ربحي دولة
في عالم يُفترض أنه يسيرُ نحو العدالة والإنصاف واحترام الكرامة الإنسانية، تبرزُ مفارقة مؤلمة ومثيرة للدهشة: تُقدَّم أحيانًا حقوق الحيوان على حقوق الإنسان، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بضحايا من العرب أو المسلمين. هذا الواقع لا يظهر فقط في تضارب المعايير الدولية، بل أيضـاً في ردود الفعل الغربية الإعلامية والسياسية، حيث تُقاس المعاناة بموازين مزدوجة، وتُختزل القيم الأخلاقية إلى تفضيل "من" يعاني، لا "كيف" يعاني.
لقد شهدنا عبر السنوات أن انتهاك حقوق الحيوانات في بعض الدول أو من قبل أفراد من ثقافات مُعينة قد يثير سخطاً عالمياً، ويؤدي إلى حملات مقاطعة، واستنكارات على أعلى المستويات. بينما تُنتهك حقوق الإنسان بشكل صارخ، ويُقتل المدنيون الأبرياء، وتُفرض عليهم المجاعات والحصارات، فلا نرى سوى صمتًا دوليًا، أو في أحسن الأحوال "قلقًا" لا يُترجم إلى فعل، فعلى سبيل المثال: عندما يتم تعذيب كلب في أحد البلدان، تنهال التغطيات الإعلامية الغربية، ويتم تنظيم حملات لمحاسبة الفاعلين. لكن عندما يُقتل عشرات الآلاف من الأطفال والنساء في غزة، وتُقصف المدارس والمستشفيات، وتُمنع عن الناس المياه والدواء والغذاء، يكون الرد الدولي باهتاً ، ومشلول الإرادة.
إن ما يحصل في غزة منذ أكثر من عامين ليس مُجرد حرب، بل هو حصار وتجويع وإبادة جماعية ممنهجة. أكثر من 60 ألف شهيد ومصاب، غالبيتهم من المدنيين، ومليونان من البشر يُحاصرون، ويُحرمون من أدنى متطلبات الحياة، في ظل صمت وتواطؤ عالمي. مشاهد الأطفال الهزالَى، والرضع الذين يموتون من الجوع، والشيوخ الذين يُدفنون تحت الأنقاض، لا تحرّك ضمير "العالم المتحضر" كما يتحرك لأجل قطة أو حصان.
وفي قمة المفارقة الأخلاقية، أنتجت دولة الاحتلال فيلمًا وثائقيًا مؤخرًا عن الحمير التي "أنقذها" جنودهم من غزة، بعد أن كانت تُستخدم هناك في نقل الحطب أو المياه، بحسب وصفهم. الفيلم يتحدث بتأثر عن كيفية "إعادة تأهيل" هذه الحيوانات و"الرحمة" التي أظهروها لها. لكن السؤال الجوهري: أين كانت هذه الرحمة عندما قُتل الآلاف من الأطفال؟ وكيف تُمنح الكائنات غير العاقلة تعاطفًا ورعاية، بينما يُجرد الإنسان من كرامته، بل من إنسانيته ؟ ماذا لو كان العكس!
لنفترض، مجرد افتراض، أن العرب أو المسلمdن: قتلوا 60 ألف حيوان في قصف متعمد وجوIعوا مليونين من القطط والكلاب في حصار ظالم أو قصفوا مأوى للحيوانات ودفنوا مئات الكائنات تحت الركام، فهل كان العالم سيصمت؟
بالتأكيد لا. كانت ستنطلق حملات المقاطعة، وتُفرض العقوبات، وتُملأ الشوارع بالمظاهرات، بل وقد يُحال المتهمون إلى محكمة الجنايات الدولية تحت ذريعة "جرائم ضد الحياة الفطرية". لكن عندما يُقتل إنسان مسلم أو عربي؟ نجد العالم "يناقش"، "يتحاور"، وربما يقول: "من حق إسرائيل الدفاع عن نفسها.
الخلل ليس في إنسانيتنا كعرب ومسلمين، بل في الميزان الأخلاقي العالمي الذي يتأرجح بحسب المصالح السياسية والهويات الدينية والثقافية. العدالة يجب أن لا تكون انتقائية، ويجب أن لا تُمنح حقوق الإنسان على أساس الدين أو العرق.
لا أحد يرفض الرفق بالحيوان، بل هو من القيم الإسلامية والإنسانية، ولكن حين تُصبح معاناة الحيوان أكثر تأثيراً على العالم من معاناة الإنسان، فإن علينا أن نراجع الضمير العالمي، ونسأله: هل ما زلتَ حياً؟ أم أنك لا تستيقظ إلا حين يُجرح كلب، ولا تتحرك إلا إذا تألمت قطة!
Powered by Froala Editor





شارك برأيك
حين تُصبح مُعاناة الحيوان أكثر تأثيراً على العالم من "حياة الإنسان"