائل الخفية التي يبثها هذا المحتوى. يجب أن تتحول فصولنا الدراسية إلى مساحات آمنة للحوار والنقاش، وفي مقابل “المؤثرين” ذوي المحتوى الفارغ، يجب أن نسلط الضوء على نماذج إيجابية وملهمة في مجتمعاتنا. هذه المعركة لا يمكن أن تخوضها المدرسة وحدها، فلا بد من مد جسور التواصل مع الأسرة التي يقع عليها العبء الأكبر في المتابعة والتوجيه. إنها مسؤولية مشتركة تتطلب تضافر الجهود لحماية أجيالنا القادمة. في نهاية المطاف، نحن أمام مفترق طرق خطير. فإما أن نترك أجيالنا القادمة فريسة سهلة لهذا الانحدار الرقمي، وإما أن نعمل لإيقاظ الوعي بكل ما أوتينا من قوة. إنها مسؤولية مجتمعية شاملة، فالمستقبل الذي ننشده لن يبنى بأيدٍ تصفق للخواء، بل بعقول نيرة وقلوب عامرة بالقيم. والسؤال الذي يجب أن يؤرقنا جميعاً اليوم هو: أي مستقبل نختار أن نبني؟





شارك برأيك
وباء التفاهة…. هل من لقاح !!