عربي ودولي

الأحد 28 ديسمبر 2025 9:46 صباحًا - بتوقيت القدس

ترمب يرفض الاعتراف بصوماليلاند: حسابات السيادة والتهجير والجغرافيا السياسية في القرن الإفريقي

واشنطن - "القدس" دوت كوم - سعيد عريقات

في خضم تصاعد الجدل الدولي عقب إعلان إسرائيل الاعتراف بإقليم صوماليلاند (أرض الصومال)  كدولة مستقلة بهدف خلط الأوراق في المنطقة، خرج الرئيس الأميركي دونالد ترمب ليؤكد بوضوح أن الولايات المتحدة لا تعتزم السير في هذا الاتجاه. موقف ترمب، الذي أعاد تثبيت السياسة الأميركية التقليدية الداعمة لوحدة الأراضي الصومالية، لم يكن تفصيلاً عابرًا، بل عكس شبكة معقدة من الحسابات السياسية والأمنية، في لحظة تتقاطع فيها ملفات السيادة، والتهجير القسري، والتنافس الجيوسياسي في القرن الإفريقي.

يشار إلى أن إسرائيل هي أول دولة عضو في الأمم المتحدة تمنح "أرض الصومال" اعترافاً رسمياً منذ إعلان انفصالها عام 1991، ما يكسر فعلياً "الحظر الدبلوماسي" المفروض على الإقليم منذ 34 عاماً. ومقابل هذا الاعتراف، تحصل إسرائيل على وصول مباشر لساحل طوله 850 كيلومتراً يطل على خليج عدن، ما يتيح لها للمرة الأولى نشر أنظمة رصد وملاحقة للطائرات المسيرة والصواريخ الحوثية عند مدخل باب المندب، وهو ما يضع مصر وتركيا أمام واقع أمني جديد يمنح إسرائيل نفوذاً عسكرياً مباشراً في منطقة نفوذهما التاريخية.

ترمب، الذي بدا متحفظًا بل ومستخفًا أحيانًا بفكرة الاعتراف، شدد على أن واشنطن لا ترى في الوقت الراهن مصلحة في كسر الإجماع الدولي الداعم لسيادة الصومال. هذا الموقف يأتي رغم ضغوط من بعض الدوائر الأميركية التي ترى في صوماليلاند كيانًا مستقرًا نسبيًا مقارنة بالصومال، وموقعًا استراتيجيًا بالغ الحساسية على خليج عدن وبالقرب من طرق التجارة العالمية.

صوماليلاند، التي أعلنت انفصالها من جانب واحد عام 1991، نجحت خلال العقود الماضية في بناء مؤسسات حكم محلية، وإجراء انتخابات، وفرض درجة من الأمن الداخلي، لكنها فشلت في نيل اعتراف دولي واسع. وحتى الخطوة الإسرائيلية الأخيرة، ظل الإقليم خارج النظام الدولي الرسمي، في ظل رفض إفريقي قاطع لأي مساس بمبدأ الحدود الموروثة عن الاستعمار.

الاعتراف الإسرائيلي بصوماليلاند فتح بابًا لتساؤلات أعمق تتجاوز العلاقات الثنائية، لا سيما في ظل تقارير وتحليلات تحدثت عن اهتمام إسرائيلي قديم–متجدد بالقرن الإفريقي، ليس فقط لأسباب أمنية أو بحرية، بل أيضًا ضمن تصورات غير معلنة تتعلق بملف الفلسطينيين. فخلال السنوات الماضية، طُرحت في مراكز أبحاث غربية وإسرائيلية سيناريوهات تتناول "إعادة توطين" فلسطينيين خارج أرضهم، ضمن مقاربات تتجاوز الحلول السياسية التقليدية.

وفي هذا السياق، برز اسم صوماليلاند، إلى جانب مناطق أخرى في إفريقيا، في نقاشات غير رسمية ربطت بين الاعتراف الدولي، والدعم الاقتصادي، وتحويل الإقليم إلى مساحة استقبال محتملة للفلسطينيين المهجرين قسرا، سواء من غزة أو من مناطق أخرى، تحت ذرائع إنسانية أو تنموية. هذه الطروحات، وإن لم تُعلن رسميًا، أثارت مخاوف عميقة لدى عواصم إفريقية رأت فيها إعادة إنتاج لنماذج استعمارية جديدة بواجهات مختلفة.

