في تطور غير مسبوق يهدد بنية العدالة الجنائية الدولية، يواجه قضاة ومدعون عامون في المحكمة الجنائية الدولية حملة عقوبات أميركية خانقة، بسبب دورهم في التحقيق بجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية يُشتبه بارتكابها من قبل مسؤولين إسرائيليين، خلال الحرب المدمّرة على قطاع غزة. هذه العقوبات، التي فرضتها إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب، لم تقتصر على القيود الدبلوماسية، بل امتدت إلى الحياة اليومية لمسؤولي المحكمة، في سابقة تعكس حجم التسييس الذي بات يطال القضاء الدولي.
وكشفت وكالة "أسوشييتد برس" أن تسعة من مسؤولي المحكمة في لاهاي، بينهم ستة قضاة والمدعي العام، تعرّضوا لقطع خدمات مصرفية أساسية، وإلغاء بطاقات ائتمانهم، وحرمانهم من خدمات رقمية تقدمها شركات عملاقة مثل أمازون، نتيجة إدراجهم على لوائح العقوبات الأميركية. وبموجب أمر تنفيذي أصدره ترمب في وقت سابق من هذا العام، مُنع هؤلاء من دخول الولايات المتحدة، وجرى التعامل معهم وفق نظام عقوبات يُستخدم عادة ضد قادة متهمين بجرائم جسيمة.
وبرر البيت الأبيض برر هذه الخطوة بأنها رد على ما وصفه بـ"الإجراءات غير الشرعية والباطلة" التي اتخذتها المحكمة ضد الولايات المتحدة و"حليفتها المقربة" إسرائيل. غير أن توقيت العقوبات جاء بعد إصدار المحكمة مذكرات اعتقال بحق رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير دفاعه السابق يوآف غالانت، بتهم تتعلق بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية خلال العمليات العسكرية في غزة.
ولخصت القاضية الكندية كيمبرلي بروست، إحدى الشخصيات المستهدفة بالعقوبات، التأثير النفسي والعملي لهذه الإجراءات بقولها: "عالمك كله يصبح مقيداً". وأوضحت أنها فقدت إمكانية استخدام بطاقات الائتمان، واختفت الكتب الإلكترونية التي اشترتها، وحتى مساعد "أليكسا" من أمازون توقف عن الاستجابة. وأضافت: "هي مضايقات صغيرة، لكنها تتراكم، وتخلق شعوراً دائماً بعدم اليقين".
ولم تكن بروست مستهدفة فقط بسبب الملف الإسرائيلي، بل أيضاً بسبب تصويتها سابقاً لصالح السماح بالتحقيق في جرائم حرب محتملة ارتكبها جنود وعملاء استخبارات أميركيون في أفغانستان. وقالت بأسى: "أمضيت حياتي في خدمة العدالة الجنائية، والآن أُدرج على قائمة واحدة مع المتورطين في الإرهاب والجريمة المنظمة".
ولم تتوقف العقوبات عند القضاة أنفسهم، بل طالت عائلاتهم. القاضية البيروفية لوز ديل كارمن إيبانيز كارانزا أكدت أن القيود الأميركية على السفر امتدت إلى أفراد أسرتها، ما حال دون مشاركة بناتها في مؤتمرات علمية داخل الولايات المتحدة. وتفرض هذه العقوبات على الشركات والأفراد الامتناع عن تقديم أي "دعم مالي أو مادي أو تكنولوجي" للمستهدفين، تحت طائلة غرامات ضخمة أو حتى السجن، وهو ما دفع البنوك وشركات التكنولوجيا إلى سحب خدماتها بشكل فوري.
ووصفت نائبة المدعي العام، نزهة شميم خان، الوضع بأنه حالة دائمة من الارتياب: "عندما لا تعمل بطاقتك في متجر ما، لا تعرف إن كان خللاً تقنياً أم نتيجة مباشرة للعقوبات". هذا المناخ من الغموض يعكس، وفق مراقبين، محاولة متعمدة لترهيب القضاة ودفعهم إلى التراجع.
وتشير تقارير متقاطعة إلى أن العقوبات ليست سوى جزء من حملة أوسع للضغط على المحكمة، حيث أفاد موقع "ميدل إيست آي" في تموز الماضي أن المدعي العام كريم خان تلقى تهديداً صريحاً بـ"تدمير" المحكمة إذا لم تُسحب مذكرات الاعتقال بحق نتنياهو وغالانت. وذُكر أن التهديد جاء عبر محامٍ مرتبط بدوائر قريبة من رئيس الوزراء الإسرائيلي.
