في ظل استمرار التصعيد الإسرائيلي الخطير في فلسطين.... السفير ليث عرفة يطلع عضو لجنة العلاقات الخارجية أيدين أوزوغوز على التطورات في فلسطين
وتناول اللقاء الجرائم المستمرة بحق إيناء شعبنا قطاع غزة بما في ذلك استمرار الكارثة الإنسانية، إضافة إلى الانتهاكات الوحشية في القدس، بما في ذلك الاعتداءات على الاماكن المقدسة وفي مقدمتها المسجد الأقصى، وتصاعد ارهاب المستوطنين المنظم الذي ترعاه حكومة الاحتلال، فضلاً عن القرارات المتعلقة ببناء عشرات المستوطنات الجديدة في الضفة الغربية، والاجتياحات المتكررة التي يشنها جيش الاحتلال، وسرقة اموال المقاصة الفلسطينية.
كما استعرض السفير عرفة ما يتعرض له الأسرى الفلسطينيين داخل سجون ومعتقلات الاحتلال، بما في ذلك قانون اعدام الاسرى الذي اقره الكنيست الاسرائيلي.
وفي ختام اللقاء، أعرب السفير عرفة عن تقديره لمواقف أوزوغوز، مشيدًا بدور تيار مهم داخل الحزب الاشتراكي الديمقراطي الألماني الداعم للقضية الفلسطينية، ومؤكدًا تطلع الجانب الفلسطيني إلى تعزيز الشراكة مع ألمانيا.
فلسطين
الأربعاء 15 أبريل 2026 2:05 مساءً - بتوقيت القدس
السفير ليث عرفة يطلع عضو لجنة العلاقات الخارجية أيدين أوزوغوز على التطورات في فلسطين
فلسطين
الأربعاء 15 أبريل 2026 1:58 مساءً - بتوقيت القدس
بألحان أم كلثوم.. أطفال غزة يغالبون قسوة النزوح بالغناء لـ "كوب شاي"
في قلب المعاناة التي تفرضها حرب الإبادة الإسرائيلية على قطاع غزة، برز مقطع فيديو لطفلين نازحين داخل أحد المخيمات وهما يغنيان للشاي بعفوية مطلقة خطفت أنظار الملايين. واستلهم الطفلان مطلع أغنية كوكب الشرق أم كلثوم الشهيرة 'ألف ليلة وليلة'، محولين كلماتها إلى ترنيمة بسيطة تحتفي بكوب من الشاي، في لحظة بدت وكأنها محاولة لانتزاع الفرح من بين أنياب الواقع المرير.
المشهد الذي انتشر كالنار في الهشيم على منصات التواصل الاجتماعي، لم يكن مجرد غناء عابر، بل عكس في طياته تفاصيل الحياة القاسية التي يعيشها أطفال غزة منذ أكثر من عامين. فبينما يغني الصغيران بانسجام تام، تظهر خلفهما خيام النزوح المتهالكة التي باتت المأوى الوحيد لآلاف العائلات التي فقدت منازلها جراء القصف المستمر والدمار الشامل.
وأفادت مصادر بأن التفاعل الواسع مع الفيديو جاء نتيجة التناقض الصارخ بين براءة الطفولة وقسوة الظروف المحيطة، حيث اعتبره ناشطون 'رسالة حياة' تتحدى آلة القتل والدمار. ورأى المتابعون أن قدرة هؤلاء الأطفال على الابتسام والغناء في ظل انعدام الأمن والكهرباء تمثل أسمى صور الصمود الفلسطيني في وجه محاولات الإبادة والتهجير.
وتوقف مغردون عند رمزية 'الشاي' في الفيديو، مشيرين إلى أنه بات المشروب المفضل وربما الوحيد المتاح في ظل الحصار الخانق ونقص الإمدادات الأساسية. كما أشاروا إلى فرحة الأطفال بوجود السكر، الذي أطلقوا عليه وصف 'الذهب الأبيض'، بعد فترات طويلة من الحرمان والمجاعة التي جعلت من طعم الحلاوة ذكرى بعيدة نسيها الكثير من سكان القطاع.
مشهد بسيط لكن ليس بسيطا أبدا.. أطفال في غزة يغنون للشاي في مكان لا توجد فيه كهرباء كافية ولا أمان، لكن فيه شيء واحد ما زال موجودا: الحياة.
وتأتي هذه اللحظات الإنسانية في وقت تتفاقم فيه الأزمات المعيشية داخل مخيمات النزوح، مع استمرار النقص الحاد في المياه الصالحة للشرب والخدمات الصحية الضرورية. ويشكل الأطفال الفئة الأكثر تضرراً من هذه التداعيات، حيث يواجهون يومياً مخاطر سوء التغذية والأمراض، فضلاً عن الضغوط النفسية الهائلة الناتجة عن أصوات الانفجارات وفقدان الأقارب.
وعبر ناشطون حقوقيون عن تأثرهم العميق بالمقطع، مؤكدين أنه يجسد حجم المعاناة الصامتة التي لا تنقلها دائماً عناوين الأخبار السياسية الجافة. وكتب أحد النشطاء معلقاً على المشهد بأن هؤلاء الأطفال يصنعون من اللاشيء بهجة، ويتمسكون بالحياة في مكان يفتقر لأدنى مقومات الأمان، مما يجعل من غنائهم فعلاً مقاوماً بامتياز.
ويبقى هذا الفيديو شاهداً على التناقضات العميقة داخل قطاع غزة، حيث تختلط صرخات الألم بضحكات البراءة في مشهد إنساني بالغ التعقيد. فبينما تستمر الحرب في حصد الأرواح وتدمير البنى التحتية، يبحث أطفال غزة عن فسحات صغيرة للعب والغناء، مؤكدين للعالم أن إرادة البقاء لا تزال نابضة في عروق المخيمات رغم كل المحاولات لطمسها.
اقتصاد
الأربعاء 15 أبريل 2026 1:58 مساءً - بتوقيت القدس
سوريا تطلق أولى عمليات تصدير الفيول العراقي عبر ميناء بانياس
أعلنت الشركة السورية للبترول، اليوم الأربعاء، عن انطلاق أولى عمليات تصدير مادة الفيول العراقي إلى الأسواق الدولية عبر الموانئ السورية. وتمثل هذه الخطوة تحولاً بارزاً في خارطة تجارة الطاقة الإقليمية، حيث تهدف إلى إيجاد منافذ تصديرية بديلة ومستقرة في ظل الظروف السياسية والأمنية الراهنة التي تعصف بالمنطقة.
وباشرت الفرق الفنية في مصفاة بانياس بمحافظة طرطوس عمليات شحن الناقلة 'أساهي برنسيس' بكمية تصل إلى 85 ألف طن من الفيول القادم براً من العراق. ومن المتوقع أن تستغرق عملية التحميل نحو ثلاثة أيام، وذلك عبر الربط المباشر بين المصفاة والمصب النفطي البحري، مع مراعاة الظروف الجوية التي قد تؤثر على سرعة الإنجاز.
وتعد هذه العملية هي الأولى من نوعها لتصدير النفط العراقي عبر الأراضي السورية منذ نهاية عام 2024، مما يعكس رغبة البلدين في استعادة زخم التعاون الاقتصادي. وتأتي هذه التطورات الميدانية بعد سلسلة من التفاهمات الفنية واللوجستية التي جرت بين بغداد ودمشق لتأمين وصول الشحنات بسلامة وانتظام.
ويرتبط هذا التحرك اللوجستي بشكل وثيق بإعادة افتتاح منفذ التنف – الوليد الحدودي، الذي ظل مغلقاً لأكثر من عقد من الزمان نتيجة السيطرة السابقة لتنظيم 'داعش' على المنطقة. وقد بدأت أولى القوافل البرية المحملة بالفيول بعبور الحدود مطلع شهر نيسان/أبريل الجاري، متجهة مباشرة نحو الساحل السوري لتفريغ حمولتها.
تدفق الفيول العراقي إلى سوريا سيصل إلى نحو 500 ألف طن متري شهرياً، في إطار تعزيز التعاون في قطاع الطاقة بين البلدين.
وفي سياق متصل، أكد صفوان شيخ أحمد، المسؤول في الشركة السورية للبترول أن الخطط الحالية تستهدف رفع وتيرة التدفقات لتصل إلى نصف مليون طن متري شهرياً. ويهدف هذا التعاون إلى تعزيز التكامل في قطاع الطاقة، وتوفير عوائد اقتصادية من رسوم العبور والخدمات اللوجستية التي تقدمها الموانئ السورية للجانب العراقي.
وتكتسب هذه الخطوة أهمية مضاعفة بالنظر إلى الاضطرابات الحادة التي تشهدها حركة الملاحة في مضيق هرمز، نتيجة التصعيد العسكري والتوترات الدولية في تلك المنطقة الحيوية. وقد أدى تراجع حركة السفن في المضيق إلى ارتفاع جنوني في تكاليف الشحن والتأمين، مما دفع الدول للبحث عن ممرات برية وبحرية أكثر أماناً بعيداً عن بؤر الصراع.
ويراقب خبراء الطاقة هذا المسار الجديد باهتمام، حيث يمر عبر مضيق هرمز عادة نحو 20 مليون برميل يومياً، وأي تعطل فيه يهدد سلاسل الإمداد العالمية بشكل مباشر. لذا، فإن تفعيل الخط السوري-العراقي يمثل صمام أمان جزئي لتخفيف الضغط عن المسارات التقليدية وتأمين وصول موارد الطاقة إلى الأسواق العالمية بمرونة أكبر.
فلسطين
الأربعاء 15 أبريل 2026 1:44 مساءً - بتوقيت القدس
بكرسي حديدي وصعقات كهربائية.. قصة الأسير محمود الذي أطفأ الاحتلال نظره في 'سدي تيمان'
لم تكن جراح بتر قدمه اليسرى كافية لردع آلة البطش الإسرائيلية عن التنكيل بالشاب محمود أبو الفول، ابن الثلاثين عاماً، الذي واجه فصولاً من العذاب داخل معتقل 'سدي تيمان' سيئ الصيت. بدأت مأساة محمود منذ عام 2015 حين أصابت شظايا صاروخ إسرائيلي قدمه، مما أدى لبترها لاحقاً في عام 2017 بعد محاولات طبية مضنية لإنقاذها.
في أواخر ديسمبر من عام 2024، وأثناء تنفيذ الاحتلال لما عُرف بـ 'خطة الجنرالات' شمال قطاع غزة، اقتحمت القوات الإسرائيلية مستشفى كمال عدوان حيث كان محمود يتلقى العلاج. أُجبر الشاب المصاب على مغادرة المستشفى مشياً على قدم واحدة دون عكازيه، ليتم اعتقاله ونقله إلى مراكز التحقيق في غلاف غزة.
داخل غرف التحقيق المظلمة، واجه محمود ضابطاً تجرد من كل معاني الإنسانية، حيث انهال عليه بالضرب المبرح مستخدماً كرسياً حديدياً استهدف رأسه بشكل مباشر. تسببت تلك الضربات المتتالية في فقدان محمود للوعي، ومع استيقاظه بدأت الرؤية تتلاشى تدريجياً حتى غرق في ظلام دامس لم يخرج منه حتى اللحظة.
أفادت مصادر بأن الاحتلال تعمد إهمال الحالة الصحية للأسير أبو الفول، حيث رفض السجانون عرضه على أطباء مختصين رغم توسلاته المتكررة. وعندما حاول محمود الاحتجاج على حرمانه من الرعاية الطبية عبر الإضراب عن الطعام، واجه السجانون صموده بالصعق الكهربائي والتهديد بالتغذية القسرية المهينة.
استمرت معاناة محمود لثمانية أشهر داخل السجون دون أن يتلقى سوى مسكنات بسيطة وقطرات عين لا تجدي نفعاً، وسط استهزاء الأطباء العسكريين من حالته. كان الطبيب الإسرائيلي يكتفي بوعود كاذبة حول عودة بصره، بينما كانت الالتهابات تنهش جفونه التي انغلق تماماً بفعل الإهمال المتعمد.
نُقل محمود لاحقاً إلى سجن 'عوفر' ثم إلى سجن 'النقب'، حيث عاش ظروفاً قاسية وهو يتنقل بقدم واحدة وبصر مفقود، مما عرضه للسقوط المتكرر والارتطام بالجدران. ظل محمود معزولاً عن أخبار عائلته المحاصرة في شمال القطاع، لا يعرف إن كانوا قد نجوا من القصف المستمر أم ارتقوا شهداء.
في أكتوبر من عام 2025، ومع بدء سريان قرار وقف إطلاق النار، أبلغت اللجنة الدولية للصليب الأحمر محمود بقرار الإفراج عنه لتبدأ رحلة العودة إلى غزة. كانت الصدمة قاسية على والدته المسنة التي استقبلته في مستشفى ناصر بخان يونس، لتجده قد فقد بصره بعد أن فقد قدمه في سنوات سابقة.
لم تكن غرفة التحقيق وصورة الضابط المتجرد من الإنسانية سوى آخر ما رآه محمود قبل أن يحل الظلام في عينيه إلى الأبد.
تقول آمال أبو الفول، والدة محمود إن رؤية ابنها في هذه الحالة أدخلتها في نوبة من البكاء المرير، متسائلة عن الذنب الذي اقترفه ليُحرم من أغلى ما يملك. وتناشد العائلة اليوم الجهات الدولية لتوفير تحويلة طبية عاجلة خارج القطاع، على أمل أن يجد محمود علاجاً يعيد له بصره الذي سلبه السجان.
قصة محمود ليست سوى نموذج لآلاف الأسرى الذين يواجهون الموت البطيء داخل سجون الاحتلال، حيث تشير الإحصائيات إلى وجود أكثر من 9600 أسير حالياً. من بين هؤلاء الأسرى 350 طفلاً قاصراً يعيشون في ظروف تفتقر لأدنى مقومات الحياة الكريمة والقوانين الدولية.
أكدت مصادر حقوقية أن سجون الاحتلال شهدت ارتقاء 326 أسيراً منذ عام 1967، منهم 89 شهيداً تم توثيق هوياتهم منذ بدء حرب الإبادة في السابع من أكتوبر 2023. ولا يزال مصير المئات من معتقلي قطاع غزة مجهولاً، حيث ترفض سلطات الاحتلال الإفصاح عن أماكن احتجازهم أو وضعهم الصحي.
تعاني الحركة الأسيرة من سياسة تجويع ممنهجة أدت إلى تدهور حاد في الأوزان والحالة الصحية العامة للمعتقلين، بالإضافة إلى الاكتظاظ الشديد في الزنازين. ويُحرم الأسرى من زيارات المحامين أو التواصل مع ذويهم، مما يجعلهم في عزلة تامة عن العالم الخارجي وتحت رحمة السجانين.
يأتي يوم الأسير الفلسطيني في السابع عشر من أبريل من كل عام ليذكر العالم بمأساة شعب يقبع خلف القضبان، لكنه هذا العام يحمل طابعاً أكثر مأساوية. فالشهادات التي يدلي بها المحررون تكشف عن فظائع تُرتكب بشكل يومي، تتجاوز كل الخطوط الحمراء للأعراف الدولية والإنسانية.
زاد من قتامة المشهد إقرار الكنيست الإسرائيلي لقانون إعدام الأسرى في مارس المنصرم، وهو ما يمثل ضوءاً أخضر لتصفية المعتقلين الفلسطينيين قانونياً. هذا التصعيد التشريعي يتزامن مع ممارسات ميدانية تهدف إلى كسر إرادة الأسرى وتحويل حياتهم إلى جحيم مستمر داخل المعتقلات.
يبقى محمود أبو الفول شاهداً حياً بعينيه المنطفئتين على جرائم الاحتلال التي لا تسقط بالتقادم، منتظراً عدالة دولية قد لا تأتي قريباً. وتستمر المطالبات الشعبية والرسمية بضرورة تدخل المجتمع الدولي لوقف نزيف المعاناة داخل السجون وحماية الأسرى من سياسات القتل العمد والإهمال الطبي.
تحليل
الأربعاء 15 أبريل 2026 1:12 مساءً - بتوقيت القدس
مفاتيح النهوض الراشد وتفكيك 'النهوض الزائف' في فكر مالك بن نبي
يُعد المفكر الجزائري مالك بن نبي أحد أبرز من قدموا تشريحاً دقيقاً للأزمات الحضارية، حيث لم تكن مفاهيمه مجرد نظريات مجردة، بل أدوات تحليلية لفك شفرات التخلف. وقد ركز بن نبي على تحديد معالم النهوض الراشد في مقابل ما أسماه 'النهوض الزائف' الذي يكرس الانحطاط تحت قشور الحداثة.
يعتبر مفهوم 'القابلية للاستعمار' المفتاح الأهم في فكر بن نبي، إذ يرى أن الاستعمار العسكري ليس إلا نتيجة لحالة نفسية واجتماعية داخلية. فالمجتمع الذي يفقد وعيه وروحه يصبح مستعداً للهزيمة والتبعية، حتى في غياب الجندي الأجنبي على أرضه.
قسم بن نبي مكونات الفعل الحضاري إلى ثلاثة عوالم متداخلة: عالم الأفكار الذي يمثل الروح والمحرك، وعالم الأشخاص وهم الفاعلون، وعالم الأشياء الذي يمثل النواتج المادية. وفي المعادلة الراشدة، تقود الأفكار الأشخاص لصناعة الأشياء، بينما ينعكس الأمر في النهوض الزائف.
يفرق بن نبي بوضوح بين 'بناء' الحضارة وبين 'تكديس' نواتجها، حيث يرى أن البناء عملية ذاتية تنبع من الداخل وتعبر عن روح الأمة. أما التكديس فهو مجرد استعارة لقشور الحضارات الأخرى واقتناء أدواتها دون امتلاك الوعي الذي أنتجها، مما يحول المجتمع إلى مستهلك لا باني.
في تشريحه لعالم الأفكار، يرى بن نبي أن الأفكار في أي مجتمع تنقسم إلى نوعين: أفكار مطبوعة نابعة من الهوية والجذور، وأفكار موضوعة مكتسبة من العلوم والتجارب. والنهوض الحقيقي يحدث حين تخدم الأدوات التقنية (الأفكار الموضوعة) القيم الروحية (الأفكار المطبوعة).
يظهر 'النهوض الزائف' كحالة من الخلل العقلي والحضاري، حيث يظن المجتمع أن امتلاك ناطحات السحاب والمصانع هو جوهر التحضر. هذا النوع من التحديث المادي يغفل بناء الإنسان، ويترك المجتمع مرتهناً تكنولوجياً وفكرياً للخارج، مما يبقي على قابليته للاستعمار.
حذر بن نبي من نوعين من الأفكار المعطلة للنهضة: الأفكار الميتة الموروثة من عصور الانحطاط والتي تفتقر للفاعلية، والأفكار القاتلة الوافدة التي تصطدم بالهوية. والنهوض الزائف غالباً ما يحاول بناء دولة حديثة بأفكار قاتلة فوق مجتمع محكوم بأفكار ميتة.
الاستعمار ليس مجرد جيوش خارجية، بل هو حالة نفسية واجتماعية داخلية تجعل المجتمع مستعداً للهزيمة.
تتحدد الدورة الحضارية عند بن نبي عبر ثلاث مراحل تبدأ بالروح حيث يسيطر الوازع الأخلاقي، ثم العقل حيث التوسع المادي، وصولاً إلى الغريزة. وفي مرحلة الغريزة، يغيب الوعي وتسيطر الشهوات، مما يؤذن ببدء مرحلة الانحطاط والتبعية الحضارية.
صاغ بن نبي معادلته الشهيرة لنشوء الحضارة من ثلاثة عناصر خام: الإنسان والتراب والوقت. لكن هذه العناصر تظل ميتة ما لم يتدخل 'مُرَكِّب' قيمي، وهو الفكرة الدينية أو المنظومة الروحية التي تحول الفرد من كائن مستهلك إلى إنسان حضاري ملتزم.
يمكن تعريف النهوض الزائف بأنه تورم مادي في عالم الأشياء يتم بتمويل خارجي أو استهلاك لموارد ناضبة دون أساس فكري متين. هو نهوض 'بصري' يركز على تحديث المباني مع بقاء المعاني في حالة تخلف وتبعية ثقافية وسياسية للآخر.
المجتمع الذي يعيش نهوضاً زائفاً يظل مستهلكاً للحضارة وليس صانعاً لها، حيث يشتري المنتج النهائي للوعي الغربي دون المرور بعملية الوعي ذاتها. هذا النمط يؤدي إلى 'فائض في الكلام' وثرثرة فكرية تقابلها ندرة في الكدح والسعي الفعلي على أرض الواقع.
من علامات النهوض الزائف أيضاً ما يسميه بن نبي 'الذرية الاجتماعية'، حيث يبقى المجتمع شتاتاً من الأفراد لا يجمعهم ناظم قيمي أو وعي جمعي. ومهما بدت مؤسسات الدولة منظمة من الخارج، فإن غياب الروح يجعلها قشرة خارجية تسقط عند أول أزمة حقيقية.
يشبه بن نبي النهوض الزائف بصيدلية مليئة بالأدوية المكدسة لكن طبيبها (الوعي) غائب، ومريضها (المجتمع) فاقد لإرادة الشفاء. فالنهوض الراشد يبدأ دوماً من تغيير ما بالأنفس لينعكس على عالم الأشياء، وليس العكس كما تحاول الأنظمة الاستبدادية فعله.
في الختام، يظل ميزان مالك بن نبي قائماً على أسئلة جوهرية: هل نبني الإنسان أم نكدس الأشياء؟ وهل نملك أفكارنا أم نحن مستعمرون في عقولنا؟ إن الإجابة على هذه التساؤلات هي التي تحدد ما إذا كان التقدم المادي حقيقة أم مجرد سراب حضاري.
عربي ودولي
الأربعاء 15 أبريل 2026 1:12 مساءً - بتوقيت القدس
تقارير دولية: إيران استخدمت قمراً صناعياً صينياً لتعقب واستهداف قواعد أمريكية بالمنطقة
كشفت تقارير صحفية أمريكية عن تطور نوعي في القدرات الاستخباراتية الإيرانية، حيث أفادت مصادر إعلامية بأن طهران تمكنت من استخدام قمر صناعي صيني بشكل سري لتحديد أهداف عسكرية تابعة للولايات المتحدة في المنطقة. وتأتي هذه الادعاءات في سياق الرد الإيراني المستمر على التحركات العسكرية الأمريكية والإسرائيلية، مما يرفع منسوب التوتر التقني والعسكري في الشرق الأوسط.
ووفقاً لما نقلته صحيفة 'فاينانشال تايمز' عن وثائق عسكرية مسربة، فإن سلاح الجو التابع للحرس الثوري الإيراني وضع يده على القمر الصناعي (تي.إي.إي-01بي). هذا القمر الذي طورته شركة 'إيرث آي' الصينية، دخل الخدمة الفعلية لصالح طهران في أواخر عام 2024، مما مكنها من الحصول على صور عالية الدقة لمواقع استراتيجية.
وأوضحت التحليلات المدارية والإحداثيات المؤرخة أن القادة العسكريين في إيران وجهوا القمر الصناعي لمراقبة دقيقة لمواقع عسكرية أمريكية رئيسية في المنطقة. وقد رصدت الوثائق عمليات تصوير مكثفة جرت في شهر مارس الماضي، شملت فترات ما قبل وما بعد تنفيذ ضربات بواسطة الطائرات المسيّرة والصواريخ الباليستية.
ومن أبرز المواقع التي شملتها عمليات الرصد، قاعدة الأمير سلطان الجوية في المملكة العربية السعودية، حيث التقط القمر صوراً متتابعة في أيام 13 و14 و15 مارس. وتزامن هذا النشاط الاستخباري مع تصريحات للرئيس الأمريكي دونالد ترمب أكد فيها تعرض طائرات أمريكية في تلك القاعدة لهجمات مباشرة.
ولم تقتصر عمليات المراقبة على السعودية، بل امتدت لتشمل قاعدة موفق السلطي الجوية في الأردن، بالإضافة إلى مواقع حيوية قريبة من مقر الأسطول الخامس الأمريكي في العاصمة البحرينية المنامة. كما أظهرت التقارير أن مطار أربيل في إقليم كردستان العراق كان ضمن بنك الأهداف الذي خضع للرقابة اللصيقة عبر القمر الصيني.
