انطلقت في مدينة ميونخ الألمانية أعمال مؤتمر الأمن السنوي في دورته الجديدة، وسط حضور دبلوماسي وعسكري رفيع المستوى شمل أكثر من 60 رئيس دولة وحكومة. وتصدرت ملفات الحروب الراهنة وموازين القوى المتبدلة جدول أعمال الاجتماعات، التي تهدف إلى رسم ملامح مستقبل الأمن الأوروبي في ظل تحديات الطاقة والتكنولوجيا المتسارعة.
أكد المستشار الألماني فريدريش ميرتس في كلمته الافتتاحية أن النظام العالمي يمر بمرحلة تحول جذري لم يشهدها منذ عقود طويلة. وأشار ميرتس إلى أن القواعد الدولية التي حكمت العالم سابقاً تآكلت بشكل كبير، معتبراً أن القوى الصاعدة مثل الصين باتت تعيد صياغة هذه القواعد بما يتوافق مع طموحاتها القومية ومصالحها الاستراتيجية.
وشدد المستشار الألماني على ضرورة أن تمتلك القارة الأوروبية استراتيجية أمنية ودفاعية مستقلة وقادرة على مواجهة التحديات دون الاعتماد الكلي على الأطراف الخارجية. ولفت إلى أن الفجوة السياسية والاستراتيجية بين ضفتي الأطلسي بدأت تتسع، مما يفرض على الدول الأوروبية تبني سياسة القوة لحماية مصالحها في عالم مضطرب.
من جانبه، أقر وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو بأن ملامح 'العالم القديم' قد تلاشت بالفعل أمام التحولات الجيوسياسية الراهنة التي تفرض واقعاً جديداً. وأوضح روبيو أن واشنطن تجد نفسها مضطرة لإعادة تقييم دورها القيادي في المرحلة المقبلة، بما يتناسب مع المتغيرات الدولية وحجم الالتزامات المطلوبة منها تجاه حلفائها.
وفي موقف اتسم بالتشدد تجاه التبعية لواشنطن، دعا الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى تحقيق استقلال أوروبي كامل وشامل في المجالات الدفاعية والسياسية. واعتبر ماكرون أن العلاقات عبر الأطلسي تمر بمرحلة من عدم اليقين، مطالباً الإدارة الأمريكية بتوضيح طبيعة الالتزامات التي يمكن أن تقدمها للأوروبيين في ظل الأزمات المتصاعدة.
النظام الدولي القائم على القواعد لم يعد موجوداً كما كان سابقاً، والصين تعيد تفسيره بما يخدم مصالحها.
وشهد اليوم الأول للمؤتمر مطالبات أوروبية صريحة للجانب الأمريكي بضرورة الكف عن توجيه الانتقادات المستمرة للقارة العجوز والعمل على إحياء الثقة المتبادلة. وحذر القادة المشاركون من أن استمرار التراشق الإعلامي والسياسي يضعف الجبهة الغربية أمام التهديدات المشتركة التي تفرضها القوى المنافسة في الشرق.
الرئيس الفنلندي ألكسندر ستاب قدم رؤية تفصيلية حول مجالات التعاون الممكنة مع الولايات المتحدة، مشيراً إلى أن حلف شمال الأطلسي يظل المظلة الأساسية للدفاع والتكنولوجيا. وأوضح ستاب أن هناك ملفات حيوية مثل المعادن الاستراتيجية وكاسحات الجليد يمكن العمل عليها بشكل مشترك، رغم وجود خلافات ودية حول قضايا المناخ والمؤسسات الدولية.
وفي سياق متصل، كشف الأمين العام لحلف شمال الأطلسي مارك روته عن وجود 'تغيير في الذهنية' داخل أروقة الناتو، حيث بدأت أوروبا تضطلع بدور قيادي أكبر. وأكد روته أن تقوية المكون الأوروبي داخل الحلف لا يعني الانفصال، بل يؤدي إلى تمتين الصلة بين ضفتي الأطلسي وجعلها أكثر مرونة في مواجهة الأزمات العالمية.
وتستمر فعاليات المؤتمر حتى يوم الأحد المقبل، حيث تحتضن عاصمة مقاطعة بافاريا سلسلة من الاجتماعات المغلقة والمباحثات غير الرسمية بين الوفود المشاركة. وتجري هذه اللقاءات وسط تدابير أمنية مشددة في قلب المدينة التاريخي، بهدف التوصل إلى تفاهمات مشتركة حول قضايا الأمن الجماعي والردع الاستراتيجي.
وتعكس النقاشات الدائرة في ميونخ رغبة أوروبية جامحة في تقليل الاعتماد على الضمانات الأمنية التقليدية والتوجه نحو بناء قدرات ذاتية متطورة. ويجمع المراقبون على أن نتائج هذا المؤتمر ستحدد شكل التحالفات الدولية في السنوات القادمة، خاصة في ظل التنافس التكنولوجي والاقتصادي المحموم بين القوى الكبرى.