كما نقل الموقع أن وزير الخارجية البريطاني السابق ديفيد كاميرون حذر خان سراً من أن لندن قد توقف تمويلها للمحكمة وتنسحب منها إذا مضت في إصدار مذكرات الاعتقال. وفي السياق ذاته، هدد السيناتور الجمهوري الأميركي ليندسي غراهام بفرض عقوبات على خان في حال تقدم بطلبات الاعتقال.
وفي أيار الماضي، أعلن مكتب خان حصوله على إجازة مؤقتة في ظل تحقيق أممي في مزاعم سوء سلوك جنسي، وهي اتهامات ينفيها محاموه بشدة، مؤكدين أن التنحي جاء فقط بسبب الضغط الإعلامي، وليس اعترافاً بأي مخالفة.
وتكشف العقوبات الأميركية على قضاة المحكمة الجنائية الدولية عن تحوّل خطير في علاقة القوى الكبرى بالقانون الدولي، حيث باتت العدالة مقبولة فقط عندما لا تمس الحلفاء. فبدلاً من الطعن القانوني في اختصاص المحكمة، جرى اللجوء إلى سلاح العقوبات الاقتصادية والتكنولوجية، ما يضع استقلال القضاء الدولي أمام اختبار وجودي، ويبعث برسالة مفادها أن المساءلة لا تزال خاضعة لموازين القوة، لا لمبادئ العدالة.
ويعتقد الخبراء أنه إذا نجحت هذه الضغوط في ردع قضاة المحكمة اليوم، فإنها ستفتح الباب أمام إفلات منهجي من العقاب غداً. القضية لم تعد متعلقة بإسرائيل وحدها، بل بمصير منظومة العدالة الدولية برمتها. فالتراجع أمام العقوبات يعني تكريس سابقة تسمح لأي دولة نافذة بتجريم القضاة بدل المتهمين، وتحويل القانون الدولي من أداة للمساءلة إلى رهينة للسياسة
واشنطن – سعيد عريقات- 15/12/2025
في تطور غير مسبوق يهدد بنية العدالة الجنائية الدولية، يواجه قضاة ومدعون في المحكمة الجنائية الدولية حملة عقوبات أميركية خانقة، بسبب دورهم في التحقيق بجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية يُشتبه بارتكابها من قبل مسؤولين إسرائيليين، خلال الحرب المدمّرة على قطاع غزة. هذه العقوبات، التي فرضتها إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب، لم تقتصر على القيود الدبلوماسية، بل امتدت إلى الحياة اليومية لمسؤولي المحكمة، في سابقة تعكس حجم التسييس الذي بات يطال القضاء الدولي.
وكشفت وكالة "أسوشييتد برس" أن تسعة من مسؤولي المحكمة في لاهاي، بينهم ستة قضاة والمدعي العام، تعرّضوا لقطع خدمات مصرفية أساسية، وإلغاء بطاقات ائتمانهم، وحرمانهم من خدمات رقمية تقدمها شركات عملاقة مثل أمازون، نتيجة إدراجهم على لوائح العقوبات الأميركية. وبموجب أمر تنفيذي أصدره ترمب في وقت سابق من هذا العام، مُنع هؤلاء من دخول الولايات المتحدة، وجرى التعامل معهم وفق نظام عقوبات يُستخدم عادة ضد قادة متهمين بجرائم جسيمة.
وبرر البيت الأبيض برر هذه الخطوة بأنها رد على ما وصفه بـ"الإجراءات غير الشرعية والباطلة" التي اتخذتها المحكمة ضد الولايات المتحدة و"حليفتها المقربة" إسرائيل. غير أن توقيت العقوبات جاء بعد إصدار المحكمة مذكرات اعتقال بحق رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير دفاعه السابق يوآف غالانت، بتهم تتعلق بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية خلال العمليات العسكرية في غزة.
ولخصت القاضية الكندية كيمبرلي بروست، إحدى الشخصيات المستهدفة بالعقوبات، التأثير النفسي والعملي لهذه الإجراءات بقولها: "عالمك كله يصبح مقيداً". وأوضحت أنها فقدت إمكانية استخدام بطاقات الائتمان، واختفت الكتب الإلكترونية التي اشترتها، وحتى مساعد "أليكسا" من أمازون توقف عن الاستجابة. وأضافت: "هي مضايقات صغيرة، لكنها تتراكم، وتخلق شعوراً دائماً بعدم اليقين".
