عربي ودولي

الأربعاء 15 أبريل 2026 11:57 صباحًا - بتوقيت القدس

العدالة والتنمية المغربي.. مسارات إعادة التشكل واختبار استعادة المبادرة السياسية

تشهد الساحة السياسية المغربية منذ فبراير 2026 تحركات لافتة من قبل حزب العدالة والتنمية، تتجاوز في جوهرها مجرد الأنشطة الروتينية لتصل إلى محاولة عميقة لإعادة إنتاج الذات الحزبية. يأتي هذا الحراك في ظل تحولات بنيوية يشهدها الحقل السياسي، حيث يسعى الحزب لتجاوز حالة الارتباك في التمثيلية والشرعية التي أعقبت نتائج انتخابات عام 2021.

ينخرط الحزب حالياً في مسار تدريجي يهدف إلى إعادة التموقع، معتمداً على استراتيجية التراكم الهادئ بدلاً من القفزات التكتيكية المفاجئة. وتتجلى أولى ملامح هذا التوجه في ما يُعرف بـ 'عقلنة الحقل التنظيمي الداخلي'، والتي تهدف إلى ترتيب البيت من الداخل قبل خوض أي غمار سياسي جديد.

أطلقت القيادة الحزبية عملية تنظيم الجموع العامة الإقليمية للترشيح، وهي خطوة لا تعكس فقط الاستعداد المبكر للاستحقاقات الانتخابية المقبلة، بل تؤشر على وعي بضرورة ترميم الرأسمال التنظيمي. هذا الرأسمال تعرض لتآكل ملحوظ بفعل ضغوط المرحلة الحكومية الثانية وتداعياتها التي انعكست سلباً على القواعد الحزبية.

لا تقتصر هذه التحركات التنظيمية على ترتيب اللوائح الانتخابية فحسب، بل تمتد لتشمل إعادة ضبط العلاقة الجدلية بين المركز والمجال الجغرافي. ويسعى الحزب من خلال ذلك إلى ضمان حد أدنى من الانسجام الداخلي بين القيادة والقواعد، وهو شرط أساسي لأي استعادة سياسية محتملة في المستقبل القريب.

تعتبر استعادة الشرعية السياسية في بعدها المجتمعي التحدي الأكبر الذي يواجه 'إخوان المغرب' في المرحلة الراهنة. ويدرك الحزب جيداً أن الأزمة التي عصفت به لم تكن مجرد تراجع في عدد المقاعد، بل كانت أزمة ثقة عميقة مست جذور ارتباطه بالفئات الاجتماعية التي كانت تشكل خزانة الانتخابي.

في إطار محاولات ترميم الوسائط الاجتماعية، برز توجه الحزب نحو تجديد الصلة المؤسساتية مع نقابة الاتحاد الوطني للشغل بالمغرب. وتكتسي هذه الخطوة دلالة كبرى، حيث يسعى الحزب للتحول من مجرد فاعل انتخابي موسمي إلى حامل حقيقي لمطالب الفئات المهنية والاجتماعية المتضررة.

على مستوى الخطاب السياسي، بدأت الأمانة العامة للحزب في تبني نبرة تعكس سعياً حثيثاً للتموقع كمعارضة مؤسساتية مؤطرة. هذا التوجه يبتعد عن الاحتجاج الصرف، ويحاول التركيز على إنتاج سياسات بديلة يمكنها إقناع الشارع بجدوى العودة لدعم المشروع السياسي للحزب.

ومع ذلك، يصطدم هذا الطموح بمفارقة بنيوية تتعلق بكيفية بناء خطاب معارض مقنع بعد قضاء ولايتين كاملتين في صلب التدبير الحكومي. ويواجه الحزب سؤالاً جوهرياً حول قدرته على نقد السياسات الحالية دون السقوط في فخ التبرؤ الانتقائي من إرثه الحكومي السابق وما رافقه من قرارات.

إن عملية الانتقال من 'شرعية الإنجاز' إلى 'شرعية النقد' تفرض على الحزب مواجهة توترات داخلية وفراغات في الخطاب السياسي الحالي. وتتطلب هذه المرحلة شجاعة في مراجعة الأخطاء السابقة مع الحفاظ على الهوية السياسية التي ميزت الحزب طوال العقود الماضية في الساحة المغربية.

تأتي هذه التحركات في سياق وطني يتسم بضعف الوساطة الحزبية وتزايد منسوب اللامبالاة السياسية لدى فئات واسعة من المواطنين. وتواجه كافة المؤسسات التمثيلية في المغرب تحدي تراجع الثقة، مما يجعل مهمة العدالة والتنمية في استقطاب الجماهير مجدداً أكثر تعقيداً وصعوبة.

أفادت مصادر متابعة للشأن الحزبي بأن الحزب بات يواجه بنية 'مزاج عام' متشكك في جدوى الفعل السياسي برمته، وليس فقط في أداء الأحزاب. هذا التشكك يفرض على الحزب ابتكار أدوات تواصلية جديدة تتجاوز الشعارات التقليدية وتلامس الهموم اليومية للمواطن المغربي بشكل مباشر.

ما يميز تحركات الحزب بعد انعقاد مجلسه الوطني الأخير هو الاقتناع بحدود الفعل السياسي في المرحلة الراهنة. فقد غابت النبرة التصعيدية الحادة والرهانات الكبرى المعلنة، وحل محلها اشتغال هادئ يركز على بناء الشروط الدنيا للعودة إلى صدارة المشهد السياسي.

يرتكز العمل الحالي للحزب على ثلاثة أعمدة رئيسية: تنظيم متماسك، امتداد اجتماعي قابل للتفعيل، وخطاب سياسي يتسم بالمصداقية. ويهدف هذا المثلث الاستراتيجي إلى إعادة بناء الثقة مع المجتمع دون ادعاء امتلاك الحقيقة المطلقة أو تقديم وعود وردية غير قابلة للتنفيذ.

في الختام، يمر حزب العدالة والتنمية بمرحلة انتقالية حرجة بين ماضٍ مثقل بكلفة المشاركة في السلطة ومستقبل لم تتضح معالمه النهائية بعد. وسيكون نجاحه رهناً بقدرته على إنتاج تعاقد سياسي جديد يتجاوز المنطق الانتخابي الضيق نحو أفق إصلاحي أرحب من داخل المؤسسات.

دلالات

شارك برأيك

العدالة والتنمية المغربي.. مسارات إعادة التشكل واختبار استعادة المبادرة السياسية

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.