نعارض بشدة قيام الأطراف المعنية بنشر معلومات مضللة ومليئة بالتكهنات والتلميحات ضد الصين.
من جانبها، ردت السفارة الصينية في واشنطن بلهجة حادة على هذه التقارير، معتبرة إياها جزءاً من حملة تضليل ممنهجة ضد بكين. وأكدت السفارة في تصريحات رسمية رفضها القاطع لما وصفته بالتكهنات والتلميحات التي تفتقر إلى الأدلة الملموسة، مشددة على التزام بلادها بالمعايير الدولية.
وفي ذات السياق، أشارت مصادر مطلعة إلى أن الصين لم تصدر حتى اللحظة أي تعليق رسمي مباشر من العاصمة بكين حول تفاصيل التعاون التقني مع إيران في مجال الفضاء. كما التزمت الإدارة الأمريكية الصمت الرسمي حيال هذه التسريبات، رغم خطورة المعلومات التي تتحدث عن اختراق تقني صيني لصالح حلفاء إقليميين.
وعلى الجانب الإيراني، كان السفير الإيراني لدى بكين قد استبق هذه التقارير بنفي وجود أي تعاون عسكري مباشر مع الجانب الصيني خلال فترة النزاع الحالي. وشدد السفير على أن العلاقات الثنائية بين البلدين تقتصر على الأطر القانونية الدولية والتجارية، ولا تتضمن تقديم دعم عسكري لوجستي في المواجهات الميدانية.
وتأتي هذه التطورات بعد سلسلة من الأنباء المتضاربة حول وصول شحنات ذخيرة صينية إلى الموانئ الإيرانية، وهي الأنباء التي سارعت بكين لنفيها في حينها. وتؤكد السلطات الصينية باستمرار على سياستها الثابتة في عدم التدخل العسكري المباشر، والتزامها الصارم بالقوانين المنظمة لنقل وشحن الأسلحة والمعدات الحساسة.
ويبقى الجدل قائماً حول مدى دقة هذه التسريبات العسكرية، في ظل تزايد التكهنات الدولية حول أدوار غير معلنة للقوى الكبرى في الصراعات الإقليمية. ومع تصاعد التوترات، تبرز أهمية التكنولوجيا الفضائية كعنصر حاسم في إدارة الصراع وتحديد موازين القوى بين طهران وواشنطن في المنطقة.
اقتصاد
الأربعاء 15 أبريل 2026 12:42 مساءً - بتوقيت القدس
انتعاش في الأسواق العالمية وتراجع بأسعار النفط وسط آمال بتهدئة الصراع بين واشنطن وطهران
شهدت الأسواق المالية العالمية، يوم الأربعاء، موجة من الأداء الإيجابي الواسع، حيث سجلت أسهم الشركات الكبرى ارتفاعات ملحوظة بالتزامن مع انخفاض أسعار النفط لليوم الثاني على التوالي. ويأتي هذا التحول في شهية المستثمرين مدفوعاً بتصاعد الرهانات على إمكانية العودة إلى طاولة المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران لإنهاء الصراع العسكري القائم.
واستند التفاؤل السائد في ردهات البورصات إلى تصريحات صدرت عن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، أشار فيها إلى احتمالية عقد جولة تفاوضية جديدة في باكستان خلال الأيام القليلة المقبلة. ورغم أن واشنطن فرضت بالتزامن مع ذلك قيوداً إضافية على الموانئ الإيرانية، إلا أن الأسواق فضلت التركيز على المسار الدبلوماسي المحتمل كبديل للتصعيد العسكري.
في القارة الآسيوية، قفز مؤشر نيكي الياباني بنسبة تقارب 1%، ليتجاوز حاجز 58 ألف نقطة للمرة الأولى منذ مطلع شهر مارس الماضي. وأظهرت بيانات التداول في بورصة طوكيو أن أسهم قطاع التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي كانت المحرك الأساسي لهذا الصعود، وسط إقبال كبير من المستثمرين على الأصول ذات المخاطر العالية.
وأوضح باحثون في قطاع الاستثمار أن السوق اليابانية بدأت تستفيد من قوة المؤشرات الأمريكية، متجاوزة المخاوف المباشرة من تداعيات الحرب في الشرق الأوسط. كما سجل مؤشر توبكس الأوسع نطاقاً مكاسب بنسبة 0.7%، مما يعكس تحسناً عاماً في ثقة المستثمرين بقدرة الاقتصاد العالمي على تجاوز الأزمة الحالية.
أما في أسواق الطاقة، فقد واصلت أسعار النفط مسارها النزولي خلال التعاملات الآسيوية في سنغافورة، حيث هبط خام برنت إلى مستويات 94.63 دولاراً للبرميل. وتأثرت الأسعار بشكل مباشر بتوقعات عودة تدفق الإمدادات من منطقة الخليج في حال نجاح المسار الدبلوماسي، مما يقلل من احتمالات تعطل الملاحة في مضيق هرمز الاستراتيجي.
وأشارت مصادر تحليلية إلى أن المتداولين بدأوا في تقليص ما يُعرف بـ 'علاوة المخاطر الجيوسياسية' التي كانت قد رفعت الأسعار بشكل حاد منذ اندلاع المواجهات. ويرى خبراء أن السوق باتت تتفاعل مع الأنباء السياسية المتعلقة بالتهدئة أكثر من تفاعلها مع التحركات الميدانية العسكرية، مما أدى إلى تراجع خام غرب تكساس الوسيط بنسبة 0.8%.
الأسواق باتت تتفاعل بشكل متزايد مع أخبار المفاوضات بدلًا من التطورات العسكرية، وبدأ المتداولون في تقليص علاوة المخاطر الجيوسياسية.
وفي وول ستريت، أغلقت المؤشرات الرئيسية على ارتفاعات قوية، حيث اقترب مؤشر ستاندرد آند بورز 500 من مستوياته القياسية المسجلة قبل اندلاع الحرب في فبراير الماضي. وصعد مؤشر ناسداك المثقل بأسهم التكنولوجيا بنسبة قاربت 2%، مما يعكس قناعة المستثمرين بأن الشركات الكبرى قادرة على امتصاص صدمات الحرب وتحقيق أرباح مستدامة.
ولم تكن الأسواق الأوروبية بمعزل عن هذا الزخم، إذ ارتفع مؤشر ستوكس 600 بنسبة 1% ليصل إلى أعلى مستوياته في أكثر من شهر. وجاء هذا الصعود مدعوماً بأداء قوي لقطاعات البنوك والصناعة، في ظل موازنة المستثمرين بين التفاؤل الدبلوماسي والمخاوف المستمرة من اضطرابات سلاسل الإمداد العالمية.
ويرى مراقبون اقتصاديون أن صعود الأسهم الأمريكية لتعويض خسائر الحرب يعكس سيناريو 'السلام المرجح' لدى كبار المستثمرين. وأوضحت مصادر أن الأسواق تسعر حالياً نهاية الحرب حتى لو كانت المفاوضات طويلة ومعقدة، معتبرة أن استمرار النزاع سيشكل ضغطاً لا يمكن تحمله على الاقتصاد العالمي ودول المنطقة.
وحددت تحليلات مالية أربعة عوامل رئيسية لهذا الأداء، أبرزها قوة أرباح الشركات العالمية وقدرتها على الصمود أمام الأزمات الجيوسياسية. بالإضافة إلى ذلك، يسود اعتقاد بأن صدمة الطاقة ستظل محدودة التأثير، مع وجود قناعة بأن الإدارة الأمريكية الحالية تميل في نهاية المطاف إلى التراجع عن التصعيد لصالح التهدئة الاقتصادية.
ورغم هذا التفاؤل، لا يزال النفط يحتفظ بمستويات سعرية مرتفعة نسبياً مقارنة بفترات ما قبل الحرب، وذلك بسبب الاضطرابات الفعلية التي لحقت بخطوط الإمداد في الخليج. ويتوقع محللون أن يبدأ النفط في الانخفاض التدريجي والمستمر بمجرد ظهور نتائج ملموسة على أرض الواقع للمسار الدبلوماسي المقترح بين واشنطن وطهران.
وتظل الأسواق العالمية في حالة من التوازن الهش، حيث تترقب أي إشارات جديدة قد تؤكد أو تنفي فرص التهدئة في الأيام المقبلة. وتعد هذه الفترة واحدة من أكثر الفترات تقلباً في تاريخ البورصات العالمية، بالنظر إلى حجم التداخل بين القرارات السياسية الكبرى وحركة رؤوس الأموال في قطاعات الطاقة والتكنولوجيا.
فلسطين
الأربعاء 15 أبريل 2026 12:42 مساءً - بتوقيت القدس
أزمة قلبية كبرى في غزة: نقص حاد في المستلزمات ومنع السفر يهدد حياة آلاف المرضى
يتصاعد خطر الموت الذي يلاحق مرضى القلب في قطاع غزة بشكل غير مسبوق، حيث يواجه آلاف المصابين بأمراض مزمنة وحادة نقصاً حاداً في الأدوية والمستلزمات الطبية الضرورية. وتتفاقم هذه الأزمة مع استمرار إغلاق المعابر والتعقيدات الشديدة التي يفرضها الاحتلال على سفر الحالات المستعجلة لتلقي العلاج في الخارج، مما يحول غزة إلى سجن كبير يفتقر لأدنى مقومات الرعاية الصحية.
وفي شهادة تعكس عمق المأساة، تروي عائلة المسنة سلمى أبو نادي (78 عاماً) معاناة والدتهم التي ترقد طريحة الفراش منذ شهرين بانتظار توفر بطارية للقلب. وتؤكد ابنة المريضة أن حياة والدتها باتت معلقة بتوفر هذه القطعة الطبية المفقودة في القطاع، مشيرة إلى أن أي تأخير إضافي قد يؤدي إلى وفاتها في ظل عجز الأطباء عن تقديم بدائل علاجية.
وعلى الصعيد الميداني، أدت العمليات العسكرية المستمرة إلى خروج معظم المراكز المتخصصة في جراحة وقسطرة القلب عن الخدمة، ولم يتبق سوى مركز وحيد يعمل في مستشفى القدس بمدينة غزة. هذا المركز الوحيد يواجه ضغطاً هائلاً ونقصاً في الكوادر والمعدات، مما يجعله عاجزاً عن تلبية الاحتياجات المتزايدة لمرضى القطاع المحاصر.
ووصف ماجد شناط، استشاري أمراض القلب في مستشفى القدس، الوضع الصحي الحالي بأنه 'كارثي' بكل المقاييس، موضحاً أن القطاع كان يعاني من نقص قبل الحرب، لكنه الآن يفتقر لأبسط الأدوات. وأشار شناط إلى أن الجهاز الوحيد المتوفر حالياً لا يمكنه التعامل إلا مع عدد محدود جداً من المرضى لا يتجاوز 5 حالات يومياً، وهو رقم ضئيل مقارنة بحجم الإصابات والحالات المرضية.
أمراض القلب أصبحت تمثل أكثر من 56% من أسباب الوفيات في غزة مع توقف المراكز المتخصصة وانعدام المستلزمات الأساسية.
ولا تتوقف المعاناة عند نقص الأجهزة، بل تمتد لتشمل المماطلة في إجراءات التنسيق للسفر، كما هو الحال مع المريض مصطفى ماضي الذي تعرض لتوقف عضلة القلب مرتين خلال شهرين. ورغم خطورة حالته، لا يزال ماضي ينتظر الموافقة على مغادرة القطاع، في ظل بيروقراطية وقيود أمنية مشددة يفرضها الاحتلال على المرضى والمرافقين.
ووفقاً لبيانات صادرة عن وزارة الصحة في غزة، فإن أمراض القلب باتت تتصدر قائمة أسباب الوفيات في القطاع بنسبة تتجاوز 56%. وتعزو الوزارة هذا الارتفاع الصادم إلى توقف 5 مراكز تخصصية عن العمل بشكل كامل، وتعطل عمليات القلب المفتوح، بالإضافة إلى الانعدام التام للدعامات وأدوات القسطرة القلبية الأساسية.
وفي ظل استمرار الحصار والقصف، يشهد قطاع غزة ما يمكن وصفه بمأساة إنسانية صامتة، حيث يموت المرضى ببطء بعيداً عن الأضواء نتيجة انهيار المنظومة الصحية. ورغم المطالبات الدولية المتكررة، لا يزال الاحتلال يمنع دخول المستلزمات الطبية المنقذة للحياة، مما يضع المجتمع الدولي أمام مسؤولية أخلاقية وقانونية تجاه آلاف الأرواح المهددة.
اقتصاد
الأربعاء 15 أبريل 2026 12:42 مساءً - بتوقيت القدس
مخزونات النفط في الفجيرة تهبط لأدنى مستوى منذ 9 سنوات وسط توترات إقليمية
كشفت بيانات إحصائية حديثة عن تراجع حاد في مخزونات المنتجات النفطية المكررة بميناء الفجيرة الإماراتي، حيث انخفضت الكميات المخزنة إلى ما دون 10 ملايين برميل. ويعد هذا المستوى هو الأدنى الذي يتم تسجيله في المركز الاستراتيجي منذ تسع سنوات على الأقل، مما يعكس حجم الضغوط التي تتعرض لها سلاسل توريد الطاقة في المنطقة.
وأرجعت مصادر هذا التراجع إلى تداعيات المواجهة العسكرية المستمرة بين الولايات المتحدة والاحتلال الإسرائيلي من جهة وإيران من جهة أخرى، والتي أدت إلى اضطرابات واسعة في إمدادات الطاقة بمنطقة الخليج. وقد تأثرت عمليات التحميل والتصدير في الميناء بشكل مباشر بالتوترات المتصاعدة، مما أدى إلى ارتباك في حركة الشحن والتخزين داخل واحد من أهم مراكز تزويد السفن بالوقود عالمياً.
وكانت المنطقة قد شهدت في منتصف مارس الماضي توقفاً مؤقتاً لبعض عمليات تحميل النفط في الفجيرة، وذلك في أعقاب هجوم بطائرة مسيرة تسبب في نشوب حريق بالمنشأة. وأدى هذا الحادث إلى تعليق جزئي للأنشطة التشغيلية، وجاء في توقيت حساس تزامن مع تصعيد عسكري استهدف منشآت حيوية في المنطقة، مما زاد من مخاوف شركات التجارة والملاحة الدولية.
تراجعت مخزونات المنتجات النفطية المكررة في إمارة الفجيرة إلى أقل من 10 ملايين برميل، وهو أدنى مستوى تُسجله منذ تسع سنوات على الأقل.
وتأتي هذه التطورات الميدانية عقب هجوم أمريكي استهدف مواقع عسكرية في جزيرة خرج الإيرانية، التي تعتبر الشريان الرئيسي لتصدير النفط الإيراني. ورداً على ذلك، لوح الحرس الثوري الإيراني باعتبار المصالح الأمريكية في المنطقة، بما في ذلك الموانئ والمنشآت البحرية في دولة الإمارات، أهدافاً مشروعة لعملياته في حال استمرار التصعيد العسكري ضد طهران.
ويتمتع ميناء الفجيرة بموقع جيوسياسي بالغ الأهمية، حيث يطل على خليج عُمان ويبعد نحو 70 ميلاً بحرياً عن مضيق هرمز، مما يجعله المنفذ البديل الأبرز لتجارة النفط العالمية بعيداً عن المضيق المهدد بالإغلاق. ويؤدي الميناء دوراً محورياً في استقرار أسواق الطاقة، إذ يستقبل آلاف السفن سنوياً ويتعامل مع مئات الملايين من الأطنان المترية من الخام والمشتقات المكررة.
وتشير الأرقام التشغيلية إلى أن الميناء يخدم حركة تجارية ضخمة تشمل زيارة نحو 12 ألف سفينة للمنطقة العائمة التابعة له سنوياً، مع حجم تداول بضائع يقدر بـ 120 مليون طن متري. ومع استمرار التقلبات الحادة في أسواق النفط العالمية، يبقى ميناء الفجيرة تحت المراقبة الدولية اللصيقة كونه مؤشراً أساسياً على مدى تأثر ممرات الشحن الحيوية بالصراعات الإقليمية الجارية.
اقتصاد
الأربعاء 15 أبريل 2026 12:16 مساءً - بتوقيت القدس
إطلاق المرحلة الثانية من برنامج "بادر" لتمويل العمال بقيمة 40 مليون شيقل
أطلقت سلطة النقد، بالتعاون مع وزارة العمل، اليوم الأربعاء، المرحلة الثانية من برنامج "بادر" لتمويل العمال ممن فقدوا أعمالهم داخل أراضي الـ48، بقيمة تمويلية تصل إلى 40 مليون شيقل.
وأُعلن إطلاق المرحلة الثانية من البرنامج في مقر سلطة النقد بحضور محافظ سلطة النقد يحيى شنار، ووزيرة العمل إيناس عطاري، ونائب المحافظ محمد مناصرة، والوكيل المساعد رامي مهداوي وعدد من مديري الدوائر من الجانبين.
وأشارت سلطة النقد، إلى أن إطلاق هذا البرنامج يأتي بناءً على تعليمات وتوجيهات الرئيس محمود عباس ورئيس مجلس الوزراء محمد مصطفى، إذ يستهدف في مرحلته الثانية العمال والعاملات ممن فقدوا أعمالهم داخل أراضي الـ48 وفي المستعمرات، والعمال الذين فقدوا وظائفهم في الضفة الغربية، من أجل مساعدتهم على إنشاء مشاريعهم القائمة أو تطويرها، إذ يتيح للمستفيدين الحصول على تمويل من المصارف ومؤسسات الإقراض، دون تحمّل أية تكاليف أو فوائد.
وقال شنار: إن إطلاق المرحلة الثانية يأتي استجابة مباشرة للظروف المعيشية والاقتصادية الصعبة التي يتعرض لها أبناء شعبنا خاصة العمال الذين فقدوا فرص عملهم، مشيراً إلى أن البرنامج يتيح للعامل الحصول على قروض ميسرة دون فوائد تُمكّنهم من مباشرة مشاريعهم الخاصة، إضافة إلى مساعدة المستفيدين من القروض من خلال برامج التدريب والتأهيل التي توفرها سلطة النقد من خلال منصة "منشأتي"، ومن خلال مكاتب التشغيل التابعة لوزارة العمل، وبالتالي مساعدة المستفيدين على تأسيس مشاريع ناجحة ومنتجة.
وأوضح، أن هذه المرحلة ستُنفذ من خلال ضخ مبلغ 40 مليون شيقل، يضاف إلى المرحلة الأولى التي بلغت 30 مليون شيقل ليصبح إجمالي محفظة التمويل المخصصة لإقراض العمال بقيمة 70 مليون شيقل، مشيرا إلى أن سلطة النقد على استعداد لزيادة حجم المحفظة وفقاً لحجم الطلب في المستقبل القريب.
وأكد شنار، سعي سلطة النقد إلى إطلاق برامج تمويلية عبر صندوق استدامة تستهدف مختلف شرائح المجتمع، الأمر الذي يعكس التزام سلطة النقد بدعم صمود المواطنين وتعزيز قدرتهم على مواجهة التحديات الاقتصادية، مؤكداً استمرار العمل على تطوير أدوات تمويل مبتكرة تسهم في توسيع قاعدة الشمول المالي، وتعزيز التنمية الاقتصادية والاستقرار المالي.
من جانبها، أكدت عطاري، أن البرنامج يأتي انسجاماً مع توجهات الحكومة الهادفة والحد من معدلات البطالة، وتمكين الفئات المتضررة اقتصادياً، عبر الانتقال من فرص العمل غير المستقرة إلى مشاريع ريادية منتجة ومستدامة داخل السوق المحلي.
وأضافت، أن الحكومة تعمل على تكامل السياسات الاقتصادية والتمويلية بما يعزز فرص التشغيل الذاتي ويدعم صمود العمال وأسرهم، وأن "بادر" هو أكثر من برنامج تمويلي، هو رؤية وطنية للتحرر الاقتصادي التدريجي واستثمار في الكرامة قبل المال، وهو دعوة مفتوحة لكل عامل ليكون صاحب مشروع، وصانع فرصة وشريكاً في التنمية.
ودعت سلطة النقد الراغبين في الاستفادة من البرنامج إلى التقدم بطلباتهم من خلال منصة "منشأتي"، التي تتيح لهم التقدم بطلبات التمويل ومتابعتها إلكترونياً، بما يسهم في تسهيل الإجراءات وتسريع دراسة الطلبات، وضمان وصول التمويل إلى الفئات المستهدفة.
اقتصاد
الأربعاء 15 أبريل 2026 12:13 مساءً - بتوقيت القدس
وزارة الاقتصاد الوطني تطلق البوابة الإلكترونية للتجارة الإلكترونية
أطلق وزير الاقتصاد الوطني محمد العامور، اليوم الأربعاء، البوابة الإلكترونية للتجارة الإلكترونية تحت رعاية دولة رئيس الوزراء محمد مصطفى، وبمشاركة وزير الاتصالات والاقتصاد الرقمي عبد الرزاق نتشه وبحضور محافظ سلطة النقد، يحيى شنار وممثلين عن القطاعين العام والخاص، في خطوة وطنية تهدف إلى رقمنة الاقتصاد ودعم التاجر والمنتج الفلسطين وهي ترجمة عملية لقانون التجارة الالكترونية
وقال الوزير العامور خلال إطلاق المنصة في مقر الوزارة" إن الحدث يمثل "محطة جديدة في مسار وطني من العمل والصمود والبناء"، مؤكدًا أن البوابة ليست مجرد أداة تقنية بل "ممر اقتصادي جديد" يعيد ربط السوق المحلي ببنيته الداخلية وبالعالم الخارجي، ويمنح المنتج الفلسطيني نافذة حقيقية لدخول أسواق أوسع رغم التحديات.
وأكد العامور أن إطلاق المنصة جاء ضمن منهجية انتقالية بدأت في 2024 مع بوابة الأعمال الإلكترونية، وتابعت في 2025 بإقرار التوقيع الإلكتروني البسيط وتعزيز الإطار التشريعي لقوانين التجارة والمنافسة، وصولًا إلى هذه المرحلة في 2026 التي تمثل "الانتقال من رقمنة الخدمة إلى رقمنة الاقتصاد نفسه".
وأشار إلى أن العمل على المنصة سادته رؤية حكومية متكاملة وتعاون وثيق بين وزارة الاقتصاد الوطني ووزارة الاتصالات والاقتصاد الرقمي، معتبرًا أن المشروع "مشروع دولة" يقوم على التكامل والشراكة بين المؤسسات الوطنية ويدعم قدرة الاقتصاد الفلسطيني على النمو والاستقلال.
ولفت الوزير إلى أن الحكومة عملت أيضًا على تثبيت الهوية الرقمية الاقتصادية الفلسطينية عبر اعتماد النطاق الفلسطيني (PS) لكل نشاط اقتصادي، بوصفه خطوة استراتيجية تؤكد "وجود فلسطين الرقمي وقدرتها على الاندماج في الاقتصاد الرقمي العالمي".
وشدد العامور على أن الأهداف الرئيسة للمنصة تتمثل في تعزيز قوة التاجر الفلسطيني، وتوسيع حضور المنتج الوطني، وزيادة قدرة الاقتصاد على الوصول والمنافسة، مع مواصلة العمل على إكمال المنظومة التشريعية والهيكلية الداعمة للاستثمار والابتكار.
واعرب الوزير عن شكره وتقديره لفريق وزارة الاقتصاد الوطني والفِرق الفنية والإدارية والشركاء على جهودهم المتواصلة، مؤكداً استمرار الحكومة في السير قدماً نحو بناء اقتصاد فلسطيني حديث ورقمي ومستدام.
