مروان أميل طوباسي
في ظل ما يشهده المشهد الفلسطيني من مآسٍ متواصلة، وفي لحظة يغلفها الدخان والدم ، جاءت المبادرة العربية عبر زيارة مبرمجة لوزراء خارجية عدد من الدول العربية إلى رام الله. محاولةً تبدو متأخرة، لكنها تحمل دلالة سياسية لا يمكن تجاهلها. فقد أرادت هذه الزيارة أن تعلن أن القضية الفلسطينية ما زالت حاضرة، وأن منظمة التحرير الفلسطينية، رغم ما أصابها من ترهل، ما زالت تحظى باعتراف عربي ودولي، بوصفها الممثل الشرعي والوحيد لشعب ينزف في الميدان وتُنهك سلطته في الزوايا.
وإن كانت المبادرة عربية إسلامية الطابع، إلا أن خلفياتها تشير إلى مسارين متوازيين، لكل منهما منطقه ومقاصده:
الأول، إنها قد تكون خطوة استباقية في سياق ما يُعرف بمرحلة "اليوم التالي"، التي تلوح بها العواصم الكبرى لما بعد الحرب على غزة. إذ تسعى السعودية، تحديداً، إلى تثبيت موطئ قدم سياسي في هذه المرحلة، بعدما سئمت من تعنت إسرائيل ورفضها وقف الحرب، فبدأت تحرك أدواتها الدبلوماسية، لعلّها تُقنع الغرب، والولايات المتحدة على وجه الخصوص، بضرورة الاعتراف بالدولة الفلسطينية خلال المؤتمر المرتقب في نيويورك بالشراكة مع فرنسا.
أما المسار الثاني، فيبدو أنه محاولة لاحتواء السلطة الفلسطينية داخل إطار إقليمي قيد التشكّل، قد يكون ممهداً لتسوية شاملة أو لتطبيع أوسع. وربما جاءت هذه الزيارة، أو محاولتها في حال الإصرار على منعها، بتنسيق غير معلن مع واشنطن، التي طالما حاولت إعادة السلطة إلى واجهة المشهد، ولكن على مقاسها وشروطها، الأمر الذي قوبل بالرفض منذ بدايات إعلان صفقة القرن.
غير أن إسرائيل، كعادتها، لم تحتج وقتا طويلاً لتُفشل المبادرة وتُسقط ورقة التين عن واقع الاحتلال المتغطرس والهمجي. جاء الرد قاطعاً يقول: لا دخول، ولا زيارة، ولا اعتبار. وكأنها تقول للعرب جميعاً، ومن فوقهم السلطة الوطنية الفلسطينية، إن الكلمة الفصل هنا لا تُقال إلا في تل أبيب، وإن السيادة في الضفة الغربية ليست إلا للمحتل، وإن أي تحرك، سياسياً كان أم رمزياً لا يتم إلا بإذنه.
إن هذا الرد الإسرائيلي لم يكن مجرد إجراء أمني عابر، بل هو موقف سياسي واضح، يعكس رؤيتها لما بعد الحرب، ويُكرس مفهوم السيطرة الكاملة وفق أيديولوجية "الفوقية اليهودية" ومشروع "إسرائيل الكبرى"، الذي لا يرى في الأرض المحتلة سوى مجال حيوي لتوسيع الاستيطان والضم والقضم، وتقويض الجهود لتجسيد دولة فلسطين على أرض الواقع.
وإذا كان هذا هو حال مبادرة وزراء الخارجية العرب، فالسؤال الذي لا بد أن يُطرح هنا هو، هل سنشهد رداً عربياً يرقى إلى مستوى الإهانة؟
وهل ستعيد السلطة الفلسطينية النظر في استراتيجيتها، بعدما بات واضحاً حجم التهميش الذي يُمارس ضدها من القريب والبعيد؟
ما جرى ، بكل بساطة، يعيدنا إلى نقطة البدء، حيث لن يكون هناك أي دور عربي أو دولي فعال، ما دام الاحتلال لا يدفع ثمناً سياسياً حقيقياً على جرائمه وممارساته. كما أن أي رهان على الإدارة الأمريكية، التي تسعى لتسويق "أفق سياسي" مرسوم على مقاسات إسرائيل ومشروع الشرق الأوسط الجديد، لن يؤدي إلا إلى مزيد من التوهان، خاصة إذا بات الدور العربي مجرد أداة تكميلية لمشروع التصفية، لا مقاومته.
في أحسن الأحوال ، قد يشكل الموقف الإسرائيلي إحراجاً لحلفائه في واشنطن، الذين يعملون على دفع الدول العربية للمساهمة في ترتيبات ما بعد حرب الإبادة والمحرقة، من وجهة نظرهم، ويبحثون عن شركاء إقليميين لإنعاش مسار سياسي واهن. لكن ما يجري على الأرض، من ردع إسرائيلي واضح لأي تحرك عربي، يكشف أن هناك تناغماً ضمنياً في توزيع الأدوار، فواشنطن تُلوح بالسياسة، وإسرائيل تفرض الوقائع بالقوة .
ومن هنا، تبرز الحاجة الفلسطينية المُلحة إلى استراتيجية جديدة، تقوم على التحرر من وهم التسويات مع الحركة الصهيونية، والانفكاك عن منطق التبعية والرهان على "المنقذ الخارجي"، والانطلاق نحو إعادة بناء المشروع الوطني التحرري، على أسس القرار المستقل بعيداً عن محاولات الاحتواء حتى من قوى إقليمية، وعلى أسس الوحدة والمقاومة السياسية والشعبية، ضمن منظمة تحرير تمثل الإطار الجبهوي الوطني الواسع وما تحتاجه من استنهاض، ومجلس وطني ومركزي موحد وتمثيلي بالقدر المُتاح لحين إجراء الانتخابات اللازمة، ورؤية تجمع بين الثوابت وضرورات المرحلة والمتغيرات الدولية.
فحين يسقط القناع عن المبادرات الرمزية، وتُصفع الكرامة العربية على أبواب رام الله، لا يبقى أمام شعبنا الفلسطيني سوى العودة إلى ذاته، إلى وحدته الواسعة لكل مكونات شعبنا، إلى مقاومة محاولات التصفية لوجودنا، فنحن وحدنا من يدفع الثمن، ونحن وحدنا من نملك مفاتيح التغيير إن توفرت الإرادة التي يجب أن تتوفر .
...............
ومن هنا، تبرز الحاجة الفلسطينية المُلحة إلى استراتيجية جديدة، تقوم على التحرر من وهم التسويات مع الحركة الصهيونية، والانفكاك عن منطق التبعية والرهان على "المنقذ الخارجي"، والانطلاق نحو إعادة بناء المشروع الوطني التحرري.
أقلام وأراء
الأحد 01 يونيو 2025 9:13 صباحًا - بتوقيت القدس





شارك برأيك
زيارة وزراء الخارجية العرب.. حين تصطدم الرمزية بغطرسة الاحتلال