الثّلاثاء 10 مارس 2026 4:18 مساءً -
بتوقيت القدس
تواجه دول مجلس التعاون الخليجي الست اختباراً هو الأصعب منذ عقود، حيث تجد نفسها في مرمى النيران المباشرة للصراع المتصاعد بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى. ورغم محاولات التنسيق المشترك، إلا أن التباينات في السياسات الخارجية والمخاوف من تبعات الانخراط العسكري لا تزال تعيق الوصول إلى موقف موحد تجاه الهجمات التي تستهدف أراضيها.
منذ انطلاق الهجوم الأمريكي الإسرائيلي على إيران في الثامن والعشرين من فبراير الماضي، دخلت المنطقة في دوامة من العنف غير المسبوق، حيث أطلقت طهران أكثر من ألفي صاروخ وطائرة مسيرة باتجاه دول الخليج. هذا التصعيد وضع العواصم الخليجية أمام واقع مؤلم، حيث لم يعد الصراع بعيداً عن حدودها، بل بات يهدد البنية التحتية الحيوية ومصادر الطاقة العالمية.
وتشير البيانات الميدانية إلى أن الألم لم يوزع بالتساوي بين دول المنطقة، إذ تركزت أكثر من نصف الهجمات الإيرانية على دولة الإمارات العربية المتحدة. وفي تطور خطير، استهدفت الطائرات المسيرة مصفاة النفط الوحيدة في مملكة البحرين في التاسع من مارس، مما أدى لإصابة العشرات ودفع شركة النفط الحكومية لإعلان حالة 'القوة القاهرة' في عقودها.
وفي الكويت، أفادت مصادر بأن الدفاع الجوي تمكن من اعتراض ثلاثة صواريخ باليستية وطائرات مسيرة كانت تستهدف مطار الكويت الدولي. ورغم نجاح الاعتراض، إلا أن شظايا الصواريخ تسببت في حرائق محدودة بمحطة الصبية للقوى الكهربائية وانفجار خزانات وقود، مما أدى لتعليق مؤقت للملاحة الجوية قبل عودتها تدريجياً.
أما في المملكة العربية السعودية، فقد دمرت القوات الدفاعية مسيرة في منطقة الربع الخالي كانت في طريقها لاستهداف حقل شيبة النفطي. وأكدت مصادر رسمية تسجيل أول حالتي وفاة في المملكة نتيجة سقوط شظايا الصواريخ الاعتراضية، مما يزيد من الضغوط الشعبية والسياسية لاتخاذ موقف أكثر حزماً تجاه التهديدات الإيرانية المستمرة.
وتسود حالة من الشلل في اتخاذ القرار داخل أروقة مجلس التعاون، حيث ينقسم المسؤولون بين تيار يحث على ضبط النفس لتجنب حرب شاملة، وتيار يطالب بردع إيران عسكرياً. هذا الانقسام يعود في جوهره إلى فقدان الثقة في الإدارة الأمريكية الحالية برئاسة دونالد ترامب، الذي يواجه تراجعاً في شعبيته ومعارضة داخلية واسعة لاستمرار الحرب.
وتتذكر العواصم الخليجية بمرارة تقاعس واشنطن عن الرد بعد الهجمات التي استهدفت منشآت النفط السعودية في عام 2019، وهو ما يعزز الشكوك حول جدية الالتزامات الأمنية الأمريكية. ويخشى القادة الخليجيون أن تنجح واشنطن في جرهم إلى صراع مدمر، ثم تنسحب منه فجأة لتتركهم في مواجهة مباشرة مع جار إيراني جريح ومتحفز.
إنها لعبة قذرة؛ إسرائيل تحاول فرض أمر واقع بتسريب تقارير عن عمل عسكري مزعوم لدول مجلس التعاون الخليجي.
وفي سياق متصل، برزت محاولات إسرائيلية لجر دول المنطقة إلى الصراع عبر تسريبات إعلامية زعمت مشاركة طائرات إماراتية وقطرية في ضرب أهداف داخل إيران. وقد سارعت أبوظبي والدوحة لنفي هذه الأنباء جملة وتفصيلاً، حيث وصف مسؤولون خليجيون هذه التسريبات بأنها 'لعبة قذرة' تهدف لفرض أمر واقع وإحراج الدول العربية أمام شعوبها.
وتثير هذه التسريبات الإسرائيلية غضباً مكتوماً في أبوظبي، التي سعت منذ توقيع الاتفاقيات الدبلوماسية عام 2020 لبناء شراكة وثيقة صمدت حتى خلال الحرب على غزة. ويرى مراقبون أن تسريب معلومات قد تكون سرية أو كاذبة يمثل طعنة في ظهر التفاهمات الأمنية، وقد يرقى في بعض الأحيان إلى مستوى التحريض على جرائم حرب.
وعلى الصعيد الداخلي، لا يمكن لحكام الخليج تجاهل الرأي العام الذي يبدي حساسية مفرطة تجاه الانخراط في حرب إقليمية. ففي البحرين، تثير الهجمات الإيرانية مخاوف من اندلاع اضطرابات اجتماعية جديدة، خاصة مع وجود مظالم قديمة لدى بعض الفئات، حيث رصدت مقاطع فيديو أصواتاً تهتف تأييداً للهجمات أثناء وقوعها.
وفي الإمارات، يبرز تباين في الرؤى بين العاصمة السياسية أبوظبي، التي تميل لتبني سياسة خارجية حازمة تجاه التهديدات الإيرانية، وبين دبي التي تمثل المركز التجاري وتفضل الحياد التام. وقد عبر رجال أعمال بارزون عن قلقهم من أن تؤدي الحرب إلى تدمير النموذج الاقتصادي القائم على الاستقرار وجذب الاستثمارات العالمية.
ويرى دعاة ضبط النفس أن الانضمام للتحالف العسكري الأمريكي يمثل مخاطرة غير مقبولة، خاصة مع رئيس لا يؤمن بالتعددية الدولية. وفي المقابل، يرى التيار المتشدد أن الرسائل التصالحية التي يرسلها الرئيس الإيراني مسعود بيزشكيان لم تمنع الصواريخ من السقوط على المدن الخليجية، مما يجعل خيار الردع ضرورة لا مفر منها.
