لبنان اليوم لا يدخل مجرد جولة تفاوض مع الاحتلال، بل يقف عند نقطة تحول في موقعه داخل الصراع، تحول يعيد طرح سؤال قديم جديد، هل يكون ساحة ردع ام ساحة محكومة بمنطق القوة؟
منذ السبعينات لم يكن لبنان طرفا عاديا في الصراع، بل مساحة تداخلت فيها المقاومة الفلسطينية واللبنانية مع حسابات إقليمية ودولية، فصار الجنوب مرآة لتوازنات أكبر من حدوده.
في السبعينات، وبانتقال ثقل المقاومة الفلسطينية الى لبنان، دخل لبنان طورا جديدا من المواجهة، تعامل معه الاحتلال كفراغ أمني يجب إعادة ضبطه بالقوة، فكانت عمليات الاجتياح المتكررة تتويجا لهذا المنطق، وصولا الى اجتياح 1982، والذي لم يكن مجرد عدوان، بل محاولة لإعادة "هندسته" سياسيا وأمنيا، لكنها اصطدمت بصخرة المقاومة، التي أعادت تعريف الصراع، من احتلال مباشر الى استنزاف قاتل.
منذ التسعينات وحتى التحرير عام 2000، تشكلت معادلة ردع غير مكتوبة، قوامها ان كلفة البقاء في الجنوب اعلى بكثير من الانسحاب، هذه اللحظة لم تكن تفصيلا عابرا، بل نقطة تحول في وعي الصراع ككل، اثبتت ان امتلاك القدرة على الفعل الميداني يمكن ان يفرض تراجع القوة، رغم تفوقها العسكري، ثم كرست حرب 2006 معادلة اكثر تعقيدا، حين فشل الاحتلال في تحقيق أهدافه، ما رسخ فكرة الردع المتبادل، فباتت جزء من قواعد الاشتباك.
هذه المعادلة لم تكن ثابتة، وبقيت عرضة لكل تغير محلي واقليمي، جاءت ثورات الربيع العربي وانشغلت المنطقة بصراعاتها الداخلية، وسعى الاحتلال الى توسيع هامش حركته عبر ضربات وضغوط مستمرة، محاولا تفكيك بيئة الردع تدريجيا، في المقابل، دخل لبنان في ازمة داخلية عميقة، اقتصادية ومالية وسياسية، جعلت الدولة اضعف من ان تدير هذا التوازن او تستثمره، هنا بدأ التباعد بين واقع القوة على الارض والقرار الرسمي، تباعد تتجلى صورته اليوم من خلال المفاوضات المباشرة.
طرح نزع سلاح المقاومة في هذا السياق يبدو كانه قفز فوق تجربة تزيد عن نصف قرن من الصراع، فالسلاح لم يكن مجرد اداة عسكرية، بل جزءا من معادلة ردع تراكمت عبر تجارب ملحمية، من الاجتياح الى التحرير الى الحرب الشاملة، ونزعه دون بديل ردع حقيقي، لا يعني العودة الى وضع ما قبل المقاومة، بل الذهاب الى وضع اكثر هشاشة، يصبح فيه لبنان مكشوفا امام قوة سعت دوما لابتلاعه.
ان الرهان على ان التسويات يمكن ان تحل مكان القوة يتجاهل دروسا تكررت كثيرا، فتجربة الفلسطينيين تقدم نموذجا صارخا، حين تحول المسار التفاوضي الى اطار لادارة واقع مفروض، لا لتغييره، فيما بقيت الولايات المتحدة منحازة بشكل صارخ، تدير اللعبة وفق مصالح حليفتها، وفي الحالة اللبنانية، لا يوجد ما يشير الى ان الوسيط نفسه قد يتحول فجأة الى ضامن نزيه في ظل اولويات ترى في استقرار الحدود هدفا مقدما على مسألة الحقوق.
يُدفع لبنان اليوم نحو التفاوض تحت ضغط مزدوج، تهديد عسكري، يقتل ويدمر ويقضم الارض، وضغط سياسي اقتصادي من بعض العواصم العربية والعالمية من جهة اخرى، وكلها تأتي ضمن مسار أوسع لفكفكة الترابط بين ساحات الصراع، فالمقايضة المطروحة اليوم واضحة وان لم تعلن صراحة، فك الارتباط الاقليمي ونزع عناصر القوة مقابل وعود بالدعم، غير ان هذه الوعود تبقى رهينة المزاج السياسي، ومشروطة بسلوك دائم لا بمجرد خطوة واحدة.
ربما المشكلة ليست الان في فكرة التفاوض، وان كانت كذلك، بل في التوقيت والشروط والادوات والسياق وحساسية اللحظة التاريخية، لان التفاوض الذي يأتي بعد تفكيك أوراق القوة هو إقرار بالهزيمة بصيغة دبلوماسية، ولذلك فان السؤال الحقيقي ليس ماذا يمكن ان يحصل عليه لبنان من هذه الجولة، بل ماذا سيخسر اذا دخلها مكشوف الظهر.
أقلام وأراء
الأربعاء 15 أبريل 2026 11:13 صباحًا - بتوقيت القدس





شارك برأيك
لبنان يفاوض بلا أوراق!