بدوره اكد وزير الاتصالات والاقتصاد الرقمي عبد الرزاق نتشه على اهمية هذا الانجاز الاستراتجية والتي تعد خطوة اضافية نحو رقمنة الاقتصاد الوطني مؤكد عللا رؤية الوزارة ترمي إلى بناء بنية رقمية متكاملة تُمكن الاقتصاد الوطني من الانتقال نحو اقتصاد رقمي شامل ومستدام. وذكر أن الخطوات العملية شملت تحديث البنية التحتية الرقمية، تعزيز خدمات الاتصالات، وتطوير منصات رقمية آمنة تدعم التجارة الإلكترونية، مع التركيز على حماية البيانات وبناء ثقة المستهلك والتاجر في المعاملات الرقمية.
وأشار الوزير عبد الرزاق إلى أهمية الاندماج في الاقتصاد العالمي عبر التجارة الإلكترونية كقناة حيوية لفتح أسواق جديدة أمام المنتج الفلسطيني، مشدداً على أن نجاح هذا التحول يتطلب شراكة فعّالة بين القطاعين العام والخاص. وأضاف أن الوزارة ستواصل تقديم الدعم الفني والتشريعي والتدريبي، وإطلاق مبادرات تمكينية لتحفيز ريادة الأعمال الرقمية وتمكين الشركات المحلية من المنافسة دولياً
وجرى حفل الإطلاق بحضور ممثلين عن مؤسسات حكومية وخاصة وممثلون عن مجتمع الأعمال ورواد الأعمال، وقد شمل الحدث عرضًا عمليًا لآليات عمل البوابة وفوائدها للتجار والمستهلكين، مع التأكيد على برامج دعم وتدريب مرافقة لإدماج القطاع الخاص في المنصة.
بامكان التسجيل عبر المنصة من خلال الرابط الالكتروني التالي
https://mis.mne.gov.ps/ords/f?p=135:2

تحليل
الأربعاء 15 أبريل 2026 11:59 صباحًا - بتوقيت القدس
مخاض النظام الدولي الجديد: قراءة في ملامح 'اليوم التالي' للحرب وتحولات القوة العالمية
تتصاعد في الأوساط البحثية والفكرية نقاشات معمقة حول ملامح 'اليوم التالي' للحرب الجارية، وسط غموض يلف مستقبل المفاوضات والنتائج الميدانية على الجبهات المختلفة. ويرى مراقبون أن تداعيات هذه المواجهة لن تقتصر على الأطراف المباشرة، بل ستمتد لتعيد صياغة النظام الدولي والعلاقات بين القوى الكبرى، مع تأثيرات جوهرية على مستقبل القضية الفلسطينية والمنظومة الأخلاقية العالمية.
وفي هذا السياق، أصدر مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات ورقة علمية حديثة تستشرف ملامح النظام العالمي في السنوات المقبلة، مرجحة دخول العالم في مرحلة انتقالية عميقة. وتشير الدراسة إلى أن الهيمنة الأحادية بدأت تتراجع فعلياً لصالح نظام أكثر تعقيداً يقوم على تعدد مراكز القوة وتداخل الأدوات الصلبة والناعمة في إدارة الصراعات الدولية.
وتؤكد الورقة البحثية التي أعدها الدكتور وليد عبد الحي أن موازين القوى تشهد إعادة تشكل تدريجية، حيث تبرز الصين كقوة تكنولوجية واقتصادية مهيمنة عبر مشاريع استراتيجية عابرة للقارات. وفي المقابل، تسعى روسيا لاستعادة نفوذها عبر توظيف قدراتها العسكرية والجيوسياسية، بينما تحاول واشنطن التمسك بموقعها القيادي من خلال الابتكار التقني وشبكة تحالفاتها الدولية.
لقد تغيرت معايير القوة في العصر الحديث، فلم تعد الترسانات العسكرية هي المقياس الوحيد للتفوق بين الدول. وباتت السيطرة على المضائق المائية الحيوية مثل هرمز وباب المندب، والتحكم في صناعة الرقائق الإلكترونية المتطورة، عناصر حاسمة في تحديد من يملك زمام المبادرة في النظام الدولي الجديد الذي يتشكل تحت وطأة الأزمات.
وتلفت الدراسة الانتباه إلى الدور المتعاظم لشركات التكنولوجيا العملاقة التي تحولت إلى فاعل دولي يتجاوز تأثيره حدود الاقتصاد إلى صياغة الرأي العام العالمي. هذه الشركات باتت تتحكم في تدفق البيانات والمعلومات، مما يفرض تحديات غير مسبوقة على مفهوم السيادة الوطنية التقليدي، ويجعل من الفضاء الرقمي ساحة صراع سياسي بامتياز.
ومن المتوقع أن تشهد المرحلة المقبلة تراجعاً في الحروب التقليدية المباشرة لصالح ما يُعرف بـ 'الحروب الهجينة' التي تدمج بين أدوات متعددة ومبتكرة. وتشمل هذه الحروب الهجمات السيبرانية الممنهجة ضد البنى التحتية، واستخدام العقوبات الاقتصادية كأداة ضغط سياسي، بالإضافة إلى حملات التضليل الإعلامي التي تستهدف زعزعة الاستقرار الداخلي للدول.
وعلى صعيد التحالفات الدولية، تبرز مؤشرات على تآكل الالتزامات الصلبة طويلة الأمد لصالح تحالفات مرنة ومؤقتة تمليها المصالح المتغيرة. وقد تجلى ذلك في الانتقادات الحادة التي وجهتها قيادات أمريكية سابقة لحلف الناتو، ووصفه بـ 'نمر من ورق'، مما يدفع الدول لتنويع شراكاتها الأمنية والاقتصادية بعيداً عن سياسة المحاور الثابتة.
العالم يتجه نحو إعادة تشكّل تدريجية في موازين القوى، حيث لم تعد القوة تُقاس بالقدرات العسكرية وحدها بل بالسيطرة على التكنولوجيا والمضائق الحيوية.
أما منطقة الشرق الأوسط، فستظل في قلب التنافس الدولي نظراً لمواردها الحيوية وموقعها الجيوسياسي الفريد الذي يربط القارات. إلا أن طبيعة النفوذ الخارجي قد تتغير، حيث يتراجع التدخل العسكري المباشر لصالح أدوات النفوذ الاقتصادي والاستثماري، مع بروز أدوار قيادية لقوى إقليمية تسعى لفرض توازنات جديدة في المنطقة.
وتطرح القراءات الاستراتيجية مفهوماً جديداً يتجاوز 'تعدد الأقطاب' إلى 'تعدد المراكز'، حيث تشارك المنصات الرقمية والفاعلون غير الحكوميين في صنع القرار العالمي. هذا التداخل يخلق شبكة معقدة من التأثيرات التي تجعل من الصعب على أي دولة منفردة التحكم في مسارات الأحداث الدولية كما كان يحدث في السابق.
وتثير التحولات الجارية تساؤلات جوهرية حول ما إذا كان العالم يتجه نحو توازن مستقر أم نحو حالة من التنافس المفتوح والمستمر. كما يبقى السؤال قائماً حول دور التكنولوجيا في تقليص الفجوة بين الدول المتقدمة والنامية، أو ما إذا كانت ستؤدي إلى تعميق التبعية التكنولوجية والاقتصادية في ظل السباق المحموم على الذكاء الاصطناعي.
إن إدراك هذه التحولات العميقة لم يعد مجرد ترف فكري للباحثين، بل أصبح ضرورة استراتيجية لصناع القرار في المنطقة العربية. فالعالم الذي يُعاد تشكيله اليوم لا يعترف إلا بالقوة المستندة إلى المعرفة والقدرة على التحكم في تدفقات الاقتصاد الرقمي، وهو ما يتطلب أدوات تحليلية تتجاوز النماذج التقليدية الموروثة.
وفيما يخص الجانب القيمي، فإن الحرب الحالية ستعيد فتح النقاش حول دور القيم الدينية والفكرية في الصراعات الدولية الكبرى. ومن المتوقع أن تؤثر النتائج السياسية والعسكرية لهذه المواجهة على مستقبل الحركات الإسلامية وموقع الأنظمة السياسية في الإقليم، مما يضع المنظومة الأخلاقية الدولية أمام اختبار حقيقي.
وتشدد الأبحاث الصادرة عن مراكز الدراسات على ضرورة عدم انتظار نهاية المدافع لبدء التخطيط للمستقبل، فالواقع الجديد يتشكل الآن في غرف العمليات ومراكز الأبحاث. إن السيولة الاستراتيجية وحالة عدم اليقين التي تغلف المشهد العالمي تتطلب مرونة عالية في التعامل مع المتغيرات المتسارعة لضمان مكانة في النظام الدولي القادم.
ختاماً، فإن ملامح النظام الدولي الجديد ترسم صورة لعالم أكثر ترابطاً وتصادماً في آن واحد، حيث تتقاطع فيه المصالح الاقتصادية مع الصراعات الجيوسياسية. وسيكون للقدرة على التكيف مع 'العصر الرقمي' والتحولات في موازين القوى الكبرى القول الفصل في تحديد شكل الخارطة السياسية للشرق الأوسط في العقود المقبلة.
عربي ودولي
الأربعاء 15 أبريل 2026 11:58 صباحًا - بتوقيت القدس
بين زيارة البابا للجزائر وقانون 'يدان' في فرنسا: صراع الهوية وحرية التعبير يتصدر الرقمية
شهدت الفضاءات الرقمية في الجزائر حالة من الانقسام الحاد تزامناً مع الزيارة التاريخية التي قام بها البابا ليو الرابع عشر. وبينما ركزت منصات التواصل على الأبعاد التاريخية للزيارة، خاصة ما يتعلق بالقديس أوغسطين، استعاد آخرون ذاكرة الصراع مع الاستعمار الفرنسي، معتبرين أن الكنيسة لعبت دوراً في تلك الحقبة، وسط تباين في التفاعل الشعبي الذي تراوح بين الترحيب بالانفتاح والتحفظ على تفاصيل الاستقبال.
وفي سياق متصل، واجه المجتمع الرقمي الجزائري موجة من الأخبار الزائفة التي تحدثت عن هجمات انتحارية في مدينة البليدة. وأظهر النشطاء وعياً مستحدثاً عبر إطلاق حملات مضادة لإخماد هذه الشائعات التي تداولتها وسائل إعلام أجنبية، حيث دعا مدونون إلى انتظار الرواية الرسمية وعدم الانجرار وراء محاولات تشويه صورة الاستقرار في البلاد، فيما وصفه مراقبون بأنه تحول في سلوك المستخدم الجزائري تجاه 'الفضاءات عابرة الحدود'.
يريدوننا أن نكون وقوداً لتشويه صورة بلدنا، فلنطفئ تريند بليدة.. لن نمنح أعداءنا فرصة.
أما في فرنسا، فقد انتقل الغليان السياسي إلى البرلمان مع مناقشة مشروع 'قانون يدان'، نسبة إلى النائبة كارولين يدان. ويهدف المشروع المدعوم من حزب الرئيس ماكرون واليمين إلى تجريم 'الأشكال المستحدثة لمعاداة السامية'، بما يشمل إنكار وجود إسرائيل. وقد قوبل هذا التحرك برفض شعبي واسع تمثل في توقيع نحو 700 ألف شخص على عريضة إلكترونية، وسط تحذيرات حقوقية من تقييد حرية التعبير وفرض منطق القوة الإسرائيلي قانونياً في فرنسا.
عربي ودولي
الأربعاء 15 أبريل 2026 11:57 صباحًا - بتوقيت القدس
العدالة والتنمية المغربي.. مسارات إعادة التشكل واختبار استعادة المبادرة السياسية
تشهد الساحة السياسية المغربية منذ فبراير 2026 تحركات لافتة من قبل حزب العدالة والتنمية، تتجاوز في جوهرها مجرد الأنشطة الروتينية لتصل إلى محاولة عميقة لإعادة إنتاج الذات الحزبية. يأتي هذا الحراك في ظل تحولات بنيوية يشهدها الحقل السياسي، حيث يسعى الحزب لتجاوز حالة الارتباك في التمثيلية والشرعية التي أعقبت نتائج انتخابات عام 2021.
ينخرط الحزب حالياً في مسار تدريجي يهدف إلى إعادة التموقع، معتمداً على استراتيجية التراكم الهادئ بدلاً من القفزات التكتيكية المفاجئة. وتتجلى أولى ملامح هذا التوجه في ما يُعرف بـ 'عقلنة الحقل التنظيمي الداخلي'، والتي تهدف إلى ترتيب البيت من الداخل قبل خوض أي غمار سياسي جديد.
أطلقت القيادة الحزبية عملية تنظيم الجموع العامة الإقليمية للترشيح، وهي خطوة لا تعكس فقط الاستعداد المبكر للاستحقاقات الانتخابية المقبلة، بل تؤشر على وعي بضرورة ترميم الرأسمال التنظيمي. هذا الرأسمال تعرض لتآكل ملحوظ بفعل ضغوط المرحلة الحكومية الثانية وتداعياتها التي انعكست سلباً على القواعد الحزبية.
لا تقتصر هذه التحركات التنظيمية على ترتيب اللوائح الانتخابية فحسب، بل تمتد لتشمل إعادة ضبط العلاقة الجدلية بين المركز والمجال الجغرافي. ويسعى الحزب من خلال ذلك إلى ضمان حد أدنى من الانسجام الداخلي بين القيادة والقواعد، وهو شرط أساسي لأي استعادة سياسية محتملة في المستقبل القريب.
تعتبر استعادة الشرعية السياسية في بعدها المجتمعي التحدي الأكبر الذي يواجه 'إخوان المغرب' في المرحلة الراهنة. ويدرك الحزب جيداً أن الأزمة التي عصفت به لم تكن مجرد تراجع في عدد المقاعد، بل كانت أزمة ثقة عميقة مست جذور ارتباطه بالفئات الاجتماعية التي كانت تشكل خزانة الانتخابي.
في إطار محاولات ترميم الوسائط الاجتماعية، برز توجه الحزب نحو تجديد الصلة المؤسساتية مع نقابة الاتحاد الوطني للشغل بالمغرب. وتكتسي هذه الخطوة دلالة كبرى، حيث يسعى الحزب للتحول من مجرد فاعل انتخابي موسمي إلى حامل حقيقي لمطالب الفئات المهنية والاجتماعية المتضررة.
على مستوى الخطاب السياسي، بدأت الأمانة العامة للحزب في تبني نبرة تعكس سعياً حثيثاً للتموقع كمعارضة مؤسساتية مؤطرة. هذا التوجه يبتعد عن الاحتجاج الصرف، ويحاول التركيز على إنتاج سياسات بديلة يمكنها إقناع الشارع بجدوى العودة لدعم المشروع السياسي للحزب.
الحزب يدرك أن أزمته لم تكن تمثيلية أو انتخابية فحسب، بل مست بنية الثقة التي كانت تربطه بامتداداته الاجتماعية.
ومع ذلك، يصطدم هذا الطموح بمفارقة بنيوية تتعلق بكيفية بناء خطاب معارض مقنع بعد قضاء ولايتين كاملتين في صلب التدبير الحكومي. ويواجه الحزب سؤالاً جوهرياً حول قدرته على نقد السياسات الحالية دون السقوط في فخ التبرؤ الانتقائي من إرثه الحكومي السابق وما رافقه من قرارات.
إن عملية الانتقال من 'شرعية الإنجاز' إلى 'شرعية النقد' تفرض على الحزب مواجهة توترات داخلية وفراغات في الخطاب السياسي الحالي. وتتطلب هذه المرحلة شجاعة في مراجعة الأخطاء السابقة مع الحفاظ على الهوية السياسية التي ميزت الحزب طوال العقود الماضية في الساحة المغربية.
تأتي هذه التحركات في سياق وطني يتسم بضعف الوساطة الحزبية وتزايد منسوب اللامبالاة السياسية لدى فئات واسعة من المواطنين. وتواجه كافة المؤسسات التمثيلية في المغرب تحدي تراجع الثقة، مما يجعل مهمة العدالة والتنمية في استقطاب الجماهير مجدداً أكثر تعقيداً وصعوبة.
أفادت مصادر متابعة للشأن الحزبي بأن الحزب بات يواجه بنية 'مزاج عام' متشكك في جدوى الفعل السياسي برمته، وليس فقط في أداء الأحزاب. هذا التشكك يفرض على الحزب ابتكار أدوات تواصلية جديدة تتجاوز الشعارات التقليدية وتلامس الهموم اليومية للمواطن المغربي بشكل مباشر.
ما يميز تحركات الحزب بعد انعقاد مجلسه الوطني الأخير هو الاقتناع بحدود الفعل السياسي في المرحلة الراهنة. فقد غابت النبرة التصعيدية الحادة والرهانات الكبرى المعلنة، وحل محلها اشتغال هادئ يركز على بناء الشروط الدنيا للعودة إلى صدارة المشهد السياسي.
يرتكز العمل الحالي للحزب على ثلاثة أعمدة رئيسية: تنظيم متماسك، امتداد اجتماعي قابل للتفعيل، وخطاب سياسي يتسم بالمصداقية. ويهدف هذا المثلث الاستراتيجي إلى إعادة بناء الثقة مع المجتمع دون ادعاء امتلاك الحقيقة المطلقة أو تقديم وعود وردية غير قابلة للتنفيذ.
في الختام، يمر حزب العدالة والتنمية بمرحلة انتقالية حرجة بين ماضٍ مثقل بكلفة المشاركة في السلطة ومستقبل لم تتضح معالمه النهائية بعد. وسيكون نجاحه رهناً بقدرته على إنتاج تعاقد سياسي جديد يتجاوز المنطق الانتخابي الضيق نحو أفق إصلاحي أرحب من داخل المؤسسات.
عربي ودولي
الأربعاء 15 أبريل 2026 11:27 صباحًا - بتوقيت القدس
جولة إقليمية لشهباز شريف ودعم سعودي بـ 3 مليارات دولار لباكستان
بدأ رئيس الوزراء الباكستاني، شهباز شريف، اليوم الأربعاء، جولة دبلوماسية إقليمية واسعة تستمر لمدة أربعة أيام، تشمل زيارة كل من المملكة العربية السعودية ودولة قطر وجمهورية تركيا. وتهدف هذه التحركات إلى تعزيز الحراك السياسي لإسلام آباد في ملفات إقليمية شائكة، من أبرزها التمهيد لوساطة محتملة لتقريب وجهات النظر بين الولايات المتحدة وإيران في ظل التوترات الراهنة.
وأفادت مصادر رسمية في وزارة الخارجية الباكستانية بأن الزيارات المقررة إلى الرياض والدوحة ستتركز على تعزيز العلاقات الثنائية في مختلف المجالات الاقتصادية والسياسية. كما سيتوجه شريف إلى تركيا للمشاركة في منتدى أنطاليا للدبلوماسية، حيث من المقرر أن يعقد اجتماعاً ثنائياً مع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان لبحث سبل التعاون المشترك والقضايا ذات الاهتمام المتبادل.
وفي سياق متصل، أعلنت المملكة العربية السعودية عن تقديم دعم مالي إضافي لباكستان بقيمة ثلاثة مليارات دولار، وهي خطوة استراتيجية تهدف إلى دعم ميزان المدفوعات الباكستاني وتعزيز احتياطيات النقد الأجنبي لدى البنك المركزي. ويأتي هذا التمويل الجديد ليؤكد عمق الشراكة بين البلدين، خاصة مع تمديد الرياض لوديعة سابقة كانت قد وضعتها في وقت سابق بقيمة خمسة مليارات دولار.
وتأتي هذه التحركات المالية في وقت حساس تواجه فيه إسلام آباد ضغوطاً اقتصادية متزايدة، حيث يقترب موعد سداد قرض مستحق لدولة الإمارات العربية المتحدة بقيمة 3.5 مليارات دولار. ويمثل هذا المبلغ نحو 18% من إجمالي الاحتياطيات الأجنبية لباكستان، والتي سجلت نحو 16.4 مليار دولار بنهاية شهر مارس الماضي، مما يجعل الدعم الخارجي ضرورة ملحة للاستقرار المالي.
الدعم السعودي يأتي في توقيت حرج لتغطية الاحتياجات التمويلية الخارجية وتأمين السيولة اللازمة.
من جانبه، أوضح وزير المالية الباكستاني، محمد أورنجزيب أن بلاده تعمل جاهدة لرفع احتياطياتها من العملة الصعبة لتتجاوز حاجز 18 مليار دولار بحلول شهر يونيو المقبل. وتندرج هذه الجهود ضمن متطلبات برنامج تمويلي مع صندوق النقد الدولي بقيمة سبعة مليارات دولار، حيث تدرس الحكومة خيارات متنوعة لتأمين السيولة تشمل إصدار سندات دولية والاعتماد على الديون التجارية.
وعلى الصعيد الأمني والدفاعي، برزت باكستان كلاعب محوري في جهود التهدئة الإقليمية، حيث عززت تعاونها العسكري مع المملكة العربية السعودية بشكل ملحوظ خلال الفترة الأخيرة. وقد تضمن هذا التعاون نشر طائرات مقاتلة ووحدات دعم باكستانية داخل الأراضي السعودية، وذلك في أعقاب التهديدات التي استهدفت منشآت الطاقة الحيوية في المنطقة، مما يعكس متانة اتفاقية الدفاع المشترك الموقع عليها العام الماضي.
ختاماً، يسعى شهباز شريف من خلال هذه الجولة المكوكية إلى إعادة تموضع باكستان كقوة إقليمية قادرة على الموازنة بين احتياجاتها الاقتصادية الداخلية ودورها الدبلوماسي الخارجي. وتأمل إسلام آباد أن تساهم هذه التحركات في تخفيف حدة الأزمات المعيشية، مع الحفاظ على علاقات استراتيجية متينة مع القوى الكبرى في الشرق الأوسط والمجتمع الدولي.
أقلام وأراء
الأربعاء 15 أبريل 2026 11:23 صباحًا - بتوقيت القدس
حاصر حصارك!
أقل الكلام
لا يبدو أنّ "رجل الصفقات" وقطب العقارات المسكون بجني الأرباح وجباية الضرائب، قد قرأ يوماً معلقة محمود درويش "سقط القناع"؛ تلك التي خاطب بها الراحل "أبو عمار" حين أطبق عليه الحصار في بيروت عام 1982. فما أنزله شارون بالعاصمة اللبنانية آنذاك يُعيد نتنياهو إنتاجه اليوم بأسلحةٍ حديثة، مدفوعاً بذات النزعة التوسّعية، التي دعت درويش ليصرخ: "حاصر حصارك.. فبيروت صورتنا وسورتنا".
لقد مرت ثمانية عشر عاماً على رحيل "متنبي العربية المعاصرة"، وما تزال قصائده تسكن قلوبنا، وتنهض في كل منعطف، لتضيء وجداننا، كأنه ما زال يعيش بيننا. "كلنا في البحر.. تعبنا من نظام الغاز ومن مطر الأنابيب الرتيب ومن صعود الكهرباء إلى الغرف"؛ كلمات صاغها درويش وكأنه كان يرى بعيون "زرقاء اليمامة" أزمة الطاقة وسلاسل الإمداد وحروب الممرات المائية التي تخنق العالم اليوم.
لكنّ ترمب، من فرط غضبه لعدم بلوغ أهدافه في البر والجو، طفق "يزبد ويرعد" في البحر. قرّر أن يحشر العالم معه، فحاصر حصاره حتى سقط القناع عن وجهه المتقلب، وانقياده الأعمى لسياسات مشغليه في تل أبيب.
وكما قال درويش: "مليون انفجارٍ في المدينة.. هيروشيما هيروشيما.. وأمريكا على الأسوار تُهدي كل طفلٍ لعبةً للموت عنقودية". إنها الرسالة ذاتها التي يرسلها ترمب ونتنياهو اليوم بما يُحدثانه من قتلٍ ودمارٍ في غزة وبيروت وطهران، وبالتوازي مع انطلاق المفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل أمس في واشنطن، كانت الطائرات الإسرائيلية تدك البلدات اللبنانية بحمم النار، وتوسع رقعة الدمار.