ويبقى القلق الأكبر متعلقاً بمرحلة ما بعد الحرب؛ فبافتراض بقاء النظام الإيراني، فإنه سيواجه عقوبات قاسية وخسائر اقتصادية بمليارات الدولارات. ويخشى المسؤولون في الخليج أن تلجأ طهران لابتزاز دول الجوار عبر هجمات متقطعة بالمسيرات أو مضايقة السفن في الممرات المائية الحيوية لتعويض خسائرها أو لتخفيف الضغط عنها.
في نهاية المطاف، يبدو أن كفة دعاة ضبط النفس هي الأرجح حتى الآن في أروقة الحكم الخليجية، بانتظار ما ستسفر عنه الأيام القادمة. ومع ذلك، فإن وقوع هجوم إيراني كبير يتسبب في خسائر بشرية واسعة قد يقلب الموازين تماماً، ويدفع المنطقة نحو مواجهة شاملة لا يرغب فيها أحد ولكن الجميع يستعد لها.
الثّلاثاء 10 مارس 2026 3:48 مساءً -
بتوقيت القدس
يرى الأكاديمي روبرت إي. بابي، في تحليل نشرته مجلة 'فورين أفيرز' أن التصعيد العسكري الأخير ضد إيران قد وضع الولايات المتحدة وإسرائيل في مأزق يتجاوز قدرتهما على التحمل. وأوضح أن عملية 'الغضب الملحمي'، رغم دقتها في استهداف الهرم القيادي بطهران، أثبتت أن القوة الجوية الحديثة لا تكفي وحدها لحسم الصراعات السياسية المعقدة.
لقد ظنت واشنطن وتل أبيب أن تصفية المرشد الأعلى وكبار قادة الحرس الثوري ستؤدي إلى شلل بنية القيادة وزعزعة استقرار النظام الإيراني. إلا أن الرد الإيراني جاء سريعاً ومنظماً، حيث انطلقت مئات الصواريخ والمسيرات لتستهدف نطاقاً جغرافياً واسعاً شمل معظم دول الخليج والقواعد العسكرية الأمريكية المنتشرة هناك.
أفادت مصادر بأن صافرات الإنذار لم تتوقف في المدن المحتلة، بينما سعت القوات الأمريكية في قواعد العديد والظفرة وعلي السالم للاحتماء من المقذوفات الإيرانية. هذا الرد لم يكن مجرد انتقام عشوائي، بل مثل بداية استراتيجية 'التصعيد الأفقي' التي تهدف إلى توسيع رقعة الحرب وإطالة أمدها لإرباك حسابات الخصم الأقوى.
تسببت الضربات الإيرانية في تداعيات اقتصادية هائلة، حيث اشتعلت النيران في مرافق تجارية بدبي وتضررت منشآت قرب مطار الكويت الدولي. وأدت هذه الأحداث إلى قفزة حادة في أسعار النفط العالمية، مع توقع التجار استمرار الاضطرابات في مضيق هرمز الذي يمر عبره خمس إمدادات الطاقة في العالم.
يشير بابي إلى أن إيران استلهمت دروساً من حروب سابقة خاضتها الولايات المتحدة، وتحديداً في فيتنام وصربيا. ففي تلك النزاعات، نجح الطرف الأضعف عسكرياً في إحباط الأهداف الأمريكية من خلال نقل المعركة إلى مستويات سياسية واقتصادية واجتماعية تجعل كلفة الاستمرار في الحرب باهظة جداً.
تعتمد استراتيجية طهران على إظهار المرونة والقدرة على العمل حتى بعد فقدان القيادة العليا، وهو ما تجسد في شن هجمات واسعة بعد ساعات فقط من الاغتيالات. هذه الرسالة موجهة للداخل والخارج، وتؤكد أن النظام يمتلك مؤسسات قادرة على إدارة الصراع تحت أقسى الظروف.
من خلال استهداف مواقع في تسع دول تستضيف قوات أمريكية، تسعى إيران لفرض ما يسميه الخبراء 'التعرض المتعدد'. تهدف هذه الخطوة إلى إحراج الحكومات الحليفة لواشنطن وإظهار أن استضافة القواعد الأمريكية تجلب الدمار بدلاً من الأمن، مما يثير ضغوطاً شعبية وسياسية داخل تلك الدول.
إيران لا تحتاج لهزيمة الولايات المتحدة عسكرياً في صراع تقليدي، بل تهدف لاكتساب نفوذ سياسي عبر جر خصم أقوى إلى دوامة من المخاطر المتعددة.
تؤكد التحليلات أن إيران لا تسعى لهزيمة أمريكا في معركة تقليدية وجهاً لوجه، بل تهدف لاكتساب نفوذ سياسي وتغيير موازين القوى الإقليمية. إن تسييس الصراع عبر تعطيل الملاحة وضرب قطاعات التأمين والشحن يضع الإدارة الأمريكية تحت ضغط هائل من الكونغرس والمجتمع الدولي.
عامل الوقت يلعب دوراً حاسماً في الحسابات الإيرانية، فكلما طال أمد النزاع، زادت احتمالية نشوب خلافات بين واشنطن وحلفائها الأوروبيين. وتخشى العواصم الأوروبية من تقلبات أسعار الطاقة وموجات الهجرة المحتملة، مما قد يدفعها للنأي بنفسها عن السياسات الأمريكية التصعيدية.
على الصعيد الميداني، كشفت حوادث النيران الصديقة، مثل سقوط طائرات أمريكية فوق الكويت، عن حجم التعقيدات اللوجستية في إدارة جبهة واسعة. هذه الأخطاء تعزز السردية الإيرانية بأن التدخل العسكري الخارجي يؤدي إلى فوضى لا يمكن السيطرة عليها حتى من قبل القوى العظمى.
