رغم تعهّد الرئيس الأميركي دونالد ترمب بالانتقال إلى المرحلة الثانية من اتفاق الهدنة في غزة، والترويج لتشكيل "مجلس سلم" دولي وقوة استقرار متعددة الجنسيات، لا تزال هذه الوعود تصطدم بواقع سياسي وأمني بالغ التعقيد. فبعد مرور أسابيع على انتهاء المرحلة الأولى من الاتفاق، لا تظهر مؤشرات ملموسة على استعداد دولي فعلي للانخراط في ترتيبات ميدانية داخل قطاع غزة، الذي لا يزال ساحة نزاع مفتوحة ومشحونة بالمخاطر.
وجاءت آخر الانتكاسات لهذا المسار مع إعلان أذربيجان، إحدى الدول التي تواصلت معها واشنطن، عن شكوك جدية بشأن المشاركة في القوة الدولية المقترحة. فقد قال حكمت حاجييف، مساعد الرئيس الأذربيجاني إلهام علييف، إن بلاده تجد صعوبة في الانضمام إلى قوة يُفترض نشرها في غزة ضمن خطة وقف إطلاق نار بوساطة أميركية، مشيراً إلى غموض الولاية القانونية ونطاق المهمة. وفي تصريحات لوكالة "نيكاي" اليابانية، أوضح حاجييف أن واشنطن تواصلت بالفعل مع باكو لإدراج قواتها ضمن ما تسميه "قوة الاستقرار الدولية"، لكنه شدد على أنه "لم يتم اتخاذ أي قرار نهائي بعد".
هذا الموقف الأذربيجاني لا يبدو معزولاً، بل يعكس نمطاً أوسع من التحفّظ الدولي. فعلى الرغم من أن مجلس الأمن الدولي وافق الشهر الماضي على قرار بإنشاء القوة، بدعم رسمي من دول مثل تركيا وقطر ومصر والإمارات والسعودية وإندونيسيا وباكستان والأردن، فإن التقدم العملي على الأرض يكاد يكون معدوماً. ويعزو مسؤولون هذا الجمود إلى غياب إجابات واضحة حول طبيعة المهمة، وقواعد الاشتباك، وحدود الصلاحيات في بيئة أمنية شديدة الهشاشة.
وأعرب حاجييف صراحة عن قلق بلاده من أن قرار مجلس الأمن "لا يتناول الأسئلة المتعلقة بقواعد الاشتباك المحددة في غزة، وطرق العمل، ونطاق ولاية البعثة". وأضاف أن أذربيجان، التي خاضت نزاعاً عسكرياً مع أرمينيا حتى عام 2023، تواجه تحدياً داخلياً في إقناع الرأي العام بإرسال قوات إضافية إلى مسرح نزاع جديد ومعقّد. وتكشف هذه الملاحظات عن معضلة مركزية تواجه معظم الدول المرشحة للمشاركة: كيف يمكن الانخراط في مهمة محفوفة بالمخاطر من دون تفويض واضح أو ضمانات سياسية وأمنية كافية؟
وفق التصور الأميركي، ستُكلَّف قوة الاستقرار بالحفاظ على الأمن في غزة، والمساهمة في نزع سلاح القطاع المدمر، إضافة إلى تدريب قوات الشرطة الفلسطينية تمهيداً لمرحلة ما بعد الحرب. غير أن هذا الطرح يثير شكوكاً واسعة، إذ ترى عواصم كثيرة أن الجمع بين مهام أمنية مباشرة، مثل نزع السلاح، وأدوار تدريبية وإدارية، قد يحوّل القوة الدولية إلى طرف في الصراع، لا إلى وسيط محايد، وهو ما يزيد احتمالات استهدافها.
وكانت الولايات المتحدة تأمل في بدء عمليات هذه القوة مع مطلع العام الجديد، غير أن الجدول الزمني تعرّض لتأجيلات متكررة. وتشير مصادر مطلعة على المفاوضات إلى أن أحد أبرز أسباب التعطيل يتمثل في الخلافات حول هوية الدول المشاركة. حيث أن إسرائيل ترفض بشكل قاطع لوجود قوات تركية في غزة أدى إلى إحباط شركاء محتملين آخرين، مثل أذربيجان وباكستان والسعودية وإندونيسيا، الذين يرون في استبعاد أنقرة مؤشراً على تسييس المهمة وخضوعها لاعتبارات إسرائيلية ضيقة.
وفي هذا السياق، عقدت القيادة المركزية الأميركية، المسؤولة عن تنسيق المساعدات الإنسانية وإنشاء القوة، قمة في الدوحة دُعيت إليها دول عدة، لكنها استبعدت تركيا بناءً على طلب إسرائيلي صريح. هذا الاستبعاد أثار تساؤلات حول مدى استقلالية المشروع الدولي المفترض، وحوّله في نظر كثيرين إلى امتداد للمنظور الأمني الإسرائيلي، لا إلى مبادرة متعددة الأطراف تحظى بإجماع حقيقي.
كما أن التحفّظ لا يقتصر على دول بعيدة جغرافياً. فالأردن، أحد أبرز الأطراف الإقليمية المعنية بغزة، أعلن على لسان الملك عبد الله الثاني في مقابلة مع "بي بي سي" أواخر تشرين الأول أنه لن يرسل قوات إلى القطاع. كما قال مسؤول إماراتي رفيع المستوى في تشرين الثاني إن انضمام بلاده إلى القوة "سيكون صعباً في الوقت الراهن". أما تركيا، التي يُنظر إليها بوصفها لاعباً محورياً، فقد أكد مسؤولون أتراك، تحدثوا شريطة عدم الكشف عن هويتهم، أنه لم يُتخذ قرار نهائي بعد بشأن المشاركة، رغم أن أنقرة جهّزت بالفعل لواءً عسكرياً لاحتمال الانتشار.
وتترقّب أنقرة، كما عواصم أخرى، ما سيسفر عنه اللقاء المرتقب بين الرئيس الأميركي دونالد نرمب، ورئيس وزراء إسرائيل بنيامين نتنياهو في وقت لاحق من هذا الشهر، أملاً في الحصول على توضيحات بشأن مستقبل القوة، ودور كل طرف فيها. غير أن هذا الانتظار يعكس في حد ذاته أزمة ثقة في الرؤية الأميركية، التي تبدو حتى الآن غير مكتملة المعالم.
في المحصلة، يتضح أن الفجوة لا تزال واسعة بين الخطاب الأميركي الطموح بشأن المرحلة الثانية من هدنة غزة، والواقع الدولي المتحفّظ على الانخراط في تنفيذ هذا الخطاب. حيث أن غياب الإطار القانوني الواضح، وتضارب الأجندات، والخشية من الانجرار إلى مواجهة مباشرة مع "حماس"، تجعل من "قوة الاستقرار الدولية" فكرة أكثر منها مشروعاً قابلاً للتطبيق. وبينما تستمر الهدنة الهشّة تحت ضغط الخروقات والتجاذبات السياسية، يبقى مستقبل غزة معلقاً بين مبادرات دولية غير ناضجة، وواقع ميداني يرفض الحلول الجزئية والمؤقتة.





شارك برأيك
تعثر مساعي ترمب لتشكيل قوة دولية والانتقال إلى المرحلة الثانية في غزة