تؤكد الحكومة المصرية أن صفقة استيراد الغاز من إسرائيل، المقدّرة بنحو 35 مليار دولار، تندرج ضمن إطار اقتصادي وتقني بحت، وتهدف إلى تلبية احتياجات السوق المحلي ودعم موقع مصر كمركز إقليمي لتجارة الطاقة. غير أن هذه الرواية الرسمية تواجه تساؤلات قانونية وسياسية متزايدة، خاصة في ظل التطورات الأخيرة في القانون الدولي، وعلى رأسها الرأي الاستشاري الصادر عن محكمة العدل الدولية عام 2024 بشأن الوضع القانوني للاحتلال الإسرائيلي، إضافة إلى السياق الإنساني الحاد للحرب الجارية في غزة.
الرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية خلص إلى أن الاحتلال الإسرائيلي طويل الأمد للأراضي الفلسطينية يتعارض مع قواعد أساسية في القانون الدولي، وأكد على حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره. كما شدد على التزامات الدول الأخرى بعدم الاعتراف بالوضع غير القانوني الناتج عن هذا الاحتلال، وعدم تقديم دعم أو مساعدة تسهم في استمراره. ورغم أن الآراء الاستشارية للمحكمة ليست ملزمة قانونًا، فإنها تتمتع بثقل قانوني ومعنوي كبير، وغالبًا ما تُستخدم كمرجعية لتقييم سياسات الدول وسلوكها الدولي.
في هذا السياق، يبرز جدل قانوني حول طبيعة صفقات الطاقة مع إسرائيل. فأنصار هذا الطرح يرون أن شراء الغاز لا يرقى تلقائيًا إلى مستوى "المساعدة" المحظورة بموجب القانون الدولي، ما لم يكن مرتبطًا مباشرة بأنشطة غير قانونية محددة. في المقابل، يجادل منتقدو الصفقة بأن العوائد الاقتصادية الناتجة عنها تعزز الاقتصاد الإسرائيلي بشكل عام، وتسهم بصورة غير مباشرة في تثبيت وضع سياسي وقانوني اعتبرته المحكمة غير مشروع، ما يستدعي على الأقل مراجعة هذه العلاقات أو إخضاعها لشروط واضحة.
اقتصاديًا، تشير القاهرة إلى اعتبارات عملية يصعب تجاهلها، من بينها تراجع الإنتاج المحلي من الغاز، وارتفاع الطلب الداخلي، والحاجة إلى تشغيل محطات تسييل الغاز القائمة. وتُعد إسرائيل أحد المصادر القريبة القادرة على توفير كميات مستقرة نسبيًا. من هذا المنظور، ترى الحكومة المصرية أن التخلي عن هذه الإمدادات قد يترتب عليه كلفة اقتصادية كبيرة، ليس فقط على الدولة، بل على المستهلكين والأسواق الإقليمية المرتبطة بها.
في المقابل، يطرح منتقدو الصفقة تساؤلات حول مدى كفاية هذا التبرير، معتبرين أن القانون الدولي، ولا سيما في حالات الانتهاكات الجسيمة، لا يترك هامشًا واسعًا لتغليب المصالح الاقتصادية. ويشير هؤلاء إلى أن الرأي الاستشاري للمحكمة دعا الدول إلى "إعادة النظر" في علاقاتها مع إسرائيل، وهو تعبير يفتح الباب أمام إجراءات متعددة، من بينها تعليق أو تقييد بعض أشكال التعاون، وليس الاكتفاء بإبقائها دون تغيير.
سياسيًا، يصعب فصل الصفقة عن توقيتها. فإبرام أو توسيع اتفاقيات اقتصادية كبرى في ظل حرب مدمّرة يضفي على هذه الاتفاقيات دلالات تتجاوز بعدها التجاري. ويرى مراقبون أن استمرار التعاون الاقتصادي قد يُفسَّر دوليًا كإشارة إلى قبول الأمر الواقع، حتى لو لم يكن هذا هو المقصود رسميًا. في المقابل، تؤكد أطراف أخرى أن خلط الملفات الاقتصادية بالسياسية قد يؤدي إلى نتائج عكسية، ويقوض أدوارًا دبلوماسية تسعى مصر للحفاظ عليها، مثل الوساطة واحتواء التصعيد.
وتزداد حساسية المسألة بالنظر إلى الدور التاريخي الذي لعبته مصر في القضية الفلسطينية، سواء على مستوى الخطاب السياسي أو التحرك الدبلوماسي. هذا الدور يجعل السياسات المصرية موضع تدقيق أكبر، ويضاعف من تأثير قراراتها الرمزي مقارنة بدول أخرى. ومع ذلك، يجادل بعض المحللين بأن تحميل مصر مسؤولية تفوق وزنها الفعلي في النظام الدولي قد يغفل حقيقة أن أدوات الضغط الأساسية لا تزال بيد قوى كبرى.
في المحصلة، تعكس صفقة الغاز مع إسرائيل إشكالية أوسع تتعلق بكيفية موازنة الدول بين التزاماتها القانونية والأخلاقية من جهة، ومصالحها الاقتصادية والأمنية من جهة أخرى. الرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية لم يقدّم إجابات تنفيذية جاهزة، لكنه وضع إطارًا معياريًا يفرض على الدول مراجعة سياساتها بعناية. وبين من يرى في الصفقة ضرورة اقتصادية، ومن يعتبرها خطوة تتعارض مع روح القانون الدولي، يبقى الجدل مفتوحًا، في انتظار سياسات أكثر وضوحًا واتساقًا مع المبادئ المعلنة.





شارك برأيك
صفقة الغاز المصرية الإسرائيلية بين المصالح الاقتصادية والالتزامات القانونية الدولية