فلسطين
الأربعاء 15 أبريل 2026 11:22 صباحًا - بتوقيت القدس
الشاعر والكاتب الراحل ياسين السعدي... وحُلم العودة إلى المزار
رحل من كان يمتطتي صهوة اللغة شعرا وأدبا ليحقق حلم العودة إلى المزار، نعم تحت شمس الرابع عشر من نيسان الخجولة توقف الحلم على حاجز القضاء والقدر، لينهي رحلة من عذابات اللجوء التي بدأت في السابع والعشرين من آب من العام 1940، أي بعد أقل من عام على إعدام الثائر القائد الشيخ فرحان السعدي (عمر المختار الفلسطيني).
رحل، وهو ما زال يتذكر كيف أجبر هو وعائلته وكلّ أهالي المزار على الرحيل قسرا وتحت النار من بلدته التي ولد فيها هو وآباؤه وأجداه... لقد كوّنت هذه الذكريات المرّة صوراً متصاعدة تساير العمر مرارة وعذابات وشقاء تلحف به اللجوء الفلسطيني لأكثر من سبعماية الف فلسطيني هاموا على وجوههم على امتداد الفضاء... فكان لا بد من وعيه وذكائه وفطنته وحسه المرهف أن يوظف ما اكتشفه من حبه للغة العربية وعشقه لها تطويع فنونها التي استحوذت عليها فطرته السليمة وثقافته المتصاعدة تطويعها للتعبير عما يجول بداخله من أحلامه وطموحه وحسه الوطني المتوقد والذي كانت النكبة الفلسطينية، وما واكبها من قسوة ومشقة ومعاناة جوهرا لهذا التعبير، والإبقاء على حلم العودة الذي يكسر النكبة، ويعيد التوازن للفلسطيني، ويعيده كمواطن وشعب يمارس حياته الطبيعية كباقي شعوب العالم على ارض وطنه كالمعتاد.
كان تعليمه الأول في مدارس جنين، بكل مراحلها، حيث تفجرت بداخله ثورة الشعر، وخاصة الشعر العامودي، ولما انهى الثانوية العامة بالنجاح والتفوق، ذهب للدراسة الجامعية في جامعة بيروت العربية حيث درس الأدب ونال "الليسانس" في الأدب العربي ليكون ذلك مخزونا جديدا من أدب اللغة والارتقاء بفنونها الشعرية والأدبية.
معلم للغة العربية
عمل في سلك التربية والتعليم لمدة اثنين وثلاثين عاما، منذ العام 1963 حتى العام 1995 عندما خرج للتقاعد، وخلال هذه الفترة الطويلة من العمل بالتدريس، انفتح في الكتابة أعمدة ثابتة في الصحف الفلسطينية “ے” والنهار بداية تحت اسم مستعار "واصف الشيباني" تفاديا من ملاحقة الحكم العسكري الإسرائيلي الذي كان يمنع موظفي المؤسسات الفلسطينية من نشر مقالاتهم في الصحف الفلسطينية، جريدة القدس والنهار وصوت الحق، ثم سرعان ما انطلق الشاعر والكاتب السعدي في نشر مقالاته وحلقاته في الصحف باسمه الحقيقي تحت عنوان "هدير الضمير"، " مسرحية مؤتمر السلام 1 و2" و" مواقف في رحلة العمر" وغيرها، بالاضافة للاشعار العمودية التي كانت تلقى زاويا مميزة في الصفحات الأدبية في الصحف والمجلات الورقية والاكترونية.
إصدارات
وخلال رحلة العمر التي عاشها الشاعر والكاتب ياسين السعدي والتي استمرت لستة وثمانين عاما، صدر للسعدي مجموعة من الكتب والدواوين الشعرية أهمها "مسرحية مؤتمر السلام 1" في العام 92، و”مسرحية مؤتمر السلام 2"، و"الغضب الطهور في الزمن المريب" في العام 94، وكتاب "هدير الضمير" في العام 2002، وديوان الشعر العاطفي "قناديلي عيونك" في العام 2002، وديوان شعر في "الوطنيات" في العام 2018، بالإضافة لباقة كبيرة من المخطوطات من الشعر والأدب والمقالات السياسية والاجتماعية تحت عناوين منها “أقوال وأمثال" و" وطن الشهيد" وهي دراسة عرض وتحليل وتعليق للمسرحية الشعرية التي كتبها الأديب الفلسطيني برهان العبوشي، و"مواقف في رحلة العمر" والديوان الشعري الذي يحمل عنوان "الاحلام الميتة " وعشرات المقالات في الصحف والمجلات والمواقف الأدبية.
وبالرغم من التقاعد، فإن الشاعر والكاتب السعدي لم يبتعد عن اللغة ومصاحبتها حيث أنشأ مطبعة خاصة، أيضا عمل لمدة سنتين مدققا لغويا في صحيفة ے الفلسطينية.
الخاتمة
رحل الشاعر والكاتب ياسين السعدي بعد كل هذا التراث الغني والوفي لحلمه الذي كان يراوده في العودة لبلدة المزار، رحل ... ولكنه ترك للغة العربية الغنية والباقية تحقيق هذا الحلم من خلال ما أفاض منها جميل فنونها التي ترسخ الهوية العربية الفلسطينية في ميراث فريد لا يمكن لأحد ان يتركه خلفه، ان لم يكن هو في خانة الفريدين.
فلسطين
الأربعاء 15 أبريل 2026 11:19 صباحًا - بتوقيت القدس
الذكرى الأولى لرحيل المناضل الوطني الكبير سميح سباتين "أبو هشام"
بقلبٍ يملؤه الفخر الممزوج بالألم، نتذكر اليوم، وبعد عام على رحيله، الأخ والمعلم، المناضل الذي وهب حياته لفلسطين، القائد الذي لم يترجل عن صهوة نضاله إلا ليلتقي بربه راضياً مرضياً. أحد طلائع الرعيل الأول لحركة "فتح"، الرفيق الوفي لشهداء فلسطين العظام، بدأ من قائد الثورة الشهيد الرمز ياسر عرفات "أبو عمار" وأول الرصاص وأول الحجارة الشهيد القائد خليل الوزير "أبو جهاد" والقائد الشهيد صلاح خلف "أبو إياد"، وغيرهم من القادة الشهداء، حتى آخر شهيد وجريح وأسير. تنقّل في ميادين النضال، من جهاز الرصد الثوري، إلى الأمن الموحد إلى الساحة الدبلوماسية، حاملاً صوت فلسطين في بلغاريا وتشيكوسلوفاكيا بصدق واقتدار.
ولد المناضل سميح إسماعيل سباتين في 1947/05/15، قبل النكبة التي حلت بفلسطين بعام، في ظروف كارثية، غاية في الصعوبة والتعقيد والألم، ظروف سيطرت عليها المأساة الجماعية التي لحقت بالشعب الفلسطيني، والتي عصفت بكل فرد وأسرة من أبناء فلسطين.
في العقد الأول من حياته أظهر سميح الطفل ذكاء" لافتاً"، وسرعة بديهة، أثارت إعجاب الكبار، وأحبها واتكأ عليها أقرانه الصغار. ورغم ضيق ذات اليد الذي رافق طفولتة ظل سميح مرحاً، خفيف الظل، عزيزاً، معتداً بنفسه، مهندماً أنيقاً، رياضياً، ومتفوقاً في دراستة.
كان سميح الشاب اليافع متمرداً وعنيداً، لا يقبل بالمسلّمات، ولا يُسلّم بالأمر الواقع. يجادل ويناقش ويمحص في كل شيء حوله. ورغم حداثة سنه، وفي سنين دراسته الإعدادية والثانوية كان يمشي في المسيرات والتظاهرات، ويشارك في الفعاليات الجماهيرية نصرةً لشعبنا.
لقد شكلت النكبة الفلسطينية -بما جسدته من مؤامرة ومخطط دولي للسطو على الأرض الفلسطينية، وإبادة سكانها ذبحاً وطرداً- الجمرة التي أشعلت نار الغضب ولهيب الثورة في كيان سميح وضميره، وكانت وقوداً يحركه في كل الاتجاهات.
لقد جاء الأول من يناير 1965 برصاصاته الأولى ليعلن الرد الفلسطيني على النكبة، وانطلاق الثورة الفلسطينية ممثلة بحركة التحرير الوطني الفلسطيني "فتح"، الأمر الذي مثّل للمناضل سميح ولأبناء جيله شعلة الأمل الدالة على طريق الكرامة والحرية واستعادة الحقوق المسلوبة، فلم يتأخر بالانضمام إلى صفوفها والانخراط في العمل النضالي في أصعب مجالاتها.
بعد حزيران 1967 انتقل أبو هشام إلى الأردن، وعمل في جهاز الرصد الثوري الفلسطيني بكل كفاءة واقتدار. وبعد أحداث أيلول المؤسفة 1970 انتقل الى دمشق ومن هناك إلى لبنان.
في لبنان لعب أبو هشام دوراً فعالاً في حركة "فتح"، لاسيما في المجال الأمني، حيث ساهم في تأسيس جهاز الثورة الأمني، الأمن الموحد، تحت إشراف الشهيد القائد صلاح خلف "أبو إياد" حيث كان أحد قادته المميزين ومسؤول العلاقات الدولية فيه.
في النصف الأول من سبعينيات القرن الماضي، بينما كان الصراع محتدماً حول الاعتراف بمنظمة التحرير الفلسطينية ممثلاً شرعياً وحيداً للشعب الفلسطيني، كان المناضل أبو هشام من أبرز من ساهم في إنجاز هذا الاعتراف، الذي تجسد في قرار القمة العربية في الرباط 1974، الذي اتسع فيما بعد إقليمياً ودولياً. لقد قدم أبو هشام ورفاقه ثمناً غالياً اعتقالاً وتعذيباً، أخذ من بصره وصحته لقاء ذلك الاعتراف، ولكن ذلك لم يؤثر على بصيرته الثاقبة وسمعه المرهف وذاكرته التصويرية.
كما كُلف أبو هشام من القيادة الفلسطينية بملفات إقليمية ودولية حساسة، حيث لعب دوراً مهماً في إنجاز تلك الملفات، الأمر الذي ساهم في تعزيز علاقات (م. ت. ف) الإقليمية والدولية.
خلال عقد الثمانينيات من القرن الماضي انتقل أبو هشام للعمل الدبلوماسي في الخارج، حيث عين سفيرا" في كل من بلغاريا وتشيكوسلوفاكيا، حيث استفاد من خبرته في العلاقات الدولية في المجال الأمني ليكرس مفهوماً جديداً في الدبلوماسية، وهي "الدبلوماسية الأمنية". معرفة أبو هشام العميقة بالتحويلات الدولية، والقدرة على مخاطبة الآخر بلغة سياسية وقانونية، أكسبتاه الاحترام لدى الأطراف التي تختلف مع التوجهات الفلسطينية، وقد شملت صلاحيات أبو هشام أوروبا الشرقية، وحقق العديد من الإنجازات خلال هذه الفترة، من أهمها توطيد العلاقات بين الاتحاد السوفييتي والأحزاب الاشتراكيةو(م. ت. ف)، وتعزيز الاعترافات بالدولة الفلسطينية المستقلة، وتوفير مساعدات مهمة لدولة فلسطين، وزيادة المنح الدراسية، وتشييد السفارة في بلغاريا وغيرها.
إن إيمان أبو هشام بالتعددية السياسية، وديمقراطية غابة البنادق، قاداه إلى تكريس الجهد الأكبر نحو توطيد وترسيخ العلاقات الداخلية بين مختلف فصائل وقوى العمل الوطني، والحفاظ على الوحدة الوطنية كركيزة أساسية نحو استعادة الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني، الأمر الذي جعل منه جسراً تلتقي عليه مختلف فصائل المنظمة. وخير دليل على ذلك ما تم إنجازه في العاصمة التشيكية (اتفاق براغ للوحدة الوطنية الفلسطينية) حيث كان أبو هشام المحرك والجامع لهذا الاتفاق.
عاد المناضل "أبو هشام" إلى الوطن إثر اتفاقيات أوسلو، حيث كان مستشاراً للرئيس ياسر عرفات ومحافظاً في الداخلية، وكلف من قبل الشهيد الرمز ياسر عرفات بالعلاقات مع قوى السلام ولجنة المتابعة لعليا للجماهير العربية، حيث رسخ أفضل العلاقات مع كافة الأحزاب والقامات الثقافية والفكرية، التي كانت تحظى باحترامه الشديد، وكانت هذه العلاقة هي الأقرب إلى قلب أبو هشام. نوجه التحية إلى أصدقاء أبو هشام محمد بركة وأيمن عودة وأحمد الطيبي وكل أعضاء لجنة المتابعة العليا للجماهير العربية داخل الخط الأخضر.
في العام 2006، عين مستشاراً خاصاً للرئيس محمود عباس لشؤون الأمن القومي بدرجة وزير.
لقد كان أبو هشام رجل علاقات عامة من طراز مميز تجاوزت حدود الوطن إلى الفضاء الواسع العربي والدولي، واعتنق برحابة وسماحة الأديان، لا تمييز ولا تعصب، لم تقتصر علاقاته على رجال السياسة والأمن والدبلوماسية، بل امتدت إلى رجال الفكر والثقافة والدين، إلى رجال الأدب والشعر والصحافة والفن. وأذكر من هؤلاء، لا على سبيل الحصر: توفيق زياد، محمود درويش، سميح القاسم، أحمد فؤاد نجم، إميل حبيبي، جورج طوبي، وديع أبو نصار، الشيخ إمام، نهاد المشنوق، خير الله خير الله، صالح قلاب، وغيرهم كثير. وغالباً ما يبادرك أصدقاؤه عندما تلقاهم بومضاته الصادمة الخفيفة الساخرة، الملخصة بعمق وذكاء لمشهد ضبابي ومتداخل.
نم قرير العين، فقد أديت الأمانة وكنت حصناً منيعاً من حصون الثورة. ستبقى سيرتك العطرة، الموشحة بوسام طروادة ووسام الصداقة الروسي، نبراساً لنا وللأجيال القادمة. نعاهدك أن نبقى على دربك، متمسكين بالثوابت، مخلصين لفلسطين التي أحببت.
لقد كانت مسيرة حياة ابو هشام وقدره أن يمشي درب الأشواك مع أبناء الشعب الفلسطيني منذ ولادته في 1947/05/15وحتى رحيلة في 2025/04/11 بكل إخلاص وإصرار وشرف. وكان يردد دوماً: أنا يا أخي، آمنت بالشعب المضيع والمكبل، وحملت رشاشي لتحمل بعدنا الأجيال منجلاً.
كان يحلم ويقاتل ويعمل من أجل أن تحمل أجيال الاستقلال والمستقبل من شعبنا من بعد ذلك النضال، وتلك التضحيات، القلم والمنجل، وتعيش بحرية وكرامة وسلام، في وطن حر وكريم.
رحمك الله يا أباهشام، وأسكنك فسيح جناته مع النبيين والصديقين والشهداء، وحسن أولئك رفيقا.
أقلام وأراء
الأربعاء 15 أبريل 2026 11:16 صباحًا - بتوقيت القدس
العودة إلى التعليم الوجاهي تتطلب مرونة وفهمًا عميقًا للتحديات والاحتياجات
في أعقاب أكثر من شهر من التعلم الإلكتروني عن بُعد الذي فُرض بفعل التصعيد الأخير في المنطقة، عاد الطلبة إلى مدارسهم وصفوفهم؛ هذه العودة لا يمكن اختزالها في مجرد استئناف الدوام المدرسي، ولا يمكن قراءتها كإجراء تعليمي عادي. فهي، في جوهرها، عملية معقدة لإعادة بناء التوازن النفسي والاجتماعي والتعليمي للطلبة، خاصة في سياق مضطرب ومليء بالتحديات كما هو الحال في فلسطين.
في السياق الفلسطيني، المدرسة ليست مجرد مكان لتلقي المعرفة والتعلم، بل فضاء إنساني يعيد تشكيل الإحساس بالأمان، والانتماء، والاستقرار في واقع ما زال مضطربًا وغير قابل للتنبؤ، وهي مساحة آمنة تعيد للأطفال شيئًا من الإحساس بالحياة الطبيعية. فخلال فترة التعلم عن بُعد، لم يواجه الطلبة تحديات تعليمية فحسب، بل عاشوا أيضًا تحت وطأة التوترات الأمنية، والإغلاقات المتكررة، والضغوط النفسية والاجتماعية التي تركت آثارًا عميقة على سلوكهم ودافعيتهم للتعلم.
لذلك، تواجه العودة إلى التعليم الوجاهي في فلسطين عدة تحديات، منها: تفاوت كبير في مستويات الطلبة؛ فبعضهم انتظم في التعليم عن بعد كليا، وبعضهم جزئيا، وبعضهم لم ينتظم. كما يواجه المعلمون ضغوط اقتصادية ونفسية، ومحدودية الموارد، وبيئات تعليمية غير مستقرة.
العودة إلى الروتين… بوابة التعافي
إن العودة إلى التعليم الوجاهي ليست “عودة إلى الصفوف” فقط بالنسبة للأطفال؛ بل هو إعادة بناء للحياة اليومية للأطفال بعد فترة انقطاع مشحونة بالقلق، والتوتر، واللايقين. وتتضمن هذه العودة إعادة بناء الروتين اليومي في المدرسة كخطوة أولى في طريق التعافي. فالالتزام بمواعيد ثابتة للدروس، والعودة إلى التفاعل اليومي داخل الصف، ليست مجرد إجراءات تنظيمية، بل تدخلات نفسية واجتماعية تساعد الطلبة على استعادة الشعور بالأمان والسيطرة على حياتهم. إن إعادة الروتين، في هذا السياق، تعني إعادة الإحساس بالحياة الطبيعية. لذلك، من الضروري أن تتم هذه العودة بشكل تدريجي، بعيدًا عن الضغط أو التوقعات غير الواقعية بعودة فورية إلى مستويات الأداء السابقة. فبعد أسابيع من التعلم غير المنتظم، يحتاج الطلبة إلى فترة انتقالية مدروسة، وإعادة الروتين الدراسي ليست مسألة انضباط… بل هي عملية إعادة توازن نفسي واجتماعي.
ينبغي الحذر من القفز مباشرة إلى استكمال المنهاج والخوض في تعويض الفاقد التعليمي، دون الالتفات إلى الحالة النفسية للطلبة، وضعف التركيز أو التراجع في الدافعية للتعلم والتحصيل الذي يمكن ملاحظته لدى بعض الطلبة. إن هذا الضعف في التركيز أو تراجع الأداء لا يعكس بالضرورة كسلًا أو تقصيرًا، بل قد يكون نتيجة مباشرة للقلق أو الصدمة أو فقدان الدافعية.
لذلك، فإن من ألأهمية بمكان في هذه المرحلة دون توجيه الاهتمام الكافي والمناسب لتعافي الطلبة نفسيًا واجتماعيًا، من خلال توفير مساحات للتعبير، وأنشطة تفاعلية، وبيئة صفية داعمة تعزز الشعور بالانتماء والأمان. فالتعلم الحقيقي لا يمكن أن يحدث دون هذا التعافي.
كيفية إعادة بناء الروتين الدراسي
يمكن إعادة بناء الروتين الدراسي عبر عدة محاور، هي:
• التدرج في التعليم والتخفيف الأكاديمي الذكي والتركيز على المهارات الأساسية، بدل محاولة تعويض كل شيء دفعة واحدة، وعدم توقع عودة الطلبة مباشرة إلى الانضباط الكامل، فقد يحتاجون إلى فترة انتقالية لإعادة التكيّف. ولا يتوقع من الطالب أن يعود بكامل الطاقة من اليوم أو الأسبوع الأول.
• العودة إلى الروتين اليومي بالتنسيق مع الأسرة، خاصة النوم المبكر، والاستيقاظ المنتظم، وتنظيم الوقت، والالتزام بالدوام، وتقليل الاعتماد على الأجهزة، وبناء الروتين في البيت أيضا وليس في المدرسة فقط؛ لأن الروتين لا ينجح إذا كان البيت يرسل رسائل متناقضة.
• توفير الدعم النفسي والاجتماعي لتعزيزالشعور بالأمان والانتماء، عبر أنشطة تفاعلية وتفريغ انفعالي وبيئة صفية داعمة لمساعدة الطلبة على تجاوز القلق والضعف في التركيز وفقدان الدافعية.
• التركيز على العلاقات قبل المحتوى، خاصة العلاقة مع المعلم، والعلاقة بين الطلبة، والشعور بالأمان والانتماء، فالتعلم الحقيقي لا يحدث في ظل علاقات جافة ومتوترة داخل الصفوف.
المعلم صانع استقرار
في السياق الفلسطيني، يقف المعلم في الخط الأمامي، ليس فقط كناقل معرفة بل كصانع استقرار وكداعم نفسي وميسر للتعلم في ظروف استثنائية؛ لذلك، يتوقع منه أن يدعم الطلبة نفسيًا، ويتعامل مع فروقات كبيرة في المستويات، ويوازن بين الضغط الأكاديمي والاحتياجات الإنسانية، ويهتم بتعافيهم مثلما يهتم بتعلمهم وتحصيلهم. وهذا يتطلب أن نوفر للمعلم وضعا اقتصاديا يساعده على الاستقرار، وتدريبًا متخصصًا في الدعم النفسي الاجتماعي واستراتيجيات التعليم في الأزمات، وإدارة الصفوف في بيئات غير مستقرة، وتوفير مساحة تتييح له مرونة في تطبيق المنهاج، ومساعدته على مواجهة ما يتعرض له من ضغوطً اقتصادية ومهنية ونفسية متزايدة.
فجوات تعليمية… وأخرى نفسية
كثير من النقاشات تركز على “الفاقد التعليمي" واستدراك ما فات الطلبة من تعلم؛ لكن في الواقع الفلسطيني، نحن أمام ما هو أعمق: فاقد في المعنى والدافعية. قد يظهر الطلبة العائدون ضعفًا في التركيز، وتراجعًا في التحصيل، وانخفاضًا في الدافعية. لكن هذه ليست مجرد “فجوة تعليمية”، بل انعكاس لتجربة نفسية معقدة. ومن هنا، يصبح من الضروري اعتماد مقاربات تعليمية مرنة، تدمج بين التقييم التشخيصي، وبرامج التعليم التجسيري، والدعم النفسي الاجتماعي داخل الحصة الصفية.
إن الضغط لاستكمال المنهاج أو تعويض ما فات الطلبة من دروس بسرعة وفي وقت قصير قد يأتي بنتائج عكسية. فالتعلم لا يحدث في بيئة مشحونة بالقلق أو التوتر. ما يحتاجه الطلبة في هذه المرحلة: مساحات آمنة للتعبير، وأنشطة تفاعلية تُعيد بناء الثقة، فضلا عن بيئة صفية داعمة لا تقيس النجاح فقط بالدرجات. وفي هذه المرحلة، نجاحنا لا يُقاس بكم أنجزنا من المنهاج، بل بكم استعدنا من "إنسانية الطالب.”
لا يمكن الحديث عن إعادة الروتين مع إغفال دور الأسرة، رغم أنها تعيش تحت نفس الضغوط؛ فالأهل، رغم ما يواجهونه من ضغوط، يشكلون شريكًا أساسيًا في دعم أولادهم، من خلال تنظيم حياتهم اليومية، وتوفير بيئة داعمة، واحتواء مشاعرهم، وتعزيز تواصلهم مع المدرسة.
من الاستجابة إلى بناء الصمود
رغم كل التحديات، أثبت التعليم في فلسطين قدرته على الاستمرار حتى في أصعب الظروف. لكن المرحلة القادمة تتطلب الانتقال من مجرد استمرارية التعليم إلى تحسين جودته، وبناء نظام تعليمي أكثر قدرة على الصمود في مواجهة الأزمات. إن العودة إلى التعليم الوجاهي ليست نهاية أزمة، بل بداية مرحلة جديدة تتطلب مرونة، وفهمًا عميقًا لاحتياجات الطلبة، واستثمارًا حقيقيًا في رفاههم النفسي والاجتماعي، ودمج الدعم النفسي الاجتماعي في التعليم بشكل منهجي، وتطوير نماذج تعليم مرنة (حضوري/عن بُعد/مدمج)، والاستثمار في المعلم كعنصر محوري.
