أقلام وأراء

الأربعاء 15 أبريل 2026 11:11 صباحًا - بتوقيت القدس

حلم العودة إلى المدرسة هو بداية السلام


يحلم أطفال غزة بالعودة إلى مقاعد الدراسة، وأن يستعيدوا إيقاع حياتهم اليومية، كأي طفلٍ له الحق في أن يعيش بسلام؛ أطفالٌ يتوقون إلى رؤية معلميهم وأصدقائهم من جديد. هذا هو الواقع المرير لطفولةٍ بريئةٍ وقعت ضحيةَ عنفٍ مستمر، لا يزال يحصد أعدادًا كبيرة من القتلى والجرحى، ويخلّف جراحًا نفسيةً عميقةً يصعب محوها. إنها حال الأطفال والشباب الذين يدفعون ثمن حروبٍ خطّط لها كبارٌ بلا قلوب ولا مسؤولية، في لبنان، وفي الشرق الأوسط، وفي أفريقيا، وفي صراعاتٍ أخرى منسيّة لأنّ كثيرين يرفضون رؤيتها.
نحن اليوم نصلّي ونتضرّع من أجل السلام؛ ذلك السلام الذي انتُزع بقسوة من حياة بشرٍ كثيرين مُثقلين بالإهانة والقهر. غير أنّ كلمة "السلام" لا ينبغي أن تُفهم بوصفها مجرّد نقيضٍ للحرب، بل هي قيمةٌ عميقة تقوم على الكرامة الإنسانية والاحترام المتبادل. السلام هو حلم من نجا من أهوال العنف، ومن لا تزال صور الدمار عالقةً في عينيه، ومن لا يزال يسمع أصداء الموت. وهو نداءٌ موجّه إلينا جميعًا، يدعونا إلى مواصلة طريق التربية على السلام؛ ذلك الطريق الذي يبدأ من الصفوف الدراسية، ويتجاوز منطق الحرب الذي يدمّر حاضرَ ومستقبلَ كثيرٍ من الأطفال في أنحاء العالم.
إن حلم طفلٍ بالعودة إلى مدرسته بعد ثلاث سنواتٍ قضاها بين الأنقاض، بدلًا من الجلوس على مقاعد الدراسة إلى جانب أصدقائه، يمنحنا رجاءً بأن السلام يمكن أن يكون مادةً لتربيةٍ لا تحتاج بالضرورة إلى كتبٍ ودفاتر، ولا إلى معلمين يعتلون المنابر؛ بل هي تربيةٌ تُعاش وتُتشارك بصبرٍ واستمرار، في كل لحظة، مع زملاء الدراسة على اختلاف أديانهم وجنسياتهم وألوان بشرتهم وعيونهم.
تُقنعني خبرتي في مشاريع التربية على السلام، يومًا بعد يوم، بأن طريق السلام يبدأ باللقاء والحوار. قد يبدو هذا القول بديهيًا، لكن اللقاء والإصغاء والتحدّث أفعالٌ صعبة، تعترضها عوائق كثيرة، خاصة حين تكون التوترات قائمة، وحين يتحوّل العنف المنبثق من الكراهية إلى انتقام.
وهكذا تصبح المدرسة بيتًا مشتركًا لكل من يحمل في داخله بذرة السلام؛ فالأطفال والشباب يشعرون بحاجةٍ ماسّةٍ إلى السلام. فإذا كانت خلافاتٌ بسيطة، أو كلمةٌ عابرة في غير موضعها، كفيلةً بأن تُباعد بين أطفالٍ يعيشون في بيئاتٍ آمنة، فما بالنا بأولئك الذين يرزحون تحت وطأة الحروب والحرمان، في ظروفٍ قاسية عاشها آباؤهم وأجدادهم؟ هؤلاء يمكنهم أن يجدوا في المدرسة مسارًا حقيقيًا للتربية على السلام؛ مسارًا يرتكز على اللقاء اليومي داخل الصفوف، حيث تتفتح إمكانيات التبادل، وتتسع آفاق الرؤية، ويصبح الأخذ والعطاء أسلوب حياة.
يمكنني أن أذكر صداقاتٍ كثيرة نشأت في إطار برامج التربية على السلام؛ صداقات واجهت في بداياتها صعوباتٍ حقيقية، لكنها سرعان ما تلاشت بفضل إيماءةٍ بسيطة، أو ابتسامةٍ صادقة، أو ركلة كرة. فليس من السهل أن تتقاسم الغرفة نفسها أو مائدة الطعام مع شخصٍ لم تسمع صوته من قبل، ولم تُصغِ إلى فكره، ولم تعرف قصته. اللقاء، والإصغاء، والمعرفة المتبادلة، هي الركائز الأساسية لبدايةٍ صادقة لتربيةٍ ضرورية، بل لا غنى عنها، من أجل السلام.
تتعدّد الأماكن التي يمكن أن تحتضن هذه المسارات، وكلّها صالحة ما دامت بذرة السلام موجودة؛ تلك البذرة التي تحتاج من يرعاها كي تتجذّر، وتنمو، وتؤتي ثمارًا طيبة. وتبقى المدرسة المكان الأسمى لهذه التربية، فمنذ لحظة اللقاء عند باب الصف تبدأ العلاقة بين الأطفال الذين يكبرون معًا، ويسند بعضهم بعضًا، وتنتقل بينهم، بشكلٍ عفوي وتلقائي، روح التضامن والمحبة المتبادلة.
لقد دُمِّرت تسعون في المئة من مدارس غزة، وفي لبنان حُرِم الكثير من الأطفال من حقهم في التعليم واللعب والفرح خلال سنواتٍ حاسمة لنموهم وتطورهم. ومن الصعب التنبؤ بعدد السنوات التي سيبقى فيها أطفال هذه البلاد بعيدين عن مدارسهم. إنّ حلم العودة إلى المدرسة يجب أن يتحوّل إلى واقعٍ يعمّه السلام لكل أطفال البلدان التي تكتوي بنيران الحرب، ولإنسانيةٍ تحتاج بشدة إلى استعادة قيمها ومبادئها الأصيلة.
لتكن كلمة "السلام" مرادفةً لجمال اللقاء الإنساني؛ ذلك اللقاء الذي يجمع من يسيرون في الدرب نفسه، ومن يمدّون أيديهم لرفع من أثقلته الحياة. وهذا ما يفعله الأطفال بالفعل، بنقاء عيونهم، وعفوية لفتاتهم، وصدق مشاعرهم. فلنتعلّم أن نحلم كما يحلم الأطفال، ولنتعلّم أن نحلم بالسلام، من خلال التربية على جماله.

دلالات

شارك برأيك

حلم العودة إلى المدرسة هو بداية السلام

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.