تحاول طهران أيضاً إحداث شرخ بين الأنظمة الحاكمة في المنطقة وشعوبها من خلال تصوير نفسها كقوة مقاومة للهيمنة الأجنبية. وتستغل إيران المشاعر السلبية تجاه السياسات الإسرائيلية في المنطقة لحشد تعاطف شعبي يتجاوز الخلافات الأيديولوجية والمذهبية مع النظام الإيراني.
يواجه الرئيس الأمريكي معضلة حقيقية بين خيارين أحلاهما مر؛ فإما مضاعفة الجهود العسكرية وفرض احتواء دائم قد يستمر لسنوات دون نتائج سياسية ملموسة. أو إعلان 'تحقيق الأهداف' والانسحاب، وهو ما سيعرض الإدارة لانتقادات داخلية حادة بتهمة الفشل في إتمام المهمة.
إن تجربة الناتو في كوسوفو عام 1999 تظهر أن الضربات الجوية الدقيقة قد تؤدي إلى نتائج عكسية، مثل إثارة موجات تطهير عرقي أو نزوح جماعي. وفي الحالة الإيرانية، فإن الضغط العسكري قد يدفع طهران لتصعيد أكبر يهدد استقرار النظام العالمي بأكمله وليس فقط أمن الخليج.
في الختام، يخلص المقال إلى أن 'التصعيد الأفقي' هو السلاح الأكثر فاعلية بيد القوى الإقليمية لمواجهة التفوق التكنولوجي الغربي. وإذا لم تدرك واشنطن أبعاد هذا التحول، فإنها قد تجد نفسها غارقة في حرب استنزاف طويلة الأمد تفقد فيها السيطرة على مسار الأحداث التي أشعلتها.
الثّلاثاء 10 مارس 2026 3:34 مساءً -
بتوقيت القدس
تتجه الأنظار نحو التحركات العسكرية البريطانية الجديدة في منطقة الشرق الأوسط، حيث تستعد لندن لتعزيز حضورها البحري عبر نشر سفينة ثانية في مياه البحر المتوسط. وتأتي هذه الخطوة في سياق ما تصفه الحكومة البريطانية بالجهود الدفاعية الرامية لتأمين قواعدها العسكرية الإستراتيجية، ولا سيما تلك الموجودة في جزيرة قبرص، بالإضافة إلى توفير الحماية اللازمة لحلفائها الإقليميين.
وأفادت مصادر مطلعة بأن السفينة 'لايم باي' (RFA Lyme Bay) هي القطعة البحرية المتوقع وصولها إلى شرق المتوسط خلال الفترة المقبلة. وتتميز هذه السفينة بطابعها اللوجستي، حيث تتركز مهامها الأساسية على عمليات الإمداد والدعم الفني، بعيداً عن المهام القتالية المباشرة أو الهجومية التي تضطلع بها المدمرات والبارجات الحربية التقليدية.
وتحمل السفينة 'لايم باي' على متنها تجهيزات طبية متطورة تشمل مستشفى ميدانياً متكاملاً يمكن تفعيله عند الضرورة القصوى للتعامل مع الحالات الطارئة. ويُذكر أن بريطانيا كانت قد اعتمدت على سفينة من الطراز ذاته خلال أزمات سابقة في المنطقة، وتحديداً في عام 2006، حيث لعبت دوراً محورياً في عمليات الإجلاء الإنساني وتأمين المدنيين.
بالتوازي مع ذلك، تستعد حاملة الطائرات 'برينس أوف ويلز' (HMS Prince of Wales) لمغادرة السواحل البريطانية خلال الأسبوع الجاري للالتحاق بالقطع البحرية المنتشرة في المنطقة. وتعكس هذه الخطوة رغبة لندن في إظهار قدراتها العسكرية وجاهزيتها للتدخل السريع في ظل التوترات المتصاعدة التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط على جبهات متعددة.
التحركات البريطانية تندرج ضمن إستراتيجية أعلنها كير ستارمر لحماية المصالح والقواعد العسكرية في المنطقة بالتنسيق مع الحلفاء.
وفيما يخص القطع البحرية الأخرى، لا تزال التقارير متضاربة بشأن مصير المدمرة 'إتش إم إس دراغون' (HMS Dragon) وإمكانية توجهها إلى شرق المتوسط. فرغم الخطط الأولية التي أشارت إلى إبحارها، إلا أن الغموض لا يزال يكتنف قرار تحركها النهائي، وسط استمرار التنسيق العسكري المكثف مع الشركاء الأوروبيين والدوليين.
وعلى الصعيد الجوي، كشفت وزارة الدفاع البريطانية عن عمليات اعتراض ناجحة نفذتها طائرات 'تايفون' التابعة لسلاح الجو الملكي خلال الساعات الماضية. وأوضحت الوزارة أن المقاتلات تمكنت من إسقاط طائرات مسيرة كانت في طريقها نحو الأردن والبحرين، بالإضافة إلى التصدي لصواريخ استهدفت أجواء دولة الإمارات العربية المتحدة.
وتواجه هذه التحركات العسكرية المكثفة انتقادات حادة داخل الأوساط السياسية في لندن، حيث تتهم أحزاب المعارضة رئيس الوزراء كير ستارمر بالانجرار خلف السياسات الأمريكية. ويرى المعارضون أن الانخراط البريطاني المتزايد إلى جانب الولايات المتحدة وإسرائيل قد يؤدي إلى تعقيد المشهد الأمني وزيادة حدة الصراع الإقليمي بدلاً من تهدئته.
من جانبه، يدافع ستارمر عن هذه الإستراتيجية أمام البرلمان، مؤكداً أنها ضرورة أمنية لحماية المصالح القومية البريطانية ومنع تمدد التهديدات الجوية والصاروخية. وتشدد الحكومة على أن كافة العمليات المنفذة تندرج تحت بند 'الدفاع عن النفس' وحماية الممرات الملاحية والقواعد الحيوية التي تعتمد عليها بريطانيا في عملياتها الخارجية.