إن إعادة بناء الروتين الدراسي ليست مهمة تربوية فحسب، بل هي استثمار في استقرار المجتمع بأكمله. فالمدرسة، في هذا السياق، ليست مجرد مبنى، بل مساحة أمل تُعيد للطلبة ثقتهم بأنفسهم، وتفتح أمامهم آفاق المستقبل من جديد، والعودة إلى المدرسة في فلسطين ليست مجرد استئناف للدروس بل هي فرصة لإعادة بناء علاقة الطفل مع التعلم، ومع ذاته، ومع مجتمعه. إن الطفل حين يعود إلى مدرسته في فلسطين، فهو لا يعود فقط إلى مقعده الدراسي… بل يعود خطوة نحو حياته الطبيعية.
أقلام وأراء
الأربعاء 15 أبريل 2026 11:15 صباحًا - بتوقيت القدس
من التصعيد إلى المراوحة: مفاوضات معلّقة تكشف حدود خيار الحرب
في لحظة سياسية حساسة تتقاطع فيها الدبلوماسية مع احتمالات التصعيد، كشفت بلومبرغ عن تحركات لعقد جولة مفاوضات جديدة بين الولايات المتحدة وإيران، قد تستضيفها إسلام آباد، وذلك قبل انتهاء وقف إطلاق النار الحالي. وبينما يبدو المشهد متجهًا نحو التهدئة، عادت نيويورك تايمز لتؤكد على لسان مسؤولين أنه "لا اتفاق حتى الآن" على خطط نهائية لعقد جولة جديدة، ما يعكس حالة سيولة سياسية ودبلوماسية غير محسومة.
هذا التناقض بين الدفع نحو التفاوض وغياب القرار النهائي لا يبدو تفصيلًا إجرائيًا، بل يعكس جوهر المرحلة: إدارة أزمة مفتوحة دون الوصول إلى حسم، وهو ما يمكن وصفه بـ"سياسة المراوحة الاستراتيجية". فالمفاوضات التي استمرت لأكثر من 21 ساعة في إسلام آباد، بقيادة نائب الرئيس الأمريكي جيه دي فانس، انتهت دون اتفاق، حيث رفض الوفد الإيراني القبول بشروط الولايات المتحدة، والتي وصفتها مصادر بأنها كانت شبه "نهائية".
في هذا السياق، يظهر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في موقع إعادة تموضع واضح، حيث تتراجع خيارات التصعيد المباشر لصالح إدارة الوقت وتجنب الانزلاق إلى مواجهة واسعة، خاصة في منطقة ترتبط مباشرة بأسواق الطاقة والاستقرار العالمي. ففي غضون ساعات من انهيار المفاوضات، أمر ترامب بفرض حصار بحري على مضيق هرمز، وهو ما وصفه محللون في جيروزاليم بوست بأنه "تصعيد كبير" يهدف إلى الضغط على إيران بدلاً من الانتظار لمزيد من الدبلوماسية . هذا التحرك يعكس استراتيجية "العصا والجزرة" بامتياز.
فأسعار الطاقة تبقى العامل الأكثر حساسية في المعادلة. أي تصعيد في الشرق الأوسط لا ينعكس فقط سياسيًا، بل ينعكس فورًا على الاقتصاد العالمي، ما يجعل القرار العسكري مرهونًا بحسابات داخلية أمريكية معقدة، خصوصًا مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية وتزايد الضغط الشعبي الرافض للحروب الطويلة. فقد أشارت تقديرات إلى أن تأمين مضيق هرمز بشكل كامل سيتطلب نشر ما بين 30 ألف إلى 45 ألف جندي أمريكي في عملية قد تمتد لعقدين من الزمن، وهو سيناريو "الحرب الأبدية" الذي تعهد ترامب بتجنبه.
داخل الولايات المتحدة، لم يعد خيار الحرب يحظى بالإجماع الذي كان سائدًا في مراحل سابقة. فالمزاج العام يميل إلى الانكفاء الداخلي، بينما تواجه أي إدارة أمريكية معارضة متزايدة لأي تورط عسكري جديد، سواء من داخل الحزبين أو من الرأي العام.
وفقًا لاستطلاع أجراه مركز بيو للأبحاث (Pew Research Center) في مارس 2026، فإن حوالي ستة من كل عشرة أمريكيين (61%) لا يوافقون على تعامل ترامب مع الصراع، ويعتقد 59% أن قرار استخدام القوة العسكرية كان خاطئًا. بل إن 40% من الأمريكيين يعتقدون أن هذه الحرب تجعل الولايات المتحدة "أقل أمانًا" على المدى الطويل.
وهناك انقسام حاد داخل المعسكر الجمهوري نفسه، حيث تؤكد نيويورك تايمز أن إدارة ترامب تشهد "حرباً بين الفصائل" حول تعريف "أمريكا أولاً" في زمن الحرب. فبينما يدعم الحرس القديم والحلفاء التقليديون التصعيد، يعارض تيار "Make America Great Again" الشاب والمؤثر على الإنترنت هذه الحروب، مما يضع الرئيس في موقف صعب. وقد هاجم ترامب شخصيات إعلامية يمينية مثل تاكر كارلسون، كاتباً أن "MAGA تعني الفوز والقوة، وليس السماح لإيران بامتلاك أسلحة نووية".
في المقابل، تبرز معضلة الحلفاء، وعلى رأسهم رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الذي يدفع باتجاه توسيع هامش المواجهة. هذا التباين في الإيقاع بين واشنطن وتل أبيب يفتح سؤالًا استراتيجيًا حساسًا: إلى أي مدى تستطيع الولايات المتحدة ضبط إيقاع حلفائها دون الانجرار إلى مسارات لا ترغب بها؟
ففي تحليل نشرته جيروزاليم بوست، ظهر التباين بوضوح: بينما تحدث نتنياهو بلغة "الإنجاز التاريخي" و"سحق" البرنامج النووي والصاروخي الإيراني، تحدث فانس بلغة "غياب الاتفاق" والحاجة إلى "التزام مؤكد" من إيران. هذا الاختلاف ليس مجرد تباين في الأسلوب، بل يعكس "ساحات ولاءات مختلفة": نتنياهو يخاطب جمهوره الداخلي المتشكك، بينما فانس يدير عملية دبلوماسية معقدة. ومع ذلك، وفي خطوة مفاجئة، أعاد ترامب خلط الأوراق بالإعلان عن الحصار البحري، مما يشير إلى أن صبر البيت الأبيض على المسار الدبلوماسي البطيء قد يكون محدوداً.
ما تكشفه المعطيات الأخيرة هو أن خيار "اللا حرب" لم يعد مجرد خطاب سياسي، بل مسار واقعي يُدار بحذر شديد عبر قنوات تفاوضية غير مكتملة، في ظل غياب أي اتفاق نهائي حتى الآن، كما تشير نيويورك تايمز. إن السعي إلى فتح قنوات تفاوض قبل انتهاء وقف إطلاق النار يعكس خشية واضحة من الفراغ، ذلك الفراغ الذي قد يعيد المنطقة إلى نقطة اشتعال سريعة وغير محسوبة. ومن هنا، تصبح الدبلوماسية أداة لشراء الوقت بقدر ما هي محاولة لصناعة الحل.
في النهاية، لا يبدو أن السؤال اليوم هو: هل تراجع ترامب عن خيار الحرب؟
بل: كيف تُدار مرحلة ما بعد التصعيد في عالم لم يعد يحتمل الحسم السريع؟
ففي عالم شديد التعقيد، لم تعد القوة تُقاس بقدرة الدول على إشعال الحروب، بل بقدرتها على تجنبها… دون فقدان السيطرة على مسار الأحداث.
أقلام وأراء
الأربعاء 15 أبريل 2026 11:14 صباحًا - بتوقيت القدس
مروان البرغوثي: المُصاب بالحريّة والحياة
يا مروان! اجْمَعْ خيمةَ الشهداءِ، وارفَعْ فوقَها جُرْحَ النّبيِّ، لكي يعودوا للغناءِ وللدّيارِ. ولا تَقُلْ: كيفَ السبيلُ؟ فأنتَ مَنْ فتحَ السماءَ على مصاريعِ النجومِ، وأنتَ مَنْ لَبسَ الرّياحَ على قميصِ المُعجزاتِ، وأنتَ مَن أخذَ القرار.
أيّها الأسيرُ البطل! يا مَن دخلتَ إلى الحياة المستحيلة، ويا مَن خافوا ضوءك، فأبقوك في القيود! يا أيقونتَنا المخبّأة مثل شمسِ الساحل في أسوار زهرة المدائن. إنّ إرادَتكم هي إرادةُ النّصر الأكيد. فإن أوغل السجّان في دمكم، وإنْ رفَضَ السجّانُ فكّ القيد عن الزنود، وعلّق الأنشوطة للرقاب العالية، فهذا يؤكد مخاتلته لكلّ القوانين، وأنه ابن الغابة وليس ابن آدم! وأنه ينقلب على أيّ تفاهم، ما يؤكد استحالة السلام معه. وليرى العالمُ جرائمَ هذا المحتلّ، حتى لا يظلّ البعض خاضعاً لابتزازه، أو مصدّقا لدعاويه الملفّقة التي تحارب كل ما هو بريء، وتحرق كل ما هو طفل وجميل، وتمنع كلَّ لقاء بين الإنسان وأخيه. فهل آن الأوان للعالم لأن يُعيد هذا القاتلَ إلى أقفاص المحاكمة، لما يقترفه من إرهاب منَظَّم، يطال الحياةَ ويلوّثُ المعايير البشرية والمواثيق الدولية.
إنّ الأسيرَ اختصارٌ لمعادلة الإقليم. وهو الرمز الأعلى، واللّازمة التي نكررها، بمحبةٍ وكبرياء مجروح، كلما دهمتنا الكآبة، وحاول النسيان أن ينال من وردتنا الوحيدة الباقية، وأعني الشهداء مع وقف التنفيذ. وهو طابع بريدنا الذي نختم به رسائلنا، إلى ذلك المأمول الذي ننتظر ولادته، وسيجيء، أو ننتظر خروجه من خلف الأبواب الغليظة الثقيلة الصدئة، وسيكون حضوره ملء الشمس وفوق الكلمات، التي نبحث عنها، فتهرب من ضعفنا وعجزنا وبحثنا عن خلاصنا الشخصي الممقوت، وستلد معه الأناشيد، وستخرج الحقائب المعبأة بالألوان، ونهتف من جديد، رغم صبيان الفقه الأمني المشبوه، والروبيضة الذي صعد على حبال الشيطان إلى سطح الكلام، وتشاوَف بملامحه الإسخريوطية.
الأسير الفلسطينيّ هو أقدم مُضرب عن الطعام على هذا الكوكب، هو فلسطين التي تعتبر أقدم مظلمة على هذه البسيطة المعقّدة، التي تسيطر عليها حاملات المجرمين وكارتيلاّت المحتلّين الجدد للعواصم والأنهار والآبار. ولعل أسيرنا يستحق أن يدخل الموسوعة المتميزّة من باب البقاء حارساً لأحلام وثوابت شعبه وأُمّته، وليس من باب الألم أو اعتباره ذبيحة معلّقة على مرأى من الساسة ومنظّري حقوق الإنسان وأصحاب المقولات المقلوبة، الذين يدعمون اسبارطة في تطوير طوطم رعبها النووي، لتمعن في لحم الشيوخ والرُّضّع والنساء.
وإن احتمال دولة الإحتلال بإبقاء سجين في زنازينها وهو يحتمل آلام الجوع سنوات لا تنتهي..ولا يحتمل آلام الركوع، هو دليل آخر على عقليتها التي طوّرت كل أشكال القمع عبر التاريخ، وأعادت إنتاجه على جلودنا، والتي تزّج بالجثث في ثلاجات السجن، وبالأطفال في أتون المعسكرات الاعتقالية المرعبة، وهو دليل مكرور بأن هذا الكيان لا يعرف سوى الموت ثقافةً ولغةً، ولا تردعه سوى القوة والكوابح المُقاوِمة. وثمة طابور من الهالوك والرماد المتّصل بجحيم السجّان، الذي يلمّع وجهه بالشعارات المصقولة، ولا إرث له سوى الترنّح والهمسات وركوب الموجات والإلتباس وهدم نوافذ الآباء.
وإن العتمة المختزنة والمكثفة في باستيلات الاحتلال كافية لأن تفور وتُغرق نصف الكرة الأرضية بسوادها الثقيل، غير أن إرادة الأسير الفلسطيني استطاعت أن تحيل تلك المخازن الخانقة إلى قلاع تضجّ بالإرادة والثبات والحياة والضوء، وأن تفتح البراري، ثانيةً، للخيول. وإن الاحتلال الفاشي بجنوده ومستوطنيه وسجّانيه ملطّخ بالعار والدم الثقيل، وأما الأسير الحُرّ وإخوته، فإنهم يدافعون عن شرفهم وكرامتهم ومقدساتهم ومستقبل أبنائهم المأمول.
وقد يكون الحُرّ المُحرّر هو الثروة الحاضرة الأكبر، الآن، في فلسطين، والتي تدلّل على عمق حيوية وتراجيديا شعبنا ومأساته، وعلى مدى المعانيات التي يواجهها هذا الشعب، ليردّ على غوائل إلغائه وشطبه. وإن هذه الثروة النضالية والإنسانية والوطنية كفيلة بأن تؤصّل لبداية مختلفة لوحدة الحراك والعمل الفلسطيني، للفصائل والحركات والأحزاب، لنحقق انطلاقة جديدة، واجبة الوجود، إذا احتسبنا واحترمنا سنوات السجين وجوعه، ودماء الشهداء، ودموع الأيامي والأيتام، ولهفة المنتظرين خلف السياج.
يا مروان! يا أسيرنا الأجمل! يا اسمنا السريّ الحَسَن الذي فضحه التاجر في عتمة التخلّي عن اسمه وحقوله! سيكون سجنك مدرسة لأبنائك، وفضاءات لعب عميق لأحفادك.
يا أبا القسّام! ياتمثال الضوء على كل مفرق ودرب! يا روح الأوائل المتبقّية، لتعيد إلينا ملامح الطهارة والالتزام! ويا لمسة الأمّ البتول على نبض جنينها الآتي عمّا قريب! يكفيك أنك حُرّ على هذه الأرض الأَمَة، ويكفينا أننا نجد زاداً، من لحم عمرك، لنواصل الخطو إلى الشمس، وأننا على يقين بأن القيود تتغضّن على معصميك أيها المصاب بالحريّة والحياة.
يا أيها الحُرّ! أنتَ الآن فلسطين، وشعبك يتنفّس في ظهرك. أما الباقون فهم جوقة لكربلاء العتمة، أو جوقة لملهاة ماجنة. فاصمد حتى ينتصر الموسم، وأكمل زينتك إلى أن نقيم السامر الكبير، وإنْ قطعوا نهرَك، وتآمروا على أن تجوع في غربتك الجديدة الثانية.
وإلى كلّ الأسماء العالية! إنكم أرواحُ الأرضِ، وأنبياءُ الصبر، الذين أرجعوا لنا مرايا الجبّارين وفجرَ العماليق، وزاوجوا بين الوَّتَرِ والعرين، وأعادوا الفحولةَ إلى الأرجوان تحت أقواس الدم والنار. نقول لكم: إذا خُلِق السجنُ لكم فقد خُلِقتُم للحريّة. فَسلامٌ على أبدانكم النبويّة، وعلى جوعِكم المقاتلِ، وعلى عطشِكم الجليلِ، وعلى لحمكم الذي تدبّغ وتغضّن، وفاح بأرجوانه، وأنتم تدافعونَ به عن عن الحق والعدل والوطن، البعيد عن خطوطِ السُّوءِ والهزيمةِ واليأسِ والإبادة المفتوحة، وتواجهونَ الإلغاء والشطب والفاشية، وانغلاقَ السُبُلِ والضُّمورَ والقضبان، وتقفونَ في وجهِ العَبثِ الدمويّ الاحتلاليِ، الذي يسعى إلى تفريغِ الحركةِ الوطنية، والأسيرةِ من مضامينِها ومحتواها الوطني والإنساني.
الثمن باهظ، لأنّهم يحاولون إعدامكم ببطء ثقيل، لكنّ البحرَ سيأتي ليملأ ضلوعَكم، لتظلّوا زَخمَ الرَّعدِ، والبرقَ المُختَزِنَ في غيومِ السماء، حتى تبقى المعتقلاتُ قِلاعاً، إلى أن ينحطم البابُ ويدخل النهار، ولترجعَ الحركةُ الأسيرةُ الحرّةُ إلى سَبيكَتِها الذهبيّة، تحفظُ مُنجزاتِ الشهداءِ والمناضلين، وحتى لا نستمرئ السّكينَ على رقابنا، أو يشحذونَها على عظامِنا.
أيها الأسرى! يا نجومنا الباقية، وحدها في هذا الليل البهيم! ستقهرون الفاشيةَ والسّاديّةَ، ففي صوتكُم دماءُ الشهداءِ، وضحايا غزة وحجارتها، وصراخُ الجرحى، ونداءُ الأُمّهاتِ، وحِراكُ الميادين وأبواب المخيمات، وجرأةُ الموسيقى، وطيورُ النار.
أيها القائد الأسيرُ الحرّ، خلف الجدران! يا مروان فلسطين الأجمل! ستُشرَّع الأبواب عمّا قليل! يا ابنَ الناياتِ والشَّجنِ، يا ابنَ البدايةِ التي لا تنتهي، يا سيّدَ الأعراس، ونشيدَ المتراس، يا انفجارَ الربيعِ وعاصفةَ السنبلةِ، يا بُخارَ جراحِنا ويا خُبزَنا الجَمريّ! كأني أراك، وأنت تقبع منذ عقود في رطوبة العَزْل، تقرأ حروفَك المأنوسةَ، وسترفع النَّرجِسةَ إلى المُلصقِ، وستسعى إلى الضوءِ المُشِّعّ والكتابِ القويم، وإلى النسَغِ المخبأ في الجذور، وسترمي الماسةَ بين الرّحى، حتى يرتجَّ المعدنُ وتتوالى فيه البراكين، ليبلغَ الكَشْفَ..فمِن جُوعِك وضلعك المكسور سيبدأ يومٌ جديد. وأنتَ على صوابٍ إذ تُقدِّمُ كلَّ شىءٍ من أجل الحرية، وتُمهِّدُ لمنظرٍ ورديٍّ، للزمنِ الآتي على سواحل المدن المستباحة.
أيُّها الأسرى الأحرار! أنتم لَحمُ الشمسِ ونبضُ البركانِ ورجّةُ الغناءِ، الذي سيلدُ البقاءَ. نقول لجلّادِكم، الذي يغتصب ويجوّع ويشقّق الشفاه عطشا وسغبا، ويدبّغ الأجساد قيداً وحرقاً، ويَسجِنُ حتى الجثثَ، في مُدنِ أسواره الجهنميّةِ وباستيلّاتِه النازيّة؛ كِلانا، أيّها المُحتلُّ يعرف الموتَ، لكنَّ واحداً منّا يعرف الحياة..إنّه الأسيرُ، الذي لن يسمحَ لِزَمَنِكُم لأنْ يقدَّ أثوابَه السوداءَ من أعمارنا، فهو على يقينٍ بأنّ كلَّ هذه الآلامَ ستصبحُ حريةً، وإنْ اقترفتم ألفَ مذبحةٍ في اليوم والساعة.
أقلام وأراء
الأربعاء 15 أبريل 2026 11:13 صباحًا - بتوقيت القدس
كرامة في شاحنة النفايات
يست صورة أو مشهدًا في مسلسلٍ للإثارة، بل واقعٌ صعب جلبته سياساتٌ منهارة، وخططٌ عرجاء، وسنواتٌ طويلةٌ لم تحقق فيها الحكومات المتعاقبة أدنى مستوىً من العدالة الاجتماعية والاقتصادية.
لو أن مثل هذه الصورة كانت في أي بلدٍ آخر، لسقطت الحكومة واستقالت متحمِّلةً المسؤولية، وتداعى الحزبُ الحاكم وتوقّف طويلًا أمام الحالة وما آلت إليه الأوضاع الاقتصادية المستحيلةُ التي دفعت الناس لتحمّل الأذى والصعاب من أجل الحصول على قوت الأبناء، إلا أن مثل هذه الصورة لم تُحرّك شيئًا، بل مرّت أمام البعض كأي شيءٍ آخر، أو ككل الأشياء الأخرى التي تمرّ بصمتٍ عامٍّ وطامس.
الاحتلال من جانبه أرادها صورةً بهذه المهانة والإذلال، لكن السؤال هنا ليس ما أراده الاحتلال، بل لماذا لم تكن هناك خططٌ على مدار العقود الماضية لانتشال العامل الفلسطيني من أيدي السماسرة وسوق العمل الإسرائيلي، ولماذا لم يُبنَ اقتصادٌ وطنيٌّ قادرٌ على تجاوز التحديات ويستوعب الأيدي العاملة، ولماذا يُترك العامل دائمًا لمواجهة مصيره وحده.
هذا ليس جلدًا للذات، بل مكاشفةٌ لواقعٍ صعبٍ واقتصادٍ متهاوٍ، وسياساتٍ بقيت طيلة عقود تُرسم بالحبر وتُؤصَد في الأدراج المغلقة، وما نرى منها إلا الشعارات والخطب التي تفضح زيفها الأيام.
ما خفي أعظم وأكثر بشاعةً مما رأيناه في الفيديو الذي انتشر عمدًا لإظهار هذا المشهد المذل، وهذه الصورة القاهرة التي مزّقت داخلنا وجعلتنا نتساءل عن مآلات واقعنا الصعب، وكيف يكون الصمود إذا لم تكن هناك مقوّماتٌ اقتصاديةٌ وطبيةٌ وتعليمية، ومن هو المسؤول عما وصلنا إليه، وهل إلقاءُ المسؤولية وحده يكفي، أم أن الضرورة تحتم إعادة النظر في الكثير من الأشياء التي من شأنها إصلاح ما أمكن.
أقلام وأراء
الأربعاء 15 أبريل 2026 11:13 صباحًا - بتوقيت القدس
لبنان يفاوض بلا أوراق!
لبنان اليوم لا يدخل مجرد جولة تفاوض مع الاحتلال، بل يقف عند نقطة تحول في موقعه داخل الصراع، تحول يعيد طرح سؤال قديم جديد، هل يكون ساحة ردع ام ساحة محكومة بمنطق القوة؟
منذ السبعينات لم يكن لبنان طرفا عاديا في الصراع، بل مساحة تداخلت فيها المقاومة الفلسطينية واللبنانية مع حسابات إقليمية ودولية، فصار الجنوب مرآة لتوازنات أكبر من حدوده.
في السبعينات، وبانتقال ثقل المقاومة الفلسطينية الى لبنان، دخل لبنان طورا جديدا من المواجهة، تعامل معه الاحتلال كفراغ أمني يجب إعادة ضبطه بالقوة، فكانت عمليات الاجتياح المتكررة تتويجا لهذا المنطق، وصولا الى اجتياح 1982، والذي لم يكن مجرد عدوان، بل محاولة لإعادة "هندسته" سياسيا وأمنيا، لكنها اصطدمت بصخرة المقاومة، التي أعادت تعريف الصراع، من احتلال مباشر الى استنزاف قاتل.
منذ التسعينات وحتى التحرير عام 2000، تشكلت معادلة ردع غير مكتوبة، قوامها ان كلفة البقاء في الجنوب اعلى بكثير من الانسحاب، هذه اللحظة لم تكن تفصيلا عابرا، بل نقطة تحول في وعي الصراع ككل، اثبتت ان امتلاك القدرة على الفعل الميداني يمكن ان يفرض تراجع القوة، رغم تفوقها العسكري، ثم كرست حرب 2006 معادلة اكثر تعقيدا، حين فشل الاحتلال في تحقيق أهدافه، ما رسخ فكرة الردع المتبادل، فباتت جزء من قواعد الاشتباك.
