أقلام وأراء

الإثنين 19 مايو 2025 1:42 مساءً - بتوقيت القدس

حسين يتأخر عن عائلته دقيقتين بتوقيت القذيفة

"دقيقتان وسأعود".. "حسين" يرجو السائق أن ينتظره، ليأتي بعائلته، من بيتهم "غير الآمن"، بعد تلك الدار، ليقلهم إلى مكان آخر، يفترض أنه أكثر "أمناً"، ولكن...


حسين "أبو العبد" يحتاج فقط "دقيقتين من الركض" -لا متسع للمشي-  فوق الأنقاض أو على طريق محفرة ومليئة بالركام، للوصول إلى "بيته"، حيث تنتظره زوجته وصغاره، الذين يتملكهم الرعب من تحليق الطائرات الحربية، وهدير الدبابات وهي تقترب أكثر وأكثر منهم.


"تتأخرش يا حسين، انت شايف الأولاد كيف خايفين.. صوت الدبابات قرّب كتير والطيران مالي السما".


ينطلق حسين بكل خفة وخوف على أبنائه متخطياً أكوام الركام لإحضار سيارة أو أي عربة تنقلهم من هذا المكان الذي بات في مرمى النار.. 


لو كانت الطريق أقل وعورة لربما عاد حسين إلى عائلته بنفس توقيت القذيفة. ولحالفه الحظ في الالتحاق بزوجته وصغاره في رحلتهم الأبدية! ولأضيفت أسرة إضافية إلى آلاف الأسر التي محيت من السجل المدني، خلال هذه الحرب المجنونة. حسين نجا لكنه لم ينج...


لو كان السائق أسرع قليلاً لما اضطر لايقاف سيارته على مسافة "دقيقتين من الركض"، بعد تلك الدار التي تفصل بينه وبين "بيت حسين"، ولكان حظه في النجاة من الموت هو الآخر يساوي صفراً. 


لكن قائد ذلك الوحش المعدني الطائر في قمرته الزجاجية لا يكترث بأمنيات الصغار وارتعاشات أجسادهم، واستعجل الضغط على الزناد ليطوّح ببيت حسين "أبو العبد"، ويحوله قبراً جماعياً للأم وصغارها، فينجو رب الأسرة من "حفلة القتل" هذه، ربما بانتظار قذيفة أخرى في مكان وزمان آخرين، أو في مذبحة جماعية أخرى، أو ربما بانتظار رصاصة "عمياء" تباغته من "كواد كابتر" تتربص بالسائرين في دروب الآلام.


انفجار هائل يدويّ ويملأ الأفق بالغبار والدخان والنار، فيمنع السائق من التقدم، خشية أن تتبعه قذيفة أخرى، أو ربما لم تعد الطريق صالحة للسير عليها بسبب الركام، المتطاير من شدة الانفجار، فتوقف قبل تلك الدار على بعد "دقيقتين" من البيت الذي تنتظر فيه زوجة حسين وصغاره، حاملين ما "خف ولزم" من الأغراض على أمل النجاة، كما قدر لهم خلال تسعة عشر شهراً من القتل والتجويع.


يقفز حسين من السيارة متوسلاً: ما تتحرك من هنا، هجيب زوجتي والأولاد وأجي، ما بتأخر، بس استنى دقيقتين، المكان قريب، ورا هادي الدار اللي قدام".


يركض حسين على غير هدى وسط هذه الفوضى التي خلفها الانفجار، يتعثر ويقع، ينهض ويركض من جديد، وكان قلبه دليله: لا بد أن الانفجار أصاب الدار. وبالفعل لم يتبق منها الإ الركام.


وكما يحدث بعد كل انفجار هب الأهالي للمساعدة ورفع الأنقاض بأكفهم علهم يتمكنون من إخراج أحياء من تحت الركام..


"بدي ولادي، والله ما تأخرت، رحت أجيب لهم سيارة عشان نطلع من هون، بدي بس واحد من أولادي يطلع من تحت الركام، أمانة يا جماعة، بس طلعولي واحد.. أمانة ساعدوني، أطلع بس واحد من ولادي".


ليته سمع من زوجته واصطحب ابنه البكر "عبد"، معه لكان بقي له واحد من أبنائه..!

دلالات

شارك برأيك

حسين يتأخر عن عائلته دقيقتين بتوقيت القذيفة

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.