الثّلاثاء 10 مارس 2026 3:03 مساءً -
بتوقيت القدس
أقرت الحكومة المصرية، يوم الثلاثاء، زيادة جديدة في أسعار الوقود والغاز الطبيعي بنسب وصلت إلى 30%، في خطوة تعد الثالثة من نوعها خلال العام الأخير. وتأتي هذه الزيادة كأول تحرك سعري للمحروقات في عام 2026، وسط ظروف اقتصادية ضاغطة تزامنت مع اضطرابات واسعة في أسواق الطاقة العالمية.
وعزت وزارة البترول والثروة المعدنية هذا القرار إلى الظروف الاستثنائية التي تشهدها المنطقة، لا سيما الحرب على إيران وتأثيرها المباشر على سلاسل إمداد النفط وطرق الشحن البحري. وأوضح بيان رسمي أن التوترات الجيوسياسية رفعت تكاليف التأمين والشحن، مما أدى إلى قفزة في أسعار الخام عالمياً أثقلت كاهل الموازنة العامة.
وشملت قائمة الأسعار الجديدة ارتفاع سعر لتر 'بنزين 95' ليصل إلى 24 جنيهاً بدلاً من 21 جنيهاً، بينما صعد سعر 'بنزين 92' إلى 22.25 جنيهاً للتر الواحد. كما طالت الزيادة 'بنزين 80' الذي أصبح يباع بـ 20.75 جنيهاً، في حين سجل السولار ارتفاعاً بنسبة 17.4% ليصل إلى 20.50 جنيهاً للتر.
ولم تتوقف الزيادات عند وقود المركبات، بل امتدت لتشمل غاز السيارات الذي ارتفع سعره بنحو 30% ليبلغ 13 جنيهاً للمتر المكعب. كما رفعت السلطات أسعار أسطوانات الغاز المنزلي، حيث زاد سعر الأسطوانة سعة 12.5 كيلوغرام من 225 إلى 275 جنيهاً، والأسطوانة الكبيرة سعة 25 كيلوغراماً إلى 550 جنيهاً.
وكانت الحكومة قد رفعت أسعار الوقود في أكتوبر 2025 بنسبة 13%، مع تعهدات سابقة بتثبيت الأسعار لفترة أطول، إلا أن المتغيرات الميدانية فرضت واقعاً جديداً. وتأتي هذه الخطوة في وقت حساس قبيل حلول عيد الفطر، مما يضاعف الأعباء المعيشية على الأسر المصرية التي تواجه موجات تضخم متلاحقة.
وفي سياق متصل، حذر الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي من تداعيات الأزمة الإقليمية الراهنة على الاقتصاد الوطني والدولي في حال استمرار أمد النزاع. وأشار السيسي في تصريحات حديثة إلى أن مصر تكبدت خسائر تقارب 10 مليارات دولار من إيرادات قناة السويس منذ بدء الحرب في غزة، نتيجة اضطراب الملاحة.
من جانبه، أوضح حسن نصر، رئيس الشعبة العامة للمواد البترولية أن الفجوة بين تقديرات الموازنة والواقع السعري أصبحت شاسعة جداً. وأشار إلى أن الموازنة بنيت على سعر 75 دولاراً لبرميل النفط، بينما تجاوز السعر الفعلي حاجز 93 دولاراً، مما خلق ضغوطاً هائلة على فاتورة الطاقة الحكومية.
التطورات الجيوسياسية في منطقة الشرق الأوسط أدت إلى ارتفاع كبير في تكلفة الاستيراد والإنتاج المحلي، فضلاً عن زيادة تكاليف الشحن البحري والتأمين.
وأضاف نصر أن تراجع قيمة الجنيه أمام الدولار ساهم بشكل مباشر في تفاقم الأزمة، حيث إن كل زيادة بقيمة جنيه واحد في سعر صرف العملة الصعبة ترفع تكلفة الطاقة بنحو 4 مليارات جنيه. ومع وصول الدولار إلى مستوى 52.8 جنيهاً، باتت الضغوط الإضافية على الموازنة تقدر بنحو 60 مليار جنيه سنوياً.
وفور صدور القرار، سارعت محافظة القاهرة والمحافظات الأخرى إلى تعديل تعريفة الركوب لوسائل النقل الجماعي والسرفيس والتاكسي الأبيض. وأثارت هذه الخطوة حالة من الصدمة في الأسواق المحلية، حيث يخشى المواطنون من موجة غلاء تشمل كافة السلع الأساسية المرتبطة بتكاليف النقل والتوزيع.
ويتوقع خبراء اقتصاد أن تنعكس زيادة أسعار السولار والوقود بشكل فوري على أسعار الخضروات والفواكه بنسب تتراوح بين 10% و20%. وتأتي هذه التوقعات في ظل معاناة الاقتصاد المصري من معدلات فقر وبطالة مرتفعة، مما يجعل الفئات المحدودة الدخل الأكثر تضرراً من هذه القرارات.
وتواجه الحكومة المصرية تحديات كبرى في كبح جماح التضخم الذي سجل مستويات قياسية في السنوات الأخيرة، رغم حزم الإنقاذ الدولية التي بلغت 57 مليار دولار. وقد أدى خروج الاستثمارات الأجنبية والضغوط على العملة المحلية إلى تآكل القوة الشرائية للمواطنين بشكل غير مسبوق خلال الأشهر القليلة الماضية.
كما تأثرت إمدادات الطاقة في مصر بإغلاق بعض حقول الغاز في الأراضي المحتلة بشكل مؤقت نتيجة التوترات العسكرية، مما دفع القاهرة لاستيراد شحنات غاز مسال بتكاليف مرتفعة. ويرى محللون ماليون أن ضعف الجنيه وارتفاع أسعار الطاقة العالمية سيجبر المؤسسات المالية على إعادة النظر في توقعات التضخم للعام الجاري.
وزاد إعلان الحرس الثوري الإيراني عن إغلاق مضيق هرمز من تعقيد المشهد الاقتصادي العالمي، حيث يعبر من خلاله نحو 20 مليون برميل نفط يومياً. وتسبب هذا الإغلاق في قفزة هائلة في تكاليف التأمين البحري، وهو ما انعكس مباشرة على أسعار الوقود في الدول المستوردة ومن بينها مصر.