الإدارة الأميركية السابقة كانت قد لامست هذه الأفكار بشكل غير مباشر، خصوصًا خلال ولاية ترمب الأولى، حين طُرحت مشاريع "السلام الاقتصادي" و"التوطين خارج فلسطين" كبدائل سياسية. ورغم أن واشنطن لم تتبنَّ رسميًا أي خطة تهجير قسري، فإن الغموض الذي اكتنف بعض الطروحات فتح المجال أمام إسرائيل لاختبار ردود الفعل الإقليمية والدولية.

ويمكن قراءة رفض ترمب الاعتراف بصوماليلاند في هذا التوقيت أيضًا كرسالة تطمين للحلفاء الأفارقة، وكبح لمحاولات توظيف الاعتراف الدولي كورقة لإعادة هندسة ديموغرافية في الشرق الأوسط. فالولايات المتحدة، رغم تحالفها الوثيق مع إسرائيل، تدرك أن أي انخراط في مشاريع تهجير قسري سيقوض مكانتها في إفريقيا، ويهدد شراكاتها الأمنية، ويغذي مشاعر العداء في منطقة شديدة الحساسية.

في المقابل، تجد إسرائيل نفسها معزولة نسبيًا في هذه الخطوة، بعدما واجه اعترافها بصوماليلاند رفضًا صريحًا من الاتحاد الإفريقي، وجامعة الدول العربية، وعدد من القوى الإقليمية التي اعتبرت الخطوة انتهاكًا صارخًا لسيادة الصومال، ومقدمة لفوضى حدودية في القارة.

ويبقى موقف ترمب، في جوهره، انعكاسًا لبراغماتية سياسية توازن بين دعم إسرائيل وعدم الانزلاق إلى مغامرات جيوسياسية غير محسوبة. وهو موقف يُبقي الباب مواربًا أمام مراجعات مستقبلية، لكنه في الوقت ذاته يضع خطوطًا حمراء أمام استخدام الاعتراف الدولي كأداة لتصفية القضية الفلسطينية خارج أرضها.

قضية صوماليلاند تكشف كيف تُستخدم مفاهيم السيادة والاعتراف انتقائيًا في النظام الدولي. فالدعم الإسرائيلي المفاجئ لا ينبع من قناعة بحق تقرير المصير، بل من توظيف سياسي لمناطق الهامش في خدمة أجندات أكبر. رفض واشنطن، هنا، لا يعكس التزامًا أخلاقيًا بقدر ما يعكس خوفًا من تفكك قواعد النظام الدولي إذا فُتح باب الاعتراف خارج الإجماع الإقليمي.

طرح إفريقيا كمساحة بديلة لحل "المسألة الفلسطينية" يعكس فشلًا أخلاقيًا وسياسيًا مزدوجًا: أولًا في الاعتراف بجذور الصراع، وثانيًا في احترام سيادة الشعوب الإفريقية. أي مشروع تهجير، مهما غُلّف بخطاب إنساني، سيظل امتدادًا لمنطق الإزاحة القسرية. من هنا، فإن رفض هذه السيناريوهات لا يخدم الفلسطينيين وحدهم، بل يحمي استقرار إفريقيا ذاتها

في السياق الأوسع، بحسب الخبراء، لا يمكن فصل هذه التطورات عن سياسة ممنهجة لتجزئة العالم العربي، تُعدّ سوريا والعراق أبرز ساحاتها، بوصفها جزءًا أصيلًا من المشروع الكولونيالي الصهيوني في المنطقة. فإضعاف الدول المركزية، وتفكيك جيوشها، وإشغال مجتمعاتها بصراعات داخلية وهويات فرعية، يشكل شرطًا بنيويًا لضمان التفوق الإسرائيلي طويل الأمد. هذا التفتيت لا يستهدف الجغرافيا فحسب، بل الإرادة السياسية العربية، بما يضمن إبقاء الدول العربية في حالة عجز مزمن عن بلورة موقف موحد أو تقديم إسناد فعلي ومستدام للقضية الفلسطينية، التي تبقى الخاسر الأكبر في معادلة التفكك الإقليمي.

دلالات

شارك برأيك

ترمب يرفض الاعتراف بصوماليلاند: حسابات السيادة والتهجير والجغرافيا السياسية في القرن الإفريقي

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.