هذه المعادلة لم تكن ثابتة، وبقيت عرضة لكل تغير محلي واقليمي، جاءت ثورات الربيع العربي وانشغلت المنطقة بصراعاتها الداخلية، وسعى الاحتلال الى توسيع هامش حركته عبر ضربات وضغوط مستمرة، محاولا تفكيك بيئة الردع تدريجيا، في المقابل، دخل لبنان في ازمة داخلية عميقة، اقتصادية ومالية وسياسية، جعلت الدولة اضعف من ان تدير هذا التوازن او تستثمره، هنا بدأ التباعد بين واقع القوة على الارض والقرار الرسمي، تباعد تتجلى صورته اليوم من خلال المفاوضات المباشرة.
طرح نزع سلاح المقاومة في هذا السياق يبدو كانه قفز فوق تجربة تزيد عن نصف قرن من الصراع، فالسلاح لم يكن مجرد اداة عسكرية، بل جزءا من معادلة ردع تراكمت عبر تجارب ملحمية، من الاجتياح الى التحرير الى الحرب الشاملة، ونزعه دون بديل ردع حقيقي، لا يعني العودة الى وضع ما قبل المقاومة، بل الذهاب الى وضع اكثر هشاشة، يصبح فيه لبنان مكشوفا امام قوة سعت دوما لابتلاعه.
ان الرهان على ان التسويات يمكن ان تحل مكان القوة يتجاهل دروسا تكررت كثيرا، فتجربة الفلسطينيين تقدم نموذجا صارخا، حين تحول المسار التفاوضي الى اطار لادارة واقع مفروض، لا لتغييره، فيما بقيت الولايات المتحدة منحازة بشكل صارخ، تدير اللعبة وفق مصالح حليفتها، وفي الحالة اللبنانية، لا يوجد ما يشير الى ان الوسيط نفسه قد يتحول فجأة الى ضامن نزيه في ظل اولويات ترى في استقرار الحدود هدفا مقدما على مسألة الحقوق.
يُدفع لبنان اليوم نحو التفاوض تحت ضغط مزدوج، تهديد عسكري، يقتل ويدمر ويقضم الارض، وضغط سياسي اقتصادي من بعض العواصم العربية والعالمية من جهة اخرى، وكلها تأتي ضمن مسار أوسع لفكفكة الترابط بين ساحات الصراع، فالمقايضة المطروحة اليوم واضحة وان لم تعلن صراحة، فك الارتباط الاقليمي ونزع عناصر القوة مقابل وعود بالدعم، غير ان هذه الوعود تبقى رهينة المزاج السياسي، ومشروطة بسلوك دائم لا بمجرد خطوة واحدة.
ربما المشكلة ليست الان في فكرة التفاوض، وان كانت كذلك، بل في التوقيت والشروط والادوات والسياق وحساسية اللحظة التاريخية، لان التفاوض الذي يأتي بعد تفكيك أوراق القوة هو إقرار بالهزيمة بصيغة دبلوماسية، ولذلك فان السؤال الحقيقي ليس ماذا يمكن ان يحصل عليه لبنان من هذه الجولة، بل ماذا سيخسر اذا دخلها مكشوف الظهر.
أقلام وأراء
الأربعاء 15 أبريل 2026 11:12 صباحًا - بتوقيت القدس
بابا الفاتيكان ليو الرابع عشر: السلام عليكم
أن تزعج قداسة البابا، المرجع الديني الأعلى لأكثر من مليار ونصف مليار مسيحي كاثوليكي في العالم ليس بأمر هيّن أو مقبول ، فكيف الحال إذا تم انتقاده ووصفه بصفات غير لائقة. هذا هو ترمب لا خطوط حمراء أمام المصلحة والنرجسية المفرطة. فمن يهدد حضارة بأكملها بالإبادة يعيش فيها 350 مليون انسان لا عجب أن ينشر صورة يتشبه فيها بشخصية على هيئة السيد المسيح. صحيح أن الصورة التي نشرها ترمب سرعان ما تمت إزالتها بعد الجدل الكبير الذي ساد الأوساط المسيحية الأمريكية والعالمية. لكنها لم تكن المرة الأولى التي يجسد فيها ترمب رمزا دينيا، فقد سبق أن جسد شخصية بابا الفاتيكان في منشور آخر على منصته وهو يرتدي الملابس البيضاء التقليدية ويضع صليبا ذهبيا على صدره في أعقاب وفاة البابا الراحل فرنسيس ومشاورات اختيار البابا القادم.
ليس جديداً الخلاف بين ترمب ورأس الكنيسة الكاثوليكية، لكن اللافت للنظر هذه المرة هو رد البابا ليو الرابع عشر على انتقادات ترمب الفجة، فهو لم يتجاوزها كون هذا الأخير معروف عالميَّا بتطاوله على أيّ كان، إنما تعامل مع المسألة بلغة قوية وحاسمة ومتحدية جدا في الرد قائلاً: "ليس لدي خوف من ادارة ترمب" . فماذا يعني ذلك ؟
أولا: أن بابا الفاتيكان ملتزم ومصر على الاستمرار بنهجه القاضي بالدعوة لإسكات صوت الأسلحة في أوكرانيا وغزة وإيران، وذلك بحكم ما تقتضيه مسيحيته وأخلاقياته وقناعاته المتجذرة والنابعة من خبراته العلمية والعملية، ولن يتنازل عن أي من مبادئه رغم التهديدات من ترمب وإدارته ومطالبتهم إياه بدعم الحرب على إيران وهو ما رفضه رفضًّا تامًّا مشيراً إلى أن الله لا يمنح البركة للحروب والدماء.
ثانيا: إن الجدل بين البابا ليو الرابع عشر ودونالد ترمب ليس عابرا بل هو خلاف واختلاف فكري وقيمي بين نقيضين لديهما وزن ونفوذ هائل في العالم . الاول يدعو إلى وضع حدود للقوة والغطرسة والسلطة أو كما سماها "وهم القوة المطلقة" من منطلق أن المسائل تتعلق بالمبادئ والأخلاق والانسانية. والثاني يمثل كل ما له علاقة بالمصالح والأنا والرأسمالية المتوحشة. لكن هناك فارق مصيري بينهما، فالبابا ليو الرابع عشر لا يسعى للفوز في الانتخابات وللسيطرة على النفط والأموال، على عكس الآخر الذي بات يشعر بالتهديد الذي تمثله السلطة البابوية وتوجهاتها على مصيره الشخصي ومجده السياسي. ولهذا يمثل البابا في نظر ترمب القوة الموازية المؤثرة والوحيدة في عالم يفتقد قوة عالمية توقف توحش ترمب ومصالح المليارديرات حوله.
ثالثا: لم يتدخل قداسة البابا ليو الرابع عشر في السياسة، لكن ترمب هو الذي استخدم الدين في السياسة، فعندما يبرر حروبه بأنها مهمّة إلهية وحرب روحية، ويصف عملية انقاذ الطيارين في إيران بأنها معجزة عيد الفصح ويصلي مع فريقه صلوات المباركة قبل شن العمليات العسكرية. وهو ما يرفضه البابا تماما بل ويقول أن "الله لا يقبل صلوات من يشنون الحروب" وأن جوهر الرسالة المسيحية هو "طوبى لصانعي السلام"، وأن الاعتماد على الحروب والأسلحة الفتاكة هو "وثنية عسكرية".
يزور البابا ليو الرابع عشر هذه الأيام الجزائر وأفريقيا في زيارة تاريخية تحت شعار السلام عليكم . سلام على الأخوة المسيحية الإسلامية وعلى القيادة الأخلاقية .
أقلام وأراء
الأربعاء 15 أبريل 2026 11:11 صباحًا - بتوقيت القدس
حلم العودة إلى المدرسة هو بداية السلام
يحلم أطفال غزة بالعودة إلى مقاعد الدراسة، وأن يستعيدوا إيقاع حياتهم اليومية، كأي طفلٍ له الحق في أن يعيش بسلام؛ أطفالٌ يتوقون إلى رؤية معلميهم وأصدقائهم من جديد. هذا هو الواقع المرير لطفولةٍ بريئةٍ وقعت ضحيةَ عنفٍ مستمر، لا يزال يحصد أعدادًا كبيرة من القتلى والجرحى، ويخلّف جراحًا نفسيةً عميقةً يصعب محوها. إنها حال الأطفال والشباب الذين يدفعون ثمن حروبٍ خطّط لها كبارٌ بلا قلوب ولا مسؤولية، في لبنان، وفي الشرق الأوسط، وفي أفريقيا، وفي صراعاتٍ أخرى منسيّة لأنّ كثيرين يرفضون رؤيتها.
نحن اليوم نصلّي ونتضرّع من أجل السلام؛ ذلك السلام الذي انتُزع بقسوة من حياة بشرٍ كثيرين مُثقلين بالإهانة والقهر. غير أنّ كلمة "السلام" لا ينبغي أن تُفهم بوصفها مجرّد نقيضٍ للحرب، بل هي قيمةٌ عميقة تقوم على الكرامة الإنسانية والاحترام المتبادل. السلام هو حلم من نجا من أهوال العنف، ومن لا تزال صور الدمار عالقةً في عينيه، ومن لا يزال يسمع أصداء الموت. وهو نداءٌ موجّه إلينا جميعًا، يدعونا إلى مواصلة طريق التربية على السلام؛ ذلك الطريق الذي يبدأ من الصفوف الدراسية، ويتجاوز منطق الحرب الذي يدمّر حاضرَ ومستقبلَ كثيرٍ من الأطفال في أنحاء العالم.
إن حلم طفلٍ بالعودة إلى مدرسته بعد ثلاث سنواتٍ قضاها بين الأنقاض، بدلًا من الجلوس على مقاعد الدراسة إلى جانب أصدقائه، يمنحنا رجاءً بأن السلام يمكن أن يكون مادةً لتربيةٍ لا تحتاج بالضرورة إلى كتبٍ ودفاتر، ولا إلى معلمين يعتلون المنابر؛ بل هي تربيةٌ تُعاش وتُتشارك بصبرٍ واستمرار، في كل لحظة، مع زملاء الدراسة على اختلاف أديانهم وجنسياتهم وألوان بشرتهم وعيونهم.
تُقنعني خبرتي في مشاريع التربية على السلام، يومًا بعد يوم، بأن طريق السلام يبدأ باللقاء والحوار. قد يبدو هذا القول بديهيًا، لكن اللقاء والإصغاء والتحدّث أفعالٌ صعبة، تعترضها عوائق كثيرة، خاصة حين تكون التوترات قائمة، وحين يتحوّل العنف المنبثق من الكراهية إلى انتقام.
وهكذا تصبح المدرسة بيتًا مشتركًا لكل من يحمل في داخله بذرة السلام؛ فالأطفال والشباب يشعرون بحاجةٍ ماسّةٍ إلى السلام. فإذا كانت خلافاتٌ بسيطة، أو كلمةٌ عابرة في غير موضعها، كفيلةً بأن تُباعد بين أطفالٍ يعيشون في بيئاتٍ آمنة، فما بالنا بأولئك الذين يرزحون تحت وطأة الحروب والحرمان، في ظروفٍ قاسية عاشها آباؤهم وأجدادهم؟ هؤلاء يمكنهم أن يجدوا في المدرسة مسارًا حقيقيًا للتربية على السلام؛ مسارًا يرتكز على اللقاء اليومي داخل الصفوف، حيث تتفتح إمكانيات التبادل، وتتسع آفاق الرؤية، ويصبح الأخذ والعطاء أسلوب حياة.
يمكنني أن أذكر صداقاتٍ كثيرة نشأت في إطار برامج التربية على السلام؛ صداقات واجهت في بداياتها صعوباتٍ حقيقية، لكنها سرعان ما تلاشت بفضل إيماءةٍ بسيطة، أو ابتسامةٍ صادقة، أو ركلة كرة. فليس من السهل أن تتقاسم الغرفة نفسها أو مائدة الطعام مع شخصٍ لم تسمع صوته من قبل، ولم تُصغِ إلى فكره، ولم تعرف قصته. اللقاء، والإصغاء، والمعرفة المتبادلة، هي الركائز الأساسية لبدايةٍ صادقة لتربيةٍ ضرورية، بل لا غنى عنها، من أجل السلام.
تتعدّد الأماكن التي يمكن أن تحتضن هذه المسارات، وكلّها صالحة ما دامت بذرة السلام موجودة؛ تلك البذرة التي تحتاج من يرعاها كي تتجذّر، وتنمو، وتؤتي ثمارًا طيبة. وتبقى المدرسة المكان الأسمى لهذه التربية، فمنذ لحظة اللقاء عند باب الصف تبدأ العلاقة بين الأطفال الذين يكبرون معًا، ويسند بعضهم بعضًا، وتنتقل بينهم، بشكلٍ عفوي وتلقائي، روح التضامن والمحبة المتبادلة.
لقد دُمِّرت تسعون في المئة من مدارس غزة، وفي لبنان حُرِم الكثير من الأطفال من حقهم في التعليم واللعب والفرح خلال سنواتٍ حاسمة لنموهم وتطورهم. ومن الصعب التنبؤ بعدد السنوات التي سيبقى فيها أطفال هذه البلاد بعيدين عن مدارسهم. إنّ حلم العودة إلى المدرسة يجب أن يتحوّل إلى واقعٍ يعمّه السلام لكل أطفال البلدان التي تكتوي بنيران الحرب، ولإنسانيةٍ تحتاج بشدة إلى استعادة قيمها ومبادئها الأصيلة.
لتكن كلمة "السلام" مرادفةً لجمال اللقاء الإنساني؛ ذلك اللقاء الذي يجمع من يسيرون في الدرب نفسه، ومن يمدّون أيديهم لرفع من أثقلته الحياة. وهذا ما يفعله الأطفال بالفعل، بنقاء عيونهم، وعفوية لفتاتهم، وصدق مشاعرهم. فلنتعلّم أن نحلم كما يحلم الأطفال، ولنتعلّم أن نحلم بالسلام، من خلال التربية على جماله.
فلسطين
الأربعاء 15 أبريل 2026 11:10 صباحًا - بتوقيت القدس
الكلاب الضالة: نحو حلول شاملة بدل المعالجات المؤقتة
خالد اشتية: البلديات تتحمل مسؤولية التعامل مع هذه الظاهرة لكنها تواجه تحديات مالية كبيرة تحدّ من قدرتها والحل يستلزم شراكة مجتمعية فاعلة
د. كامل أبو عامرية: مواجهة ظاهرة الكلاب الضالة تتطلب برنامجاً وطنياً موحداً يغطي جميع المحافظات مدعوماً بميزانية واضحة وإرادة حكومية حقيقية
الشيخ إبراهيم عوض الله: الرحمة بالحيوان هي الأصل والإسلام أجاز التخلص من الكلاب العقورة المؤذية فقط بطريقة منظمة وبأقل الوسائل ضرراً
د. ماجد صقر: يجب التمييز بين المسالم والمؤذي من الكلاب والتعامل معها بوسائل منظمة وحال تعذر الحلول لضعف الإمكانات يمكن اللجوء لطرق أخرى
سناء قصراوي: الحملات العشوائية للتخلص من الكلاب خطرة لإخلالها بالتوازن البيئي ويوجد تضخيم لبعض الحوادث الفردية عبر وسائل التواصل الاجتماعي
عماد الأطرش: الحل بإصدار الحكومة قانون الرفق بالحيوان وهو أمر يؤسس لنهج متكامل يجمع بين البعدين الإنساني والوقائي في التعامل مع الكلاب الضالة
محمد حمد: معظم هذه الكلاب "مستأنسة" ولا تشكل خطراً وحالات الهجوم على المواطنين غالباً ما ترتبط بشعورها بالخوف والدفاع عن النفس
رام الله - خاص بـ"القدس"-
يتزايد الجدل حول انتشار الكلاب الضالة في الضفة الغربية، في ظل تباين التقديرات بين تضخيم تداول الحوادث عبر وسائل التواصل، ووجود مخاطر فعلية تثير قلق المواطنين، وبين هذا وذاك، تتكشف الحاجة إلى مقاربة واضحة تحدد الأولويات وتضع حلولاً عملية قادرة على احتواء الظاهرة دون الاكتفاء بردود فعل مؤقتة، وبما يتضمن الرفق بالحيوان وتعزيز الأمان للمواطنين.
المطلوب، وفق تقديرات مسؤولين ومختصين، في أحاديث مع "ے"، هو الانتقال من المعالجات الجزئية إلى برنامج وطني موحد، يستند إلى تنسيق فعّال بين الجهات الرسمية، ويعالج جذور المشكلة، وتبني إجراءات متكاملة، بما يضمن حماية الصحة العامة، ويحقق توازناً مستداماً بين الإنسان والبيئة.
ويوضح فقهاء ودعاة، في أحاديث مع "ے"، أن الحكم الشرعي يؤكد أن الأصل في التعامل مع الحيوان هو الرحمة والإحسان، وأن الإساءة إليه محرمة، لكن يجوز التخلص من الكلاب العقورة المؤذية فقط عند تحقق الضرر، وبضوابط دقيقة وبأقل الوسائل ضرراً، واتباع الجهات المختصة وتنظيم الإجراءات بما يحقق المصلحة العامة.
ظاهرة قديمة
يؤكد الوكيل المساعد لشؤون الهيئات المحلية في وزارة الحكم المحلي خالد اشتية أن ظاهرة الكلاب الضالة في الضفة الغربية ليست جديدة، لكنها تتعرض لتضخيم ملحوظ نتيجة تداولها الواسع عبر وسائل التواصل الاجتماعي، حيث يعاد نشر أي حادثة أو مقطع يظهر وجود كلاب في الشوارع أو اقترابها من المواطنين، ما يعطي انطباعاً بزيادة غير مسبوقة في حجم الظاهرة.
ويوضح اشتية أن وجود الكلاب الضالة هو أمر شائع في مختلف دول العالم، مستشهداً بتجربة تركيا التي تعتمد على جمع الكلاب وتعقيمها وخصيها ثم إعادتها إلى الشوارع ضمن نظام مراقب، إلى جانب توفير ملاجئ مخصصة لها.
ويشير اشتية إلى أن الواقع الفلسطيني يختلف بفعل الظروف السياسية، حيث يعيق الاحتلال إجراءات السيطرة على الكلاب، سواء من خلال صعوبة جمعها أو لجوء بعضها إلى مناطق قريبة من المستوطنات، ما يزيد تعقيد المشهد.
اقتناء الكلاب بطريقة منظمة
ويبيّن اشتية أن جزءاً من المشكلة يعود إلى سلوك بعض المواطنين، خاصة من يقتنون الكلاب دون ترخيصها أو تعقيمها، ثم يتخلون عنها في الشوارع، لتتحول إلى كلاب ضالة تبحث عن الغذاء.
ويؤكد اشتية أن غياب ثقافة فرز النفايات وتكدس بقايا الطعام في الحاويات يشجع هذه الكلاب على التواجد والتكاثر في المناطق السكنية.
الهيئات المحلية وقلة الإمكانات
ويوضح اشتية أن الفقرة 24 من المادة 15 من قانون الهيئات المحلية رقم 1 لعام 97 منح الصلاحية للبلدية بمراقبة الكلاب الضالة والتخلص من العقور منها.
ويؤكد اشتية أن البلديات تتحمل مسؤولية التعامل مع هذه الظاهرة، لكنها تواجه تحديات مالية كبيرة تحدّ من قدرتها على إنشاء ملاجئ أو تنفيذ برامج فعالة، مشدداً على أن الحل لا يمكن أن يكون مقتصراً على الجهات الرسمية، بل يتطلب شراكة مجتمعية فاعلة تشمل المواطنين والجهات المختصة.
ويؤكد اشتية رفض أساليب قتل الكلاب، سواء بإطلاق النار أو استخدام السموم، معتبراً أنها غير مجدية وخطرة وقد تؤدي إلى أضرار جانبية، خاصة على الحيوانات الأليفة أو الأطفال، فضلاً عن كونها غير إنسانية، داعياً بدلاً من ذلك إلى تبني برامج التعقيم والخصي كحل مستدام للحد من التكاثر.
تفعيل لجان السلامة
ويؤكد اشتية على ضرورة تفعيل لجان السلامة العامة في المحافظات لإجراء إحصاءات دقيقة حول أعداد الكلاب وطبيعتها وسلوكها، بما يتيح وضع خطط شاملة على مستوى المحافظة، وليس كل بلدية على حدة، بما يشمل إنشاء ملاجئ بإشراف بيطري متخصص.
ويشدد اشتية على أن القوانين الناظمة لاقتناء الكلاب والتعامل معها موجودة، سواء ضمن قانون الحكم المحلي أو القوانين السارية، لكن المطلوب هو توفير الموارد وتعزيز التعاون مع جمعيات الرفق بالحيوان، من أجل إدارة الظاهرة بشكل حضاري يحد من انتشارها دون اللجوء إلى قتلها.
الكلاب جزء من التنوع الحيوي ولكن
يحذّر مدير دائرة الصحة العامة البيطرية في وزارة الزراعة د. كامل أبو عامرية، من تفاقم ظاهرة الكلاب الضالة، مشيراً إلى خطورتها وتهديدها الإنسان والحيوان على حد سواء، في ظل تسجيل إصابات متزايدة بمرض داء الكلب وحالات عقر متكررة.
ويوضح أبو عامرية أن الكلاب تشكل جزءاً من التنوع الحيوي الطبيعي، إلا أن الخلل يكمن في الزيادة الكبيرة بأعدادها وخروجها من نطاقها التقليدي في المناطق الريفية إلى داخل المدن والتجمعات السكنية، مرجعاً ذلك إلى عدة عوامل، أبرزها غياب برامج وطنية فعالة، وتأثير الجدار الفاصل الذي أدى إلى تدفق الكلاب من مناطق مختلفة، بما فيها عبر الحدود، وحصرها بأماكن محددة ما ساهم في تكاثرها وانتشارها.
محاولات سابقة جزئية
ويشير أبو عامرية إلى أن محاولات المعالجة السابقة لهذه الظاهرة بقيت جزئية وغير كافية، نتيجة غياب خطة وطنية شاملة ومستدامة، حيث تقوم بعض البلديات أو المحافظات بإجراءات محدودة دون تنسيق شامل، ما يجعل الجهود غير مجدية على المدى البعيد.
ويشدد أبو عامرية على أن مواجهة ظاهرة الكلاب الضالة تتطلب برنامجاً وطنياً موحداً يغطي جميع المحافظات، مدعوماً بميزانية واضحة وإرادة حكومية حقيقية.
إصابات بداء الكلب
ويبيّن أبو عامرية أن خطورة الكلاب الضالة لا تقتصر على إثارة الخوف لدى المواطنين، خاصة الأطفال والنساء وكبار السن، بل تتعداها إلى نقل أمراض خطيرة، في مقدمتها داء الكلب، إضافة إلى أمراض طفيلية تنتقل عبر البراز الذي يلوث البيئة.
ويؤكد تسجيل نحو 15 حالة إيجابية لداء الكلب في الكلاب خلال العام المنصرم، و5 إصابات أخرى منذ مطلع العام الحالي، ما يعكس تزايداً مقلقاً في الوضع الوبائي، بعد سنوات لم تُسجل فيها أي إصابات.
ويلفت أبو عامرية إلى أن حالات العقر باتت متكررة، مشيراً إلى وقوع حالة وفاة بين المواطنين نتيجة التأخر في تلقي العلاج أو عدم الإبلاغ الصحيح عن سبب الإصابة.
المسؤولية القانونية
ويؤكد أبو عامرية أن القانون يُحمّل وزارة الحكم المحلي المسؤولية الأساسية في مكافحة الكلاب الضالة، إلا أن حجم المشكلة يتجاوز قدرات جهة واحدة، ما يستدعي تعاوناً بين وزارات الحكم المحلي والصحة والزراعة والداخلية، وبمشاركة المجتمع المدني وجمعيات الرفق بالحيوان، ضمن إطار منسق ومتكامل.
ويشير أبو عامرية إلى أن مجلس الوزراء أوعز إلى الوزارات المعنية على وضع خطة وبرنامج شامل مشترك لمكافحة هذه الظاهرة.
حلول مطروحة
ويوضح أبو عامرية أن الحلول المطروحة تشمل إنشاء مآوٍ للكلاب، وتعقيمها لمنع التكاثر، وتطعيمها ضد الأمراض، وهي إجراءات تتطلب إمكانيات كبيرة من كوادر بيطرية مدربة، ومرافق وتجهيزات وعيادات متنقلة، مشيراً إلى أن بعض الدول، بما فيها إسرائيل، لجأت إلى الجمع بين القتل الرحيم والتعقيم والإيواء، لتقليل الأعداد تدريجياً.
ويشدد أبو عامرية على أن استخدام السموم طُرح كوسيلة للحد من الأعداد، لكنه يؤكد أن الخيار الأفضل، في حال توفر الإمكانيات، هو اتباع أساليب إنسانية، مثل التخدير بجرعات قاتلة دون ألم.
أمور ضرورية
ويشير أبو عامرية إلى أهمية التوعية المجتمعية، داعياً المواطنين إلى توخي الحذر من الكلاب الضالة، والتوجه فوراً إلى المراكز الصحية عند التعرض لأي عقر، مع غسل الجرح جيداً بالماء والصابون.
وفي سياق الوقاية، يؤكد أبو عامرية توفر لقاحات داء الكلب في الصيدليات البيطرية، داعياً أصحاب الحيوانات الأليفة إلى تطعيمها سنوياً، مشيراً إلى أن تكلفة اللقاح متدنية نسبياً، وأن السيطرة على الحيوانات المملوكة تشكل خطوة مهمة في الحد من انتشار المرض.
ويشدد أبو عامرية على أن استمرار الوضع الحالي دون تدخل جاد سيؤدي إلى تفاقم الأزمة، داعياً الحكومة إلى تحويل الخطط إلى إجراءات عملية مدعومة بميزانيات، مع إمكانية الاستفادة من دعم الجهات المانحة والمنظمات الدولية، لضمان تنفيذ برنامج وطني مستدام يحمي الصحة العامة ويحد من المخاطر المتزايدة.
تعامل الإنسان مع الحيوان بالرحمة والإحسان
يؤكد نائب المفتي العام للقدس والديار الفلسطينية ومفتي محافظة رام الله والبيرة الشيخ إبراهيم عوض الله أن الأصل في تعامل الإنسان مع الحيوان يقوم على الرحمة والإحسان، مشدداً على أن الشريعة الإسلامية ربطت الإحسان إلى الحيوان بالأجر العظيم، الذي قد يبلغ بصاحبه الفوز بالجنة، استناداً إلى الأحاديث النبوية الصحيحة.
ويستشهد عوض الله بحديث النبي محمد صلى الله عليه وسلم الذي يروي قصة الرجل الذي اشتد به العطش، وبعد أن شرب وجد كلباً يلهث من شدة العطش، فقال: "لَقَدْ بَلَغَ هَذَا مِثْلُ الَّذِي بَلَغَ بِي، فملأ خفه ماءً وسقى الكلب، فَشَكَرَ اللهُ لَهُ، فَغَفَرَ لَهُ"، ولما سُئل النبي صلى الله عليه وسلم: "وَإِنَّ لَنَا فِي الْبَهَائِمِ أَجْرًا؟ قال: "فِي كُلِّ كَبِدٍ رَطْبَةٍ أَجْرٌ" (صحيح البخاري).
ويشير عوض الله إلى أن الإسلام أمر بالإحسان حتى عند ذبح الحيوان المباح أكله، بما يضمن تقليل الألم والمعاناة.
وفي المقابل، يحذر عوض الله من عواقب الإساءة إلى الحيوان، مستشهداً بقصة المرأة التي حبست هرة فلم تطعمها ولم تتركها تأكل من خشاش الأرض حتى ماتت، فكان جزاؤها النار، ما يعكس خطورة التعدي على حقوق الحيوان في الشريعة الإسلامية.
التخلص من الكلاب العقورة
وفيما يتعلق بظاهرة الكلاب الضالة، يوضح عوض الله أنها قد تتحول إلى مصدر أذى حقيقي، خاصة عندما تسرح دون ضوابط، فتثير الخوف لدى الأطفال والضعفاء، وقد تنقل الأمراض عبر العض، إضافة إلى ما تخلّفه من أذى ونجاسات في محيط مساكن المواطنين.
ويؤكد أنه في مثل هذه الحالات، أجاز الإسلام التخلص من الكلاب العقورة المؤذية، أي الجارحة المفترسة، ولكن ضمن ضوابط دقيقة وبأقل الوسائل ضرراً.
ويبيّن عوض الله أن هذا الحكم لا يُطلق على جميع الكلاب، بل يقتصر على الحالات التي يتحقق فيها الأذى، مستشهداً بما رُوي عن ابن قدامة المقدسي: "كل ما آذى الناس وضرهم في أنفسهم وأموالهم يباح قتله، لأنه يؤذي بلا نفع، فأشبه الذئب، وما لا مضرة فيه لا يباح قتله".
تنظيم عملية التعامل مع الكلاب الضالة
ويشدد عوض الله على ضرورة تنظيم عملية التعامل مع الكلاب الضالة، محذراً من ترك الأمر لاجتهادات الأفراد، لما قد يترتب على ذلك من أضرار، سواء بحق الحيوانات الأليفة غير المؤذية أو الحيوانات المملوكة، أو حتى بحق البشر نتيجة استخدام وسائل عشوائية.
ويؤكد عوض الله ضرورة إسناد هذه المهمة إلى المجالس المحلية والبلديات، بالتنسيق مع الجهات المختصة كوزارة الصحة والزراعة والبلديات وسلطة جودة البيئة وجمعيات رعاية الحيوان، لضمان معالجة الظاهرة بشكل منظم يحقق التوازن بين حماية الإنسان وصون حقوق الحيوان.
مخاوف من تصاعد ظاهرة الكلاب الضالة
يحذّر مدير دائرة إعداد الدعاة في وزارة الأوقاف والشؤون الدينية، فضيلة د. ماجد صقر، من تصاعد ظاهرة الكلاب الضالة في مختلف مناطق الضفة الغربية، مؤكداً أنها باتت ظاهرة مقلقة تستدعي تدخلاً عاجلاً من الجهات المختصة، في ظل تزايد أعدادها وانتشارها في الأماكن العامة وحتى الأسواق خلال ساعات النهار، وهو ما لم يكن مألوفاً في السابق.
ويوضح صقر أن خطورة الظاهرة تتضاعف مع عودة المدارس وتغير التوقيت إلى الصيفي، حيث يخرج الطلبة في ساعات مبكرة، ما يزيد احتمالية تعرضهم لهجمات الكلاب، مشيراً إلى أن المشكلة لم تعد فردية بل أصبحت جماعية، إذ باتت الكلاب تتحرك ضمن مجموعات، الأمر الذي يزيد من خطورتها، خاصة إذا كان أحدها عدوانياً، ما يجعل المجموعة بأكملها تشكل تهديداً مباشراً للمواطنين.
ويلفت صقر إلى تسجيل حوادث مقلقة، من بينها تعرض أطفال لهجمات كادت أن تؤدي إلى كوارث، مؤكداً أن انتشار هذه الظاهرة لم يعد محصوراً بمدينة دون أخرى، بل يشمل مختلف المحافظات، في ظل عجز البلديات أحياناً عن التدخل بسبب إشكالات مرتبطة بقوانين حقوق الحيوان وربما الإمكان المادية.
ضرورة تصنيف الكلاب الضالة
وفي سياق توضيح الحكم الشرعي، يبيّن صقر أن الإسلام فرّق بين أنواع الكلاب، مستشهداً بحديث النبي محمد صلى الله عليه وسلم الذي أجاز قتل "الكلب العقور"، إلى جانب حيوانات مؤذية أخرى كالعقرب والأفعى.
ويوضح صقر أن الكلب العقور هو الذي يؤذي الإنسان ويهاجمه أو ينقل الأمراض، مؤكداً أن هذا النوع فقط هو الذي يجوز قتله، وليس جميع الكلاب.
ويشدد صقر على ضرورة تصنيف الكلاب الضالة، والتمييز بين المسالم منها والمؤذي، مبيناً أن الأصل هو التعامل مع الظاهرة بوسائل منظمة، مثل توفير مآوٍ مناسبة، أو احتجاز الكلاب وإطعامها، أو إخضاعها لإجراءات بيطرية، بما في ذلك التعقيم لمنع التكاثر. ويشير صقر إلى أنه في حال تعذر هذه الحلول بسبب ضعف الإمكانيات، يمكن اللجوء إلى القتل الرحيم للكلاب المؤذية، كخيار أخير، شريطة أن يتم ذلك بطريقة لا تسبب الألم، مثل استخدام الحقن البيطرية.
الإسلام لا يبيح القتل عبثاً
ويؤكد صقر أن الإسلام لا يبيح القتل عبثاً، مستشهداً بقول النبي صلى الله عليه وسلم: "من قتل عصفوراً عبثاً عجّ إلى الله يوم القيامة فقال: يا رب هذا قتلني عبثاً"، ما يدل على أن القتل يجب أن يكون لضرورة ومنفعة، وليس لمجرد الإيذاء.
ويوضح صقر أن أي اعتداء على الحيوانات دون سبب مشروع يُعد إثماً، وأن الرحمة بالحيوان أصل في الشريعة الإسلامية.
ويشير صقر إلى أن اللجوء لقتل الكلاب الضالة يجب أن يكون مشروطاً بعدة عوامل، أبرزها تحقق الأذى المباشر أو نقل الأمراض، وفشل الجهات المسؤولة في احتواء الظاهرة، ووصولها إلى مرحلة تهدد حياة الناس، خاصة الأطفال، مؤكداً أن "آخر الداء الكي"، أي أن القتل هو الحل الأخير بعد استنفاد كافة الوسائل الأخرى.
ويشدد صقر على أن الظروف الاقتصادية الصعبة تعيق إنشاء مراكز إيواء متكاملة، ما يجعل الحلول المثالية صعبة التطبيق حالياً، داعياً في الوقت ذاته إلى الاستفادة من تجارب دول أخرى، مثل حجز الكلاب وتعقيمها وإطلاق غير المؤذي منها في بيئات آمنة، مع التخلص من الحالات الخطرة.
ويؤكد صقر أن المطلوب هو تحقيق التوازن بين حماية الإنسان والرفق بالحيوان، مشدداً على أن المسؤولية تقع أولاً على عاتق الجهات الرسمية لضبط الظاهرة، ومنع تفاقمها، بما يحفظ أمن المجتمع ويصون القيم الإنسانية والدينية.
"كلاب حرة" وليست ضالة
تؤكد رئيسة الهيئة الإدارية في الجمعية الفلسطينية لرعاية الحيوان الأليف (رفقاً بهم) سناء قصراوي أن وجود الكلاب في الشوارع الفلسطينية لا يمكن تصنيفه كـ"ظاهرة" بالمعنى المتعارف عليه، بل هو جزء طبيعي من البيئة والتنوع الحيوي، مشددة على ضرورة إعادة توصيفها كـ"كلاب حرة" تعيش ضمن النظام البيئي، وليس كحيوانات ضالة أو دخيلة.
وتوضح أن الكلاب بطبيعتها كائنات أليفة تعيش ضمن مجموعات، وأن وجودها بشكل جماعي لا يعني خطراً، بل على العكس يدل غالباً على سلوك مستقر وآمن، إذ إن الكلاب التي تعاني من أمراض أو سلوك عدواني تميل إلى العزلة.
وتشير قصراوي إلى أن كثيراً من التفسيرات الشائعة لسلوك الكلاب، مثل الركض خلف الأشخاص، تُفهم بشكل خاطئ، إذ يكون الدافع في الغالب الخوف أو رد الفعل على الأصوات المرتفعة، نظراً لقدرتها السمعية العالية مقارنة بالبشر.
وتلفت قصراوي إلى أن الخوف المجتمعي من الكلاب يرتبط بضعف الوعي بطبيعتها وطرق التعامل معها، كما أن وجودها في المدن والبلدات لا يقتصر على التعايش فحسب، بل يسهم أحياناً في توفير نوع من الحماية للمناطق، خاصة عندما تكون هذه الكلاب معتادة على السكان ويتم إطعامها.
خطورة الحملات العشوائية للتخلص من الكلاب
وتحذر قصراوي من خطورة الحملات العشوائية للتخلص من الكلاب، خاصة عبر التسميم، مؤكدة أن ذلك يخلّ بالتوازن البيئي.
وتستشهد بحوادث سابقة في منطقة رام الله، حيث أدى القضاء على الكلاب إلى اقتراب حيوانات برية، مثل الخنازير، من المناطق السكنية، ما يعكس دور الكلاب في ضبط المنظومة البيئية.
وتنتقد قصراوي تضخيم بعض الحوادث الفردية عبر وسائل التواصل الاجتماعي، مقابل تجاهل الصور اليومية التي تظهر التعايش السلمي بين الإنسان والكلاب، معتبرة أن هذا التركيز الانتقائي يعزز الصورة السلبية ويزيد من حالة الخوف غير المبرر.
إسناد الأمر لجهات الاختصاص
وفيما يتعلق بالحلول، تشدد قصراوي على أن التعامل مع الحالات الخطرة، مثل الكلاب المسعورة، يجب أن يكون من اختصاص دائرة الطب البيطري في مديريات وزارة الزراعة، وليس الأفراد، وذلك بالتنسيق مع المجالس والهيئات المحلية، ضمن خطة ممنهجة.
وتوضح قصراوي أن الإجراءات المهنية تشمل الفحص والتشخيص، ثم العلاج إن أمكن، أو اللجوء إلى القتل الرحيم وفق ضوابط محددة في الحالات المستعصية فقط.
وتشيد قصراوي بجهود بلدية رام الله في إنشاء مركز لتعقيم وتطعيم الكلاب، ما ساهم في تقليل السلوك العدواني لديها، إلا أنها تؤكد أن هذه الجهود لا تزال تواجه تحديات، أبرزها استمرار الاعتداءات على الكلاب، خاصة المروّضة منها.
خطورة التسميم
وتؤكد قصراوي أن التسميم لا يقتل الكلاب فقط، بل يمتد أثره إلى قطط وطيور وكائنات أخرى، ما يؤدي إلى خسائر بيئية أكبر، داعية إلى تبني نهج إنساني وعلمي في إدارة هذا الملف، قائم على التوعية، وتعزيز دور الجهات المختصة، والحفاظ على التوازن البيئي.
وتشدد قصراوي على أن مسؤولية التوعية والتعامل مع الكلاب تقع أولاً على جهات الاختصاص، مع وجود دور أساسي للمواطنين، باعتبار أن الكلب حيوان لا يملك الإرادة الكاملة أو الوعي والقدرة العقلية التي يمتلكها الإنسان، كما أن هناك ضرورة لتعزيز الوعي بطرق التعامل مع الكلاب عبر المدارس والمؤسسات والمجتمع بشكل عام.
سوء إدارة النفايات
يعتبر المدير التنفيذي لجمعية الحياة البرية عماد الأطرش أن انتشار الكلاب الضالة في الأراضي الفلسطينية بات "ظاهرة مقلقة للغاية" في الآونة الأخيرة، مشيراً إلى أن تفاقمها يعود إلى مجموعة من الأسباب المتداخلة، في مقدمتها التكاثر المستمر وغير المنضبط لهذه الحيوانات على مدار العام.
ويوضح الأطرش أن أحد أبرز العوامل التي تسهم في زيادة أعداد الكلاب الضالة يتمثل في سوء إدارة النفايات، خاصة مخلفات الملاحم التي تُلقى في حاويات مكشوفة، ما يوفر مصدراً دائماً للغذاء يجذب الكلاب والحيوانات الأخرى، ويؤدي إلى انتشارها داخل الأحياء السكنية.
ويشير الأطرش إلى عامل ثالث يتمثل في إجراءات الاحتلال الإسرائيلي عبر جدار الفصل العنصري أدى إلى انحصار الكلاب في مناطق محددة وزيادة كثافتها فيها، الأمر الذي ضاعف من حجم الظاهرة.
غياب قانون ينظم الرفق بالحيوان
وفي سياق المسؤوليات الرسمية، ينتقد الأطرش غياب قانون ينظم الرفق بالحيوان، معتبراً أن عدم وجود تشريع واضح يحرم الجهات المختصة من أدوات فعالة للتعامل مع الظاهرة، مثل إنشاء مراكز إيواء (Shelters) للحيوانات الضالة، بما يضمن حماية الحيوان وأمان الإنسان في آن واحد.
ويشدد الأطرش على أن تبني هذا القانون من قبل الحكومة الفلسطينية من شأنه أن يؤسس لنهج متكامل يجمع بين البعد الإنساني والوقائي في التعامل مع الحيوانات وخاصة الكلاب الضالة.
الكلاب الضالة ليست بالضرورة خطراً مباشراً
ويبيّن الأطرش أن الكلاب الضالة ليست بالضرورة خطراً مباشراً على الإنسان، إلا أن تأثيرها السلبي يظهر في ظروف معينة، مثل نقص الغذاء أو إصابتها بالأمراض كالجرب، في ظل غياب الرعاية البيطرية، ما قد يدفعها إلى سلوكيات مؤذية أحياناً، خاصة تجاه الأطفال الذين يفتقرون للوعي بكيفية التعامل مع الحيوانات.
ويؤكد الأطرش أن ضعف الثقافة المجتمعية تجاه الحيوان يشكل جزءاً من المشكلة، مستشهداً بتجارب ميدانية أظهرت سلوكيات عدوانية من بعض الأطفال تجاه الحيوانات نتيجة غياب التوعية، ما يعكس الحاجة إلى إدماج مفاهيم الرفق بالحيوان في المناهج التعليمية وتعزيز التربية البيئية منذ الصغر.
ويدعو الأطرش إلى حزمة حلول متكاملة، تبدأ بإقرار قانون للرفق بالحيوان، مروراً بتنفيذ برامج تعقيم للحد من التكاثر، وإنشاء مراكز إيواء، وصولاً إلى إطلاق حملات توعية ومناصرة.
خطورة اللجوء إلى حلول عشوائية
ويشير الأطرش إلى خطورة اللجوء إلى حلول عشوائية، مثل حملات القتل للكلاب، رغم استخدامها أحياناً "للضرورة"، مؤكداً أنها تبقى إجراءات غير مقبولة على المدى الطويل.
ويؤكد أن ضبط أعداد الحيوانات الضالة وحمايتها صحياً ينعكس إيجاباً على صحة الإنسان، خاصة في ظل المخاطر المرتبطة بالأمراض والطفيليات التي قد تنتقل من الحيوان إلى البشر، مشدداً على أن الحل الجذري يكمن في تشريع واضح وإدارة علمية مستدامة لهذا الملف.
استئناس الكلاب
يرى رئيس الجمعية الفلسطينية للرفق بالحيوان محمد أيمن حمد أن تفاقم ظاهرة الكلاب الضالة سببها الرئيسي هو غياب الوعي المجتمعي، إلى جانب اعتماد أساليب خاطئة في التعامل معها.
ويوضح حمد أن كثيراً من المواطنين يلجأون إلى ضرب الكلاب أو قتلها فور رؤيتها في الشوارع، رغم أن معظم هذه الكلاب "مستأنسة وتعيش بالقرب من المنازل والمحلات ولا تشكل خطراً"، لافتاً إلى أن حالات الهجوم على المواطنين غالباً ما ترتبط بالخوف من الناس وكردة فعل تهاجم بهدف الدفاع عن النفس.
ويشدد حمد على أن التعامل مع الكلاب المصابة بالسعار يجب أن يكون حصراً من قبل الجهات المختصة وبالتنسيق مع البلديات، محذراً من تدخل المواطنين بشكل مباشر لما يشكله ذلك من خطر.
ويصف ظاهرة تسميم الكلاب بأنها "غير قانونية وغير إنسانية"، إضافة إلى كونها غير فعالة، إذ تؤدي إلى نفوق حيوانات أخرى، وقد تعرض الإنسان نفسه للخطر.
ويبيّن حمد أن تجربة التسميم لم تحقق أي نتائج ملموسة، بل على العكس، تؤدي إلى عودة الكلاب بأعداد أكبر وأكثر شراسة إلى المناطق التي يتم إفراغها منها، نتيجة ما وصفه بـ"احتلال الفراغ البيئي" من قبل مجموعات جديدة من الكلاب.
أهمية تطعيم الكلاب
وفي المقابل، يطرح حمد حلولاً علمية تقوم على تعقيم الكلاب الضالة وتطعيمها ضد الأمراض، بما فيها السعار، وتركيب علامات تعريفية لها، ثم إعادتها إلى بيئتها، موضحاً أن وجود عدد محدود من الكلاب المعقمة في منطقة معينة يمنع دخول كلاب جديدة إليها، ويسهم في السيطرة على الظاهرة بشكل مستدام.
ويشير حمد إلى أن الجمعية، بالتعاون مع مختصين وطلبة في الطب البيطري من جامعة النجاح الوطنية، أعدت خططاً متكاملة لتطبيق هذه الاستراتيجية، وقدمتها لعدد من البلديات، إلا أن ضعف الميزانيات يدفع بعض الجهات لاعتماد التسميم كخيار أقل تكلفة رغم فشله.
ويلفت حمد إلى البعد الأخلاقي والديني في التعامل مع الحيوانات، مؤكداً أن الإساءة إليها مرفوضة، ومشدداً على أن المسؤولية الأساسية في إدارة هذا الملف تقع على عاتق أقسام الصحة والبيئة في البلديات، مع استعداد الجمعية للتعاون في تنفيذ برامج التعقيم والتطعيم على مستوى فلسطين.
أقلام وأراء
الأربعاء 15 أبريل 2026 11:09 صباحًا - بتوقيت القدس
مروان البرغوثي… سيرة فكرة تتجاوز السجن
مروان البرغوثي
ليست سيرة مروان البرغوثي مجرد سيرة رجلٍ وُلد في سياق صراع، أو قائدٍ انخرط في تجربة سياسية ونضالية طويلة، بل هي في جوهرها سيرة فكرة تشكّلت في قلب التجربة الفلسطينية، ونضجت داخل أكثر لحظاتها قسوة: السجن، والانقسام، والتحول الاجتماعي والفكري داخل بنية الحركة الوطنية.
في يومٍ كان يُفترض أن يُستعاد فيه معنى الاعتقال لا بوصفه حدثًا فرديًا، بل بوصفه لحظة في ذاكرة وطن، تتكشف صورة مروان كحالةٍ إنسانية وسياسية مركبة: جسدٌ نحيل يقف خلف القضبان، لكن خلفه إرادة لا تنكسر، ونظرة لا تتراجع، ويقينٌ عميق بأن النصر ليس احتمالًا بل مسارًا تاريخيًا مهما طال الزمن.
منذ بدايات حضوره السياسي، لم يكن مروان مجرد قائدٍ فتحاوي بالمعنى التنظيمي، بل كان يتقدم الصفوف حين يتراجع المشهد، ويعيد تعريف الفعل المقاوم باعتباره فعلًا وطنيًا جامعًا لا يحتكر نفسه داخل إطار ضيق. كان يرى أن الاحتلال ليس مجرد واقع عسكري، بل بنية يجب مواجهتها سياسيًا وشعبيًا وثقافيًا، تحت مظلة وطنية لا تُقصي أحدًا.
في قلب هذا التصور، تشكّلت فكرته المركزية: أن المقاومة ليست اتجاهًا واحدًا، بل مشروع وطني هدفه فلسطين، وبوصلته التحرير، وغاياته الدولة والعودة، دون الارتهان لشكلٍ واحد من أشكال الفعل. هذه الرؤية جعلت من شخصيته نموذجًا لقائد لا يتعامل مع الوسائل كقيود، بل كمسارات متعددة نحو هدف واحد.
لكن ما يميّز تجربة مروان لا يتوقف عند السياسة، بل يمتد إلى إعادة تشكيل الإنسان داخل الفضاء الأكثر قسوة: السجن. هناك، تحولت التجربة إلى مشروع تعليمي وفكري واسع، حيث لم يعد الأسر مجرد فقدان للحرية، بل مساحة لإعادة بناء الوعي. خرج من هذه التجربة مئات من الأسرى حاملين شهادات علمية في مستويات مختلفة، من البكالوريوس إلى الدكتوراه، في تجربة تكاد تتجاوز قدرة المؤسسات الأكاديمية التقليدية.
لقد كان التعليم عنده فعل مقاومة موازٍ، لا يقل أهمية عن أي شكل آخر من أشكال النضال. ومن هنا برزت فكرة “المناضل الواعي” بوصفها أولوية، إذ كان يؤكد أن الفعل المقاوم بلا وعي يتحول إلى طاقة مهدورة، بينما الوعي قادر على تحويل التضحية إلى مشروع تاريخي قابل للاستمرار والتراكم.
وفي البعد الإنساني، تبرز ملامح أخرى في سيرته الفكرية. لم يكن ينظر إلى المرأة بوصفها هامشًا اجتماعيًا، بل شريكًا في الفعل الوطني، حاضرًا في كل تفاصيل البناء، دون تمييز أو انتقاص. كان يرفض أي خطاب يُضعف مكانتها، حتى في أدق السياقات اليومية، معتبرًا أن عدالة المجتمع تبدأ من عدالة نظرته لنصفه الآخر.
أما الشباب، فقد شكّلوا في رؤيته مركز الثقل الحقيقي للمستقبل. رغم تجاوزه السنّ البيولوجي للشباب، ظلّ ينتمي إليهم فكريًا وسلوكيًا. كان يجالسهم داخل الأسر، يناقشهم، ويكسر المسافات بينهم وبينه، مؤمنًا أن الحركة التي تتقدم في العمر دون أن تتجدد بالشباب هي حركة تقترب من التكلس. ومن هنا جاءت عبارته المتكررة: إن شيخوخة الحركة تعني شيخوخة الوطن نفسه، وانطفاء حلم المقاومة.
وفي قلب تجربته داخل الأسر، تحولت العلاقة بين الأفراد إلى مشروع وحدة وطنية. لم يعد الأسير تعريفًا تنظيميًا أو فصائليًا، بل إنسانًا فلسطينيًا في سياق جامع. هكذا وُلدت وثيقة الأسرى، التي شكّلت لحظة مفصلية في إعادة تعريف الممكن الوطني، حين اجتمعت قوى متباينة على نصّ واحد، كإعلان رمزي عن إمكانية التوافق رغم الانقسام. ومن داخل السجون، نشأت حالة فكرية عُرفت لاحقًا باسم “المروانيين”، ليس بوصفها انتماءً تنظيميًا، بل كتعبير عن تحول في الوعي نحو فكرة تتجاوز السلاح إلى بناء الإرادة.
على المستوى العربي، لم يكن مروان أسير حدود الجغرافيا الفلسطينية وحدها. كان يرى أن المشروع الوطني الفلسطيني لا يمكن أن ينفصل عن عمقه العربي، وأن الأمة، رغم تعثرها، تحمل في داخلها قدرة كامنة على النهوض. لم يكن متشائمًا من التحولات، حتى في لحظات التطبيع والانقسام، بل كان يقرأها كظواهر عابرة في مسار أطول، يراهن فيه على الشعوب لا على الأنظمة. وفي رؤيته، كانت مصر تمثل البوابة المركزية للبيت العربي، بما تحمله من ثقل رمزي وتاريخي يجعلها ركيزة في المعادلة الإقليمية.
أما على المستوى الدولي، فقد وسّع مروان دائرة القضية لتخرج من كونها صراعًا محليًا أو إقليميًا، إلى كونها سؤالًا أخلاقيًا عالميًا. فلسطين في وعيه ليست قضية الفلسطينيين وحدهم، بل اختبار للضمير الإنساني. من هنا كان يراهن على وعي الإنسان في الجامعات الغربية، وفي الفضاء الثقافي العالمي، مؤمنًا أن المعرفة حين تصل إلى الحقيقة، تخلق اصطفافًا طبيعيًا ضد الظلم. لذلك كان يدعو باستمرار إلى نقل الرواية الفلسطينية إلى شوارع العواصم الكبرى، ليس فقط كخطاب سياسي، بل كحضور إنساني يفرض نفسه على الوعي العالمي.
وفي البعد التعليمي، تتجلى إحدى أهم سمات تجربته: تحويل السجن إلى مؤسسة إنتاج معرفي. لم يكن التعليم داخل الأسر ترفًا، بل ضرورة وجودية، أنتجت جيلًا من الأسرى المحررين الذين تحولوا لاحقًا إلى كتّاب ومحللين ومثقفين. لقد أعاد تعريف العلاقة بين السلاح والفكر، مؤكّدًا أن الفكرة ليست نقيضًا للمقاومة، بل شرطًا لاستمرارها وفاعليتها.
في النهاية، يمكن القول إن سيرة مروان البرغوثي ليست سيرة فرد، بل سيرة نموذج فكري تشكّل في قلب التجربة الفلسطينية. نموذج يرى في الإنسان مركز الفعل، وفي الوحدة شرط البقاء، وفي الوعي أساس المقاومة، وفي الحرية غاية لا تُختزل في لحظة بل تُبنى عبر الزمن.
إنها سيرة رجلٍ تحوّل إلى فكرة، وفكرةٍ تحاول أن تبقى خارج حدود السجن، لأن السجن لم يكن يومًا قادراً على احتجازها
فلسطين
الأربعاء 15 أبريل 2026 10:57 صباحًا - بتوقيت القدس
وزيرة الخارجية الفلسطينية: التحول الأوروبي تجاه الاحتلال يتطلب خطوات عملية لردع الانتهاكات
أكدت وزيرة الخارجية والمغتربين الفلسطينية، فارسين أغابكيان شاهين أن الساحة الدولية تشهد تحولاً ملموساً في مواقف العديد من الدول، خاصة في القارة الأوروبية، تجاه سياسات الاحتلال الإسرائيلي والتوسع الاستيطاني. وأوضحت شاهين أن هذا التغير يتجلى في خطاب أكثر وضوحاً وحدة، إلا أنه لا يزال يفتقر إلى الترجمة الفعلية على أرض الواقع من خلال سياسات رادعة.
وأشارت الوزيرة في تصريحات صحفية إلى أن دولاً مثل إسبانيا وألمانيا وهولندا بدأت تتبنى مواقف متقدمة، حيث تصدرت مدريد الدعوات لاتخاذ إجراءات عقابية، بينما شرعت برلين في الحديث علانية عن مخاطر الاستيطان وعنف المستوطنين. واعتبرت أن هذا المسار، رغم أهميته، لا يزال دون المستوى المطلوب لمواجهة حجم الانتهاكات المستمرة في الأراضي المحتلة.
وشددت شاهين على أن المجتمع الدولي يدرك تماماً طبيعة المعاناة الفلسطينية وحجم الجرائم المرتكبة في قطاع غزة والضفة الغربية، لكن العائق الأساسي يكمن في غياب الإرادة السياسية. وقالت إن القضية الفلسطينية لم تعد بحاجة إلى مزيد من الشرح، بل إلى قرارات دولية شجاعة تنتقل من مربع التعاطف اللفظي إلى مربع الفعل السياسي والقانوني.
وفيما يتعلق بآليات المساءلة، لفتت الوزيرة إلى أن إسرائيل اعتادت على الإفلات من العقاب طوال عقود، وهو ما شجعها على تصعيد انتهاكاتها. وأكدت أن مذكرات الاعتقال الصادرة عن المحكمة الجنائية الدولية بحق مسؤولين إسرائيليين تمثل خطوة في الاتجاه الصحيح، لكنها تتطلب تفعيلاً حقيقياً لضمان عدم تكرار الجرائم ضد الإنسانية.
وحذرت شاهين من أن الواقع الميداني في الضفة الغربية يفرض حالة من الإلحاح القصوى، حيث يتسارع التوسع الاستيطاني وتتصاعد اعتداءات المستوطنين بشكل غير مسبوق. وأوضحت أن ما يجري هو عملية ضم تدريجي تهدف إلى تقويض أي فرصة لإقامة دولة فلسطينية مستقلة، مما يضع الشعب الفلسطيني أمام تحديات وجودية كبرى.
وبحسب المعطيات الرسمية، فقد استشهد أكثر من 1148 فلسطينياً في الضفة الغربية منذ أكتوبر 2023، تزامناً مع حملات اعتقال طالت الآلاف. وأكدت الوزيرة أن هذه الأرقام تعكس حجم الضغط الذي يعيشه الفلسطينيون، والذي يعد الأكبر منذ عقود، في ظل صمت دولي لم يرقَ بعد إلى مستوى التدخل الفعلي لوقف النزيف.
وعلى الصعيد الاقتصادي، تطرقت شاهين إلى الأزمة المالية الخانقة التي تواجهها الحكومة الفلسطينية نتيجة احتجاز إسرائيل لأموال المقاصة واستخدامها كأداة للابتزاز السياسي. وأشارت إلى أن هذا الإجراء أدى إلى تراجع حاد في القدرة على تقديم الخدمات الأساسية وارتفاع معدلات البطالة، مما يزيد من تعقيد الأوضاع المعيشية للمواطنين.
إسرائيل لا تستجيب إلا عندما يكون هناك ثمن حقيقي تدفعه، واستمرار الاكتفاء بالإدانة يشجع على مزيد من الانتهاكات.
وفيما يخص قطاع غزة، وصفت الوزيرة الوضع بالإنساني الكارثي رغم دخول اتفاق وقف إطلاق النار حيز التنفيذ في أكتوبر 2025. وأوضحت أن إسرائيل لا تزال تتنصل من التزاماتها بشأن فتح المعابر وإدخال المساعدات الإغاثية والطبية، مما يبقي نحو 2.4 مليون نسمة في حالة من العوز الشديد والانهيار الصحي.
وحول الرؤية المستقبلية لإدارة القطاع، أكدت شاهين على ضرورة إعادة ترتيب الأوضاع الإدارية في غزة ضمن إطار وطني فلسطيني موحد. وشددت على أن أي ترتيبات، بما فيها عمل 'اللجنة الوطنية لإدارة غزة'، يجب أن تتم بالتنسيق الكامل مع الحكومة الفلسطينية لضمان وحدة القرار السياسي ومنع خلق كيانات منفصلة.
وأوضحت الوزيرة أن الدبلوماسية الفلسطينية تتحرك بكثافة في المحافل الدولية، من الأمم المتحدة إلى مجلس حقوق الإنسان، لطرح ملفات الاستيطان والأسرى. وقالت إن هذه الجهود تهدف إلى دفع الحكومات والبرلمانات حول العالم لاتخاذ خطوات قانونية ودبلوماسية تعكس جدية المجتمع الدولي في تطبيق القانون الدولي.
ورفضت شاهين بشدة محاولات تصوير الصراع في فلسطين على أنه صراع ديني، مؤكدة أنه صراع سياسي بامتياز يتعلق بالأرض والحرية والاحتلال. واعتبرت أن استخدام الدين في هذا السياق هو محاولة تضليلية لتبرير السياسات الاستعمارية التي لا يمكن الدفاع عنها بموجب القوانين الدولية.
كما أشارت إلى أن الحكومة الفلسطينية تعمل ضمن الإمكانيات المتاحة لتعزيز صمود المواطنين في المناطق الأكثر تضرراً من الجدار والاستيطان. وأقرت بأن التحديات المالية واللوجستية تؤثر على ثقة الشارع، لكنها أكدت أن الصمود الشعبي هو الركيزة الأساسية التي تستند إليها التحركات الدبلوماسية في الخارج.
وفي ختام تصريحاتها، دعت وزيرة الخارجية المجتمع الدولي إلى اجتياز 'الاختبار الحقيقي' عبر فرض عقوبات ملموسة على منظومة الاحتلال. وأكدت أن الشعب الفلسطيني لن يتنازل عن حقوقه المشروعة، وأن الأمل في حل سياسي عادل يظل قائماً ما دام هناك تمسك بالمرجعيات القانونية الدولية ومحاسبة للمنتهكين.
يُذكر أن هذه التصريحات تأتي في وقت حساس تشهد فيه المنطقة تحولات سياسية كبرى، حيث تسعى القيادة الفلسطينية إلى استثمار الزخم الدولي المتزايد لعزل إسرائيل ديبلوماسياً. وتطالب مصادر فلسطينية بضرورة وجود سقف زمني لإنهاء الاحتلال وتطبيق القرارات الأممية ذات الصلة لضمان استقرار المنطقة.
فلسطين
الأربعاء 15 أبريل 2026 10:54 صباحًا - بتوقيت القدس
سفارة فلسطين لدى البوسنة والهرسك تحيي يوم الأسير الفلسطيني
سراييفو - "القدس" دوت كوم - من أحمد جلاجل- احتضنت سفارة دولة فلسطين في العاصمة البوسنية سراييفو ندوة فكرية ومعرضاً فنياً، إحياءً ليوم الأسير الفلسطيني، وذلك بحضور دبلوماسي وسياسي رفيع المستوى، عكس حجم التضامن الدولي مع عدالة القضية الفلسطينية.
وافتتحت سفيرة فلسطين لدى البوسنة والهرسك سلفيا أبو لبن الفعالية بكلمة أكدت فيها أن قضية الأسرى تمثل جوهر الوجدان الوطني الفلسطيني، مشددة على بعديها الإنساني والقانوني المستندين إلى مبادئ القانون الدولي الإنساني.
وأوضحت أن استمرار سياسات الاعتقال الممنهجة، وما يرافقها من انتهاكات جسيمة للمعايير الدولية، يشكل اعتداءً على الشعب الفلسطيني بأكمله، وتحدياً صارخاً لمنظومة العدالة الدولية، الأمر الذي يستوجب انتقال المجتمع الدولي من دائرة التنديد إلى الفعل المؤثر.
وأفردت السفيرة في خطابها حيزاً خاصاً لملف "الطفولة المصادرة"، محذّرة من استهداف الأطفال الفلسطينيين داخل أماكن الاحتجاز، ومؤكدة ضرورة تفعيل الاتفاقيات الدولية ذات الصلة لضمان حمايتهم من ممارسات تمس كرامتهم الإنسانية وحقهم الأصيل في الحياة والحرية.
وفي السياقين السياسي والقانوني، ناقشت الندوة التطورات الخطيرة المرتبطة بالتوجهات التشريعية الإسرائيلية الأخيرة، ولا سيما المساعي الرامية إلى قوننة إعدام الأسرى وتشديد العقوبات التعسفية، إلى جانب تصاعد سياسات الاعتقال الإداري، وما يرافقها من تقارير موثقة عن التعذيب وسوء المعاملة، بوصفها انتهاكات تستدعي مساءلة قانونية دولية عاجلة.
وشهدت الفعالية حضوراً دبلوماسياً واسعاً، تقدمه سفراء وممثلو دول: قطر، والجزائر، ومصر، والمملكة العربية السعودية، وتركيا، وسويسرا، والبرازيل، إلى جانب القنصل العام لدولة الإمارات العربية المتحدة، ورئيس الجالية الفلسطينية في البوسنة والهرسك ماجد معروف، والملحق الدبلوماسي لدولة الكويت، وممثلي بعثات سلوفينيا والصين وروسيا، إضافة إلى ممثل عن اللجنة الدولية للصليب الأحمر.
كما حضر عدد من المسؤولين البوسنيين، من بينهم نائبة وزير حقوق الإنسان واللاجئين، ونائب عمدة سراييفو، ورؤساء بلديات وشخصيات سياسية وعسكرية، في تأكيد على عمق العلاقات الثنائية والتضامن البوسني مع القضايا الإنسانية العادلة.
وفي ختام الفعالية، تجول الحضور في معرض بعنوان: "خلف القضبان: إنسان يبحث عن السلام"، حيث قدّم مرافعة بصرية وشهادات حية توثق معاناة أكثر من عشرة آلاف أسير، بينهم مئات الأطفال، واضعاً الضمير العالمي أمام مسؤولياته الأخلاقية والقانونية.
واختُتمت الفعالية بالتأكيد على حق الأسرى في الحرية، وضرورة تطبيق أحكام القانون الدولي الإنساني، وصولاً إلى إنهاء هذه المعاناة وتحقيق العدالة. كما أجرت السفيرة أبو لبن مشاورات لإطلاق حملة بوسنية لمناصرة الأسرى الفلسطينيين، سيتم الإعلان عنها رسمياً في وقت لاحق. ويُذكر أن المعرض مفتوح أمام الجمهور طيلة أيام الأسبوع في مقر السفارة.
أقلام وأراء
الأربعاء 15 أبريل 2026 10:53 صباحًا - بتوقيت القدس
لا حلول مثالية: إدارة الأزمة الاقتصادية بواقعية
في مقالات سابقة، حاولتُ تشخيص ملامح الأزمة المزدوجة التي يعاني منها الاقتصاد الفلسطيني، والمتمثلة في اختلالات المالية العامة من جهة، ومحدودية قدرة الاقتصاد الكلي على التعافي والنمو من جهة أخرى. غير أن التشخيص النظري، مهما بلغ من دقة واستند إلى البيانات الكمية، يبقى ناقصاً دون الانتقال إلى السؤال العملي الأكثر إلحاحاً: ما الذي يمكن فعله لوقف التدهور الاقتصادي المتسارع في بيئة إقليمية معقدة، وفي ظل استمرار الإجراءات الإسرائيلية الخانقة التي تفاقم من ضبابية المشهد على الصعيدين الاقتصادي والمالي؟
الجواب الواقعي لا يكمن في البحث عن "حل شامل" قادر على معالجة جميع القضايا دفعة واحدة، بل في صياغة إطار عملي لإدارة الأزمة يوازن بين تقليل الخسائر تدريجياً والحفاظ على الحد الأدنى من الاستقرار، مع إبقاء نافذة مفتوحة للتعافي المستقبلي والاستفادة من الفرص عند تحسن الظروف. وتتمثل الأولويات الراهنة في ثلاثة محاور رئيسية: إعادة ضبط المالية العامة، وتعزيز المرونة في سوق العمل، والحفاظ على الأصول الاستثمارية القائمة.
أولاً، إن إعادة ضبط المالية العامة يتطلب الانتقال من إجراءات التقشف التقليدية إلى سياسات مالية تعزز كفاءة الإنفاق العام، وتعيد تعريف دور الحكومة في الاقتصاد بما يتلاءم مع السياق الفلسطيني. فالتقشف غير المستدام وموازنات الطوارئ في اقتصاد يعاني أصلاً من ضعف الطلب الكلي، قد يفاقمان الركود بدلاً من احتوائه. المطلوب هو الانتقال نحو ترشيد ذكي للنفقات العامة، يميز بين النفقات الإنتاجية وغير الإنتاجية، مع الحفاظ على الحد الأدنى من الإنفاق الاجتماعي الضروري لتجنب المزيد من عدم الاستقرار المجتمعي.
وفي المقابل، يبقى تعزيز جباية الإيرادات المحلية من المصادر المختلفة أمراً بالغ الأهمية لتقليص العجز المالي وتوفير السيولة. غير أنه لا يمكن التعويل على زيادة الإيرادات عبر الأدوات التقليدية دون المخاطرة بخنق القطاع الخاص الهش، ولا سيما الشركات الصغيرة والمتوسطة التي تشكل غالبية الشركات العاملة في فلسطين. لذلك، تبرز الحاجة إلى التركيز على تحسين كفاءة الجباية بدلاً من رفع العبء الضريبي، بما يمكّن الحكومة من زيادة التحصيل من جهة، ويساعد المنشآت الاقتصادية العاملة بشكل رسمي على لعب دورها كمحرك للنمو الاقتصادي وخلق فرص العمل وتعزيز الإنتاج من جهة أخرى.
إلى جانب ضبط المالية العامة، تبرز الحاجة أيضاً إلى تبني إدارة أكثر حذراً للدين الداخلي، الذي تجاوز ثلاثة مليارات دولار وفق أحدث التقديرات. ويشكّل هذا الدين أداة تمويل ضرورية في ظل الظروف الاستثنائية ومحدودية السيولة التي تعاني منها الحكومة الفلسطينية. وفي الوقت الذي أصبحت فيه إدارة الدين العام مساراً محفوفاً بالمخاطر، تبرز الحاجة إلى البحث عن آليات مبتكرة لإدارة هذه الديون، مثل تحويل جزء منها إلى سندات طويلة الأجل مدعومة بآليات ضمان مناسبة، بما يمكّن الحكومة من الوفاء بالتزاماتها ليس فقط تجاه القطاع المصرفي، بل أيضاً السداد التدريجي للمتأخرات المستحقة لموظفي الخدمة المدنية ولموردي القطاع الخاص.
ثانياً، إن معالجة التقلبات السلبية في سوق العمل الفلسطيني تستدعي تبني سياسات ذكية قادرة على خفض معدلات البطالة المرتفعة، والتي تعكس أزمة هيكلية تتجاوز حدود الدورة الاقتصادية التقليدية. وفي ظل القيود الإسرائيلية المفروضة على الحركة والتجارة، أصبح من الضروري التفكير خارج الأطر التقليدية. وعلى المدى القصير، قد تكون هناك حاجة إلى برامج تدخل مؤقتة مثل دعم الأجور أو برامج تشغيل طارئة، ليس بوصفها حلولاً مستدامة، بل كأدوات عملية لامتصاص الصدمات ومنع تدهور أعمق في سوق العمل.
أما على المدى المتوسط، فإن الاستثمار في المهارات والتعليم التقني قد يشكل أحد المسارات القليلة القابلة للنمو رغم القيود، من خلال تعزيز التشغيل في القطاعات الإنتاجية المحلية بما فيها الصناعة والزراعة، إلى جانب تعزيز دور الاقتصاد الرقمي عبر تشجيع العمل عن بعد، بما يسمح بتجاوز بعض القيود الجغرافية المفروضة على العمالة الفلسطينية وربطها بالأسواق الإقليمية والدولية.
ثالثاً، في بيئة تتسم بارتفاع المخاطر السياسية والاقتصادية، يصبح الحديث عن جذب الاستثمار أقرب إلى الطموح النظري. فقد أصبحت الأولوية الأكثر إلحاحاً هي منع تآكل الأصول الاستثمارية القائمة، إذ إن هروب رأس المال المحلي قد يكون أكثر كلفة من غياب تدفقات استثمارية جديدة. وكحلول عملية، يمكن لأدوات مثل الضمانات الائتمانية عبر مؤسسات التمويل الدولية والبنوك التنموية متعددة الأطراف أن تلعب دوراً مهماً في مساعدة الشركات على الصمود. كما أن تسريع وتيرة الإصلاحات التي تعزز الوصول إلى التمويل قد يساعد في تصميم أدوات استثمارية مبتكرة تتناسب مع مستوى المخاطر المرتفع في فلسطين، وقادرة على جذب رؤوس أموال إضافية، سواء من الشتات الفلسطيني أو عبر صناديق الاستثمار والصناديق السيادية العربية والإسلامية.
بالتأكيد، تسهم التوترات الإقليمية في تفاقم حالة عدم اليقين بشأن مستقبل الاقتصاد الفلسطيني، من خلال تأثيراتها المحتملة على مستويات الدعم الدولي وعلى حركة التجارة والتدفقات المالية. ومع ذلك، لا يخلو المشهد من هوامش ضيقة للمناورة يمكن استكشافها، مثل إعادة تموضع بعض سلاسل التوريد بما يهيئ الظروف لدعم إحلال الواردات في عدد من السلع الأساسية، وبناء شراكات اقتصادية في القطاعات الإنتاجية.
ولعل التحول الأهم الذي ينبغي إدراكه هو أن الاقتصاد الفلسطيني لا يواجه أزمة عابرة، بل حالة ممتدة من الهشاشة المركبة والصدمات المتلاحقة. وفي مثل هذا السياق، يصبح الهدف الواقعي هو إدارة الأزمة بواقعية، من خلال تقليل الخسائر قدر الإمكان، والحفاظ على استمرارية الأنشطة الاقتصادية في القطاعات المختلفة، دون الانزلاق نحو حالة عدم استقرار أعمق.
في نهاية المطاف، يقف الاقتصاد الفلسطيني اليوم بين خيارين: استمرار التآكل الاقتصادي والمؤسسي في حال غياب تدخلات مدروسة، أو صمود عملي يستند إلى نهج براغماتي يوازن بين الممكن والمأمول، ويدرك حدود الواقع، ويعمل على تحديد من سيبقى واقفاً عندما تتغير الظروف.