ولم تكن بروست مستهدفة فقط بسبب الملف الإسرائيلي، بل أيضاً بسبب تصويتها سابقاً لصالح السماح بالتحقيق في جرائم حرب محتملة ارتكبها جنود وعملاء استخبارات أميركيون في أفغانستان. وقالت بأسى: "أمضيت حياتي في خدمة العدالة الجنائية، والآن أُدرج على قائمة واحدة مع المتورطين في الإرهاب والجريمة المنظمة".
ولم تتوقف العقوبات عند القضاة أنفسهم، بل طالت عائلاتهم. القاضية البيروفية لوز ديل كارمن إيبانيز كارانزا أكدت أن القيود الأميركية على السفر امتدت إلى أفراد أسرتها، ما حال دون مشاركة بناتها في مؤتمرات علمية داخل الولايات المتحدة. وتفرض هذه العقوبات على الشركات والأفراد الامتناع عن تقديم أي "دعم مالي أو مادي أو تكنولوجي" للمستهدفين، تحت طائلة غرامات ضخمة أو حتى السجن، وهو ما دفع البنوك وشركات التكنولوجيا إلى سحب خدماتها بشكل فوري.
ووصفت نائبة المدعي العام، نزهة شميم خان، الوضع بأنه حالة دائمة من الارتياب: "عندما لا تعمل بطاقتك في متجر ما، لا تعرف إن كان خللاً تقنياً أم نتيجة مباشرة للعقوبات". هذا المناخ من الغموض يعكس، وفق مراقبين، محاولة متعمدة لترهيب القضاة ودفعهم إلى التراجع.
وتشير تقارير متقاطعة إلى أن العقوبات ليست سوى جزء من حملة أوسع للضغط على المحكمة، حيث أفاد موقع "ميدل إيست آي" في تموز الماضي أن المدعي العام كريم خان تلقى تهديداً صريحاً بـ"تدمير" المحكمة إذا لم تُسحب مذكرات الاعتقال بحق نتنياهو وغالانت. وذُكر أن التهديد جاء عبر محامٍ مرتبط بدوائر قريبة من رئيس الوزراء الإسرائيلي.
كما نقل الموقع أن وزير الخارجية البريطاني السابق ديفيد كاميرون حذر خان سراً من أن لندن قد توقف تمويلها للمحكمة وتنسحب منها إذا مضت في إصدار مذكرات الاعتقال. وفي السياق ذاته، هدد السيناتور الجمهوري الأميركي ليندسي غراهام بفرض عقوبات على خان في حال تقدم بطلبات الاعتقال.
وفي أيار الماضي، أعلن مكتب خان حصوله على إجازة مؤقتة في ظل تحقيق أممي في مزاعم سوء سلوك جنسي، وهي اتهامات ينفيها محاموه بشدة، مؤكدين أن التنحي جاء فقط بسبب الضغط الإعلامي، وليس اعترافاً بأي مخالفة.
وتكشف العقوبات الأميركية على قضاة المحكمة الجنائية الدولية عن تحوّل خطير في علاقة القوى الكبرى بالقانون الدولي، حيث باتت العدالة مقبولة فقط عندما لا تمس الحلفاء. فبدلاً من الطعن القانوني في اختصاص المحكمة، جرى اللجوء إلى سلاح العقوبات الاقتصادية والتكنولوجية، ما يضع استقلال القضاء الدولي أمام اختبار وجودي، ويبعث برسالة مفادها أن المساءلة لا تزال خاضعة لموازين القوة، لا لمبادئ العدالة.
ويعتقد الخبراء أنه إذا نجحت هذه الضغوط في ردع قضاة المحكمة اليوم، فإنها ستفتح الباب أمام إفلات منهجي من العقاب غداً. القضية لم تعد متعلقة بإسرائيل وحدها، بل بمصير منظومة العدالة الدولية برمتها. فالتراجع أمام العقوبات يعني تكريس سابقة تسمح لأي دولة نافذة بتجريم القضاة بدل المتهمين، وتحويل القانون الدولي من أداة للمساءلة إلى رهينة للسياسة





شارك برأيك
واشنطن تعاقب قضاة "الجنائية الدولية" بسبب تحقيقاتهم في جرائم الحرب الإسرائيلية