في ظل تصاعد التوترات المتسارعة بين واشنطن وطهران وتعثر المسارات الدبلوماسية التقليدية، يعود تساؤل الضربة العسكرية الأمريكية المحتملة ليتصدر المشهد السياسي الدولي. ويرى مراقبون أن الخيار العسكري لم يعد مجرد ورقة ضغط، بل بات احتمالاً قائماً في ظل التحركات الميدانية الأخيرة في مياه الخليج العربي.
أشار عمر رحمان، الباحث في مجلس الشرق الأوسط للشؤون العالمية، إلى أن موجة النشاط الدبلوماسي التي شهدتها العواصم الإقليمية مؤخراً كانت تهدف بالأساس لتجنب حرب شاملة. وقد توجت هذه الجهود بمحادثات غير مباشرة في سلطنة عمان مطلع فبراير الجاري، حيث وصفها الجانب الأمريكي بالإيجابية بينما اعتبرتها طهران خطوة للأمام.
رغم هذه الإشارات الدبلوماسية، فإن تحرك الأصول البحرية الأمريكية، وعلى رأسها حاملة الطائرات 'أبراهام لينكولن'، يرسم صورة مغايرة تماماً للواقع الميداني. هذا الحشد العسكري الضخم قد يكون تمهيداً لعملية عسكرية وشيكة، أو محاولة محسوبة لترهيب القيادة الإيرانية ودفعها لتقديم تنازلات جوهرية في الملف النووي.
تتسم السياسة الخارجية للإدارة الأمريكية الحالية بالارتجال وعدم السير وفق منطق خطي واضح، مما يجعل التنبؤ بالخطوة التالية أمراً معقداً. فالقرار الواحد قد يحمل في طياته تهديداً عسكرياً وورقة تفاوضية في آن واحد، وهو ما يعزز حالة الغموض الاستراتيجي التي يفضلها البيت الأبيض.
يبرز في واشنطن معسكر صقور قوي ومنظم يدفع باتجاه المواجهة المباشرة وتغيير النظام في طهران، ويضم هذا التحالف محافظين جدد ولوبيات مؤيدة لإسرائيل. ويرى هؤلاء أن إيران تمثل العقبة الأخيرة أمام ترسيخ نظام إقليمي جديد تهيمن عليه الرؤية الأمريكية الإسرائيلية المشتركة.
يلعب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو دوراً محورياً في تحريض الإدارة الأمريكية، مستفيداً من وصوله غير المقيد للبيت الأبيض وتكرار زياراته الرسمية. وينجح نتنياهو باستمرار في تصوير أي تحرك إيراني، مهما كان محدوداً، على أنه تهديد وجودي يستوجب رداً عسكرياً حاسماً وفورياً.
الدبلوماسية لا تكون مفيدة بالنسبة لمعسكر الصقور في واشنطن إلا إذا أفضت إلى استسلام إيراني كامل.
في المقابل، يظهر تيار أمريكي واسع يرفض الانخراط في حروب مكلفة جديدة في الشرق الأوسط بعد عقود من التدخلات الفاشلة في العراق وأفغانستان. هذا التيار الشعبي يضغط على الإدارة للتركيز على القضايا الداخلية الملحة، محذراً من أن أي مغامرة عسكرية قد تؤدي إلى تآكل القاعدة الشعبية للرئيس.
يبدو أن ترامب يميل إلى العمليات العسكرية المحدودة والمبهرة التي لا تتطلب التزاماً طويلاً على الأرض، مثل ضرب المنشآت النووية أو العمليات الخاطفة. هذه الاستراتيجية تتيح له الظهور بمظهر القوي أمام ناخبيه دون الانزلاق إلى مستنقع الاحتلال الفوضوي الذي يخشى تكراره.
تدرك طهران جيداً أن سياسة الحذر التي اتبعتها سابقاً قد فُسرت كضعف، مما دفع خصومها لتصعيد الضغوط بشكل أكثر جرأة. لذا، يتحدث القادة الإيرانيون الآن عن استراتيجية الردع الاستباقي، مهددين بردود غير منضبطة تستهدف المصالح الأمريكية والبنية التحتية للطاقة في المنطقة.
حذر المرشد الأعلى الإيراني بوضوح من أن أي هجوم سيؤدي إلى 'حرب إقليمية' شاملة، تهدف لتطويل أمد الصراع وتدويله لإجبار القوى الدولية على التدخل. هذا التهديد يضع أمن دول الخليج وأسواق النفط العالمية في مهب الريح، وهو ما تخشاه القوى الإقليمية مثل السعودية وتركيا.
تعاني إيران من ضغوط داخلية خانقة، بدءاً من العقوبات الاقتصادية التي تضرب بعمق، وصولاً إلى أزمات المياه والاضطرابات الاجتماعية المتزايدة. ويرى بعض المحللين أن هذه الأزمات قد تشجع واشنطن على اختبار صمود النظام عبر عملية عسكرية محدودة تسرع من وتيرة انهياره الداخلي.
ختاماً، تبقى الحرب خياراً غير حتمي طالما أن الغرائز التفاوضية للرئيس الأمريكي تبحث عن صفقات يمكن تسويقها كانتصارات سياسية. وتستمر الوساطات العربية، لاسيما العمانية، في البحث عن صيغة تحفظ كرامة طهران وتمنح واشنطن مشهد النجاح المطلوب لتجنب الانفجار الكبير.





شارك برأيك
بين التهديد العسكري والمناورات الدبلوماسية: هل تتجه واشنطن لضربة جديدة ضد إيران؟