وفي ظل هذه المعطيات، يبقى الاقتصاد المصري رهينة للتطورات العسكرية والسياسية في المنطقة، مع استمرار الضغوط على الموارد السيادية. وتترقب الأسواق حالياً مدى قدرة الإجراءات الحكومية على امتصاص الصدمات السعرية وتوفير الحماية الاجتماعية اللازمة للفئات الأكثر احتياجاً في مواجهة الغلاء المتصاعد.
الثّلاثاء 10 مارس 2026 3:03 مساءً -
بتوقيت القدس
دخل قطاع الطيران العالمي في حالة من الارتباك الشديد مع تصاعد حدة التوترات العسكرية في منطقة الشرق الأوسط، وتحديداً عقب إغلاق مضيق هرمز الحيوي. هذا التصعيد أدى مباشرة إلى قفزة غير مسبوقة في أسعار وقود الطائرات، مما وضع الشركات أمام تحديات مالية وتشغيلية معقدة.
أفادت مصادر بأن شركات الطيران الكبرى بدأت بالفعل في تعديل استراتيجياتها السعرية لمواجهة التكاليف المتزايدة. وأوضحت المصادر أن صعود أسعار النفط الخام انعكس بشكل فوري على ميزانيات التشغيل، مما جعل الحفاظ على الأسعار القديمة أمراً مستحيلاً في ظل الظروف الراهنة.
من جانبها، أعلنت الخطوط الجوية الإسكندنافية عن مراجعة مؤقتة لأسعار تذاكرها، مشيرة إلى أن الضغوط على إمدادات الطاقة العالمية بلغت مستويات حرجة. وأكد متحدث باسم الشركة أن هذه الخطوة ضرورية لضمان استمرارية الرحلات وتغطية الفجوة التمويلية الناتجة عن غلاء الوقود.
وفي سياق متصل، كشفت شركة طيران كوانتاس الأسترالية عن نيتها رفع أسعار الرحلات الدولية خلال الأسبوع الجاري. وعزت الشركة هذا القرار إلى التداعيات المباشرة للصراع القائم، مؤكدة أنها تراقب الوضع عن كثب لاتخاذ مزيد من الإجراءات إذا لزم الأمر.
الشركة الأسترالية أشارت في بيان رسمي إلى أنها تدرس حالياً إمكانية زيادة سعة رحلاتها المتجهة إلى القارة الأوروبية في الأشهر المقبلة. وتأتي هذه الدراسة في وقت يحاول فيه المسافرون البحث عن بدائل ومسارات أكثر أماناً واستقراراً بعيداً عن مناطق التوتر المباشر.
الحرب الدائرة أدت إلى اضطرابات واسعة في حركة السفر العالمي، وسط مخاوف جدية من دخول القطاع في ركود عميق. ويرى خبراء أن استمرار إغلاق الممرات المائية والمجالات الجوية قد يؤدي إلى توقف جزئي لعمليات الطيران في مناطق جغرافية واسعة.
الرحلات الجوية الرابطة بين قارتي آسيا وأوروبا كانت الأكثر تضرراً، حيث شهدت أسعار التذاكر ارتفاعاً ملحوظاً نتيجة القيود المفروضة على السعة. كما أن إغلاق بعض الأجواء أجبر الطائرات على اتخاذ مسارات أطول، مما زاد من استهلاك الوقود وتكاليف التشغيل.
الزيادات في أسعار الوقود بهذا الحجم تستدعي اتخاذ إجراءات فورية للحفاظ على استقرار العمليات التشغيلية.
شركة طيران نيوزيلندا انضمت هي الأخرى إلى قائمة الشركات التي أقرت زيادات واسعة في أسعار التذاكر. وتعتبر الشركة من أوائل الناقلات التي استجابت للمتغيرات الجيوسياسية الجديدة، محذرة من أن القطاع يمر بمرحلة انتقالية صعبة تتطلب مرونة عالية.
وعلى الرغم من هذه الأزمات، ذكرت كوانتاس أن رحلاتها المتجهة إلى أوروبا لا تزال تعمل وفق الجدول الزمني المقرر حتى الآن. وأوضحت أن الطلب على السفر لا يزال قوياً، حيث سجلت معدلات حجز مرتفعة تعكس رغبة المسافرين في إتمام رحلاتهم رغم التكاليف الإضافية.
البيانات الصادرة عن الشركة أظهرت أن معدل الحجوزات لشهر مارس تجاوز حاجز الـ 90 بالمئة، وهي نسبة تفوق المعدلات الطبيعية بنحو 15 نقطة مئوية. هذا الإقبال المرتفع يضع ضغوطاً إضافية على الشركات لتوفير مقاعد كافية في ظل تقليص بعض المسارات.
لوحظ مؤخراً تحول في سلوك المسافرين، حيث بدأ الكثيرون في اختيار السفر إلى أوروبا عبر محطات توقف في الولايات المتحدة أو مدن آسيوية بديلة. كما برزت مدينة جوهانسبرج كواحدة من النقاط الحيوية التي يستخدمها المسافرون للالتفاف حول مناطق النزاع في الشرق الأوسط.
تعتمد كوانتاس بشكل كبير على شبكة شركائها الدوليين لتوفير هذه المسارات البديلة وضمان وصول المسافرين إلى وجهاتهم النهائية. وتبحث الإدارة حالياً خيارات إعادة توزيع السعة التشغيلية لتعزيز الخطوط التي تشهد طلباً متزايداً في ظل الأزمة الحالية.
المحللون الاقتصاديون يحذرون من أن استمرار ارتفاع أسعار النفط قد يؤدي إلى موجة تضخم عالمية في قطاع السياحة والسفر. ولا يقتصر الأمر على التذاكر فحسب، بل يمتد ليشمل تكاليف الشحن الجوي والخدمات اللوجستية المرتبطة بحركة الطيران العالمية.
يبقى استقرار قطاع الطيران رهناً بالهدوء السياسي وفتح الممرات الملاحية، حيث أن أي تصعيد إضافي قد يجبر الشركات على اتخاذ قرارات أكثر قسوة. وتترقب الأسواق العالمية ما ستسفر عنه الأيام القادمة من تطورات قد تغير خريطة السفر الجوي لسنوات مقبلة.
الثّلاثاء 10 مارس 2026 3:03 مساءً -
بتوقيت القدس
صعد جيش الاحتلال الإسرائيلي من ضغوطه الميدانية على مناطق جنوب لبنان، حيث أصدر يوم الثلاثاء أوامر إخلاء فورية لسكان بلدة علما الشعب، بالإضافة إلى مبانٍ سكنية محددة في مدينتي صيدا وصور. وتأتي هذه الخطوة في إطار العدوان العسكري المتواصل منذ مطلع شهر مارس الجاري، مما ينذر بتوسيع رقعة العمليات البرية لتشمل مناطق لم تشهد توغلات مباشرة في الأسابيع الماضية.
وأفادت مصادر ميدانية بأن خروج السكان من بلدة علما الشعب لا يعد إجراءً روتينياً، بل هو مؤشر جوهري على نية الاحتلال إطلاق عمليات توغل بري في قرى القطاع الغربي. وكانت العمليات العسكرية الإسرائيلية قد تركزت في وقت سابق على القطاعين الأوسط والشرقي، إلا أن التحركات الأخيرة تشير إلى رغبة في إحكام السيطرة على كامل الشريط الحدودي.
ويرى مراقبون أن مشهد الإخلاء في علما الشعب يحمل دلالات استراتيجية لم تظهر حتى في عدوان يوليو 2006، حيث يبدو أن إسرائيل بدأت فعلياً في تنفيذ مخطط لإنشاء منطقة أمنية عازلة. هذا المخطط يهدف إلى تفريغ القرى الحدودية من سكانها لضمان سيطرة عسكرية كاملة ومنع أي وجود مسلح أو مدني في تلك المناطق الحساسة.
وعلى الرغم من أن التنوع الطائفي والمذهبي في القرى الحدودية، التي تضم سكاناً من المسيحيين والشيعة والسنة والدروز، كان يشكل عائقاً سياسياً واجتماعياً أمام إنشاء مناطق عازلة في العقود الماضية، إلا أن الاحتلال تجاوز هذه الاعتبارات. وقد شملت أوامر الإخلاء والتحركات العسكرية قرى متنوعة في القطاعين الشرقي والغربي على حد سواء.
إخلاء بلدة علما الشعب يمثل تحولاً استراتيجياً يشير إلى نية الاحتلال إعادة تشكيل الشريط الحدودي وتحويله إلى منطقة أمنية عازلة.
وفي سياق متصل، رصدت مصادر محلية محاولات إسرائيلية لتكرار سيناريو الإخلاء في بلدات القليعة والقوزح، بالتزامن مع تحركات عسكرية قرب قرى الظهيرة ويارين ومروحين. ويهدف الاحتلال من هذه التحركات إلى إعادة رسم الخارطة الأمنية على الحدود اللبنانية، وتحويل القرى الأمامية إلى ساحة مواجهة مباشرة خالية من السكان.
من جانبها، كشفت وسائل إعلام عبرية أن حكومة بنيامين نتنياهو ناقشت مع الإدارة الأمريكية مقترح توسيع 'المنطقة الأمنية العازلة' في الجنوب اللبناني. وعقد نتنياهو اجتماعاً أمنياً رفيع المستوى بحضور وزير الأمن يسرائيل كاتس وقادة الأجهزة الاستخباراتية والعسكرية لبحث الترتيبات الميدانية والسياسية لهذا المخطط.
ميدانياً، أعلنت مصادر مقربة من المقاومة عن تصدي مقاتليها لمحاولات تقدم برية عند الأطراف الجنوبية لمدينة الخيام، حيث دارت اشتباكات عنيفة في المنطقة. كما تم استهداف قوة إسرائيلية حاولت التسلل باتجاه بلدة حولا الحدودية بصلية صاروخية، مما أجبرها على التراجع ومنعها من تحقيق أهدافها في التمركز داخل البلدة.
وتشير التقارير إلى أن التوغل في القطاع الغربي بات وشيكاً، مع احتمال اندلاع مواجهات ضارية في قرى الشريط الثاني مثل طيرحفا وبلدة الطيبة في القطاع الشرقي. وتأتي هذه التطورات في ظل دعوات متزايدة داخل المؤسسة السياسية والعسكرية الإسرائيلية لفرض واقع جغرافي جديد في جنوب نهر الليطاني يضمن أمن المستوطنات الشمالية.
الثّلاثاء 10 مارس 2026 3:03 مساءً -
بتوقيت القدس
قدم الرئيس التونسي الأسبق الدكتور منصف المرزوقي قراءة استراتيجية معمقة للمشهد الإقليمي، متسائلاً عن إمكانية استعادة الإسلام لدوره كقوة توحيدية قادرة على ردع المشاريع التوسعية. ويرى المرزوقي أن التحركات الإسرائيلية الأخيرة تهدف لبناء تحالفات دولية جديدة تشمل الهند واليونان وقبرص، في محاولة لاستباق ولادة أي حلف إسلامي قد يهدد أمنها الاستراتيجي.
وأشار المرزوقي إلى أن الاستقبال الحافل الذي حظي به رئيس الوزراء الهندي 'مودي' في إسرائيل لم يكن صدفة، بل يعكس إدراك الاحتلال لضعفه الديموغرافي. فدولة لا يتجاوز عدد سكانها سبعة ملايين نسمة لا يمكنها الاستمرار في تحدي مئات الملايين من المسلمين دون حلفاء دوليين جدد، خاصة مع تراجع الثقة في الدعم الأوروبي والأمريكي التقليدي.
وحذر الرئيس الأسبق من ملامح 'الشرق الأوسط الجديد' الذي تسعى إسرائيل لفرضه، والذي يقوم على الدفن النهائي للقضية الفلسطينية عبر سياسات الإبادة والتهجير والاستيطان. هذا المشروع يهدف أيضاً إلى تفتيت دول محورية مثل لبنان وسوريا والعراق والسودان، مع فرض هيمنة عسكرية مطلقة تضع شعوب المنطقة تحت وصاية السلاح النووي الإسرائيلي.
واعتبر المرزوقي أن إسرائيل تعيش حالة من القلق الوجودي رغم ما تصفه بانتصاراتها، حيث تخشى وصول الشعوب العربية والإسلامية إلى مستوى من الوعي والقوة يفاجئها كما حدث في السابع من أكتوبر. ولذلك، تعتمد سياسات 'الحروب الوقائية' لمنع دول مثل تركيا والسعودية ومصر من امتلاك أي أدوات لتعديل ميزان القوى العسكري في المنطقة.
وفيما يخص الحلول السياسية، أكد المرزوقي أن حل الدولتين بات مستحيلاً في ظل الواقع الاستيطاني الحالي في الضفة الغربية، وأن من يحلم به لا يجيد قراءة الخرائط. كما اعتبر أن 'حل مانديلا' المتمثل في دولة ديمقراطية ثنائية القومية يظل حلماً بعيد المنال في الوقت الراهن، مما يترك المنطقة أمام صراع مفتوح لا يمكن التنبؤ بنهايته.
وشدد المقال على خطورة الأيديولوجيا الإسرائيلية المسكونة بعقد تاريخية مثل 'عقدة شمشون' و'مسعادا'، وهي العقد التي تجعل الاحتلال مستعداً لتدمير المنطقة بأكملها لضمان بقائه. وأوضح المرزوقي أن هذا الخطر يستهدف دولاً إسلامية غير عربية أيضاً، حيث يتم التحريض المستمر ضد تركيا وباكستان لمنع أي دور إقليمي فاعل لهما.
ودعا المرزوقي صراحة إلى بناء حلف إسلامي تكون نواته تركيا وباكستان وقطر والسعودية ومصر، معتبراً أن هذا التكتل هو الوحيد القادر على ردع 'العربدة الإسرائيلية'. ويرى أن مثل هذا الحلف سيلغي الابتزاز النووي الإسرائيلي، وسيدفع الإدارة الأمريكية لإعادة النظر في دعمها غير المشروط لدولة تجرها إلى صراعات تضر بالمصالح الأمريكية.
لا خيار لنا غير التفكير من خارج الصندوق والبحث عن استراتيجيات جديدة، من بينها كيف نفعّل هاته القوة الهائلة التي اسمها الإسلام لكي نعود فاعلين على ساحة العالم.
وحول الموقف من إيران، دعا المرزوقي إلى التمييز بين النظام الاستبدادي التوسعي وبين الشعب الإيراني المسلم الذي يتعرض لتهديدات التدمير من قبل تحالف 'نتنياهو-ترمب'. وأكد على ضرورة التضامن مع الشعوب المظلومة في الخليج وغزة ولبنان والسودان، بعيداً عن الحسابات السياسية الضيقة للأنظمة الحاكمة التي قد تختلف في توجهاتها.
وأوضح المرزوقي أن الدعوة لتحالف إسلامي لا تقوم على العاطفة الدينية فحسب، بل على المصالح الاستراتيجية المشتركة لمواجهة مشروع 'تركيع الأمتين'. وأشار إلى وجود بوادر وتحركات من بعض القادة في هذا الاتجاه، تفرضها خطورة الوضع الراهن الذي يتطلب تجنيد خيرة رجالات السياسة والفكر والإعلام لإنجاح هذا التوجه.
وطالب بضرورة التوجه للرأي العام العالمي، وخاصة في الهند والولايات المتحدة، لتوضيح أن مصلحتهم لا تكمن في استعداء مليار ونصف مليار مسلم من أجل 'دولة عنصرية'. وأكد أن العالم الإسلامي في سباق مع الزمن لبناء تحالفاته الخاصة قبل أن تكتمل التحالفات المعادية التي قد تحول كل مدينة إسلامية إلى 'غزة' جديدة.
واستحضر المقال نماذج تاريخية من القرن الحادي عشر والثالث عشر، حين توحدت الأمة لمواجهة الهجمات الصليبية والمغولية، معتبراً أن اللحظة الراهنة تتطلب تجديد هذا العقد. وأكد أن الاستنجاد بالإسلام كعنصر توحيد سياسي ليس عودة لصراع الحضارات، بل هو ضرورة وجودية لمواجهة عدو شرس يستهدف الجميع دون استثناء.
وفي توضيح لموقفه الفكري، أكد المرزوقي أنه لم يتخلَّ عن قناعاته العلمانية أو الديمقراطية، مشدداً على أن الأنظمة الداخلية يجب أن تقوم على المواطنة والديمقراطية الاجتماعية. ويرى أن بناء هذه الأنظمة يتطلب تعاون الديمقراطيين سواء كانت مرجعياتهم علمانية أو إسلامية، طالما أن الهدف هو السيادة الوطنية والعدالة الاجتماعية.
واختتم المرزوقي مقاله بالتأكيد على أن تفعيل 'القوة الهائلة' للإسلام هو السبيل الوحيد للخروج من حالة 'المفعول به' إلى دور 'الفاعل' في التاريخ العالمي. واعتبر أن التفكير من خارج الصندوق هو ما سيسمح للأمة بمواجهة التحديات الضخمة المفروضة عليها من الخارج، بعيداً عن القوالب التقليدية التي أثبتت فشلها في حماية الأمن القومي.
إن الرؤية التي طرحها الرئيس الأسبق تعكس قلقاً عميقاً من مآلات الصراع الحالي، وتضع النخب العربية والإسلامية أمام مسؤولياتها التاريخية في صياغة استراتيجيات دفاعية جماعية. فالمشروع الصهيوني، بحسب المقال، لا يستهدف فلسطين وحدها، بل يسعى لإعادة صياغة المنطقة بأكملها بما يضمن تبعيتها المطلقة وتجريدها من عناصر قوتها المادية والمعنوية.
الثّلاثاء 10 مارس 2026 2:33 مساءً -
بتوقيت القدس
شهدت سجون الاحتلال الإسرائيلي الأسبوع الماضي موجة قمع غير مسبوقة استهدفت الأسرى الفلسطينيين في كافة المعتقلات، مما أسفر عن وقوع إصابات متفاوتة في صفوفهم. وأفادت مصادر إعلامية متخصصة في شؤون الأسرى بأن وحدات القمع التابعة لإدارة السجون نفذت عمليات اقتحام واسعة طالت كافة الأقسام، وسط حالة من التوتر الشديد التي سادت أجواء المعتقلات.
وأكدت المصادر أن قوات الاحتلال استخدمت القوة المفرطة ضد الأسرى العُزّل، حيث جرى إطلاق قنابل الصوت ورش غاز الفلفل واستخدام الهراوات بشكل مكثف. وقد أدت هذه الاعتداءات إلى إصابة عدد من الأسرى بجروح وكدمات استدعت نقل بعضهم إلى المستشفيات والمراكز الطبية التابعة للسجون لتلقي العلاج، في ظل تعتيم من إدارة السجون على حجم الإصابات الحقيقي.
وبحسب المعطيات الميدانية، فإن هذه الاقتحامات نُفذت بشكل متزامن يوم الخميس الماضي، وهو ما يشير إلى وجود قرار سياسي وأمني مسبق للتنكيل بالحركة الأسيرة خلال شهر رمضان المبارك. واعتبر مراقبون أن تزامن الهجمات في توقيت واحد يهدف إلى تشتيت قدرة الأسرى على الاحتجاج أو الرد على هذه الانتهاكات الصارخة لحقوقهم الأساسية.
من جانبها، وصفت قوى وطنية فلسطينية ما جرى بأنه جريمة حرب جديدة تضاف إلى سلسلة الجرائم التي يرتكبها الاحتلال بحق الشعب الفلسطيني داخل السجون وخارجها. وأشارت التصريحات إلى أن استهداف سجون بعينها مثل 'النقب الصحراوي' و'جلبوع' يعكس رغبة الاحتلال في كسر إرادة الأسرى الذين يواجهون ظروفاً اعتقالية قاسية أصلاً.
ما جرى في سجون الاحتلال يعكس سياسة ممنهجة تستهدف كسر إرادة الأسرى والتنكيل بهم، خاصة مع تعمد تنفيذ الاقتحامات في توقيت واحد خلال شهر رمضان.
وحملت الفصائل الفلسطينية إدارة سجون الاحتلال المسؤولية الكاملة عن حياة وسلامة كافة الأسرى، محذرة من أن استمرار هذه السياسة القمعية سيؤدي إلى انفجار الأوضاع داخل السجون وخارجها. ودعت الجماهير الفلسطينية إلى تصعيد الفعاليات المساندة للأسرى في مراكز المدن ونقاط التماس للضغط على الاحتلال لوقف تغوله بحق المعتقلين.
وعلى الصعيد الحقوقي، وجهت مؤسسات إنسانية نداءات عاجلة للمجتمع الدولي والمنظمات الأممية بضرورة التدخل الفوري لوقف هذه الانتهاكات وتوفير الحماية الدولية للأسرى. وأكدت هذه المؤسسات أن صمت المجتمع الدولي يشجع سلطات الاحتلال على الاستمرار في خرق القانون الدولي الإنساني واتفاقية جنيف الرابعة المتعلقة بمعاملة الأسرى.
وفي ختام البيانات الصادرة، شدد مكتب إعلام الأسرى على أن الباب بات مفتوحاً أمام كافة الجهات الحقوقية لتوثيق هذه الجرائم ورفعها إلى المحاكم الدولية. وطالب المكتب بضرورة إرسال لجان تحقيق دولية للوقوف على حجم التنكيل الذي يتعرض له الأسرى، خاصة في ظل سياسة الإهمال الطبي المتعمد التي ترافقت مع حملة القمع الأخيرة.
الثّلاثاء 10 مارس 2026 2:33 مساءً -
بتوقيت القدس
أعلنت مجموعة القرصنة المعروفة باسم "حنظلة"، يوم الثلاثاء، عن تنفيذ خرق أمني كبير استهدف البنية المعلوماتية لسلاح الجو التابع لجيش الاحتلال الإسرائيلي. وأكدت المجموعة في بيان رسمي نجاحها في الوصول إلى ملفات سرية وحساسة، تضمنت بيانات تفصيلية وصوراً لعشرات الضباط والطيارين الذين يشغلون مهاماً قتالية في الخدمة الفعلية حالياً.
وأوضحت المصادر أن التسريبات شملت معلومات دقيقة لـ 50 ضابطاً من الرتب الرفيعة، من بينهم طيارون متخصصون في قيادة أحدث المقاتلات الحربية من طرازي "F-16" و"F-35". ولم تقتصر البيانات على الهوية العسكرية فحسب، بل امتدت لتشمل أرقام الهويات الشخصية، وعناوين السكن الدقيقة، وأرقام الهواتف الخاصة، مما يضع هؤلاء الضباط في دائرة الاستهداف المباشر.
وبحسب ما نشرته المجموعة، فإن القائمة المسربة ضمت أيضاً قادة عملياتيين في وحدات الطائرات المسيرة (الدرونز)، بالإضافة إلى كبار فنيي الصيانة والمسؤولين عن رسم الخطط الهجومية في غرف العمليات المركزية. وأشارت المجموعة إلى أن هذا التحرك يأتي رداً على الدور المباشر لهؤلاء العسكريين في تنفيذ الغارات الجوية التي تستهدف الأحياء السكنية والمدنيين في الأراضي الفلسطينية والمنطقة.
المعطيات المسربة تشمل الأسماء الكاملة للضباط، وأرقام هوياتهم، وتخصصاتهم العسكرية، بالإضافة إلى عناوين سكنهم وأرقام هواتفهم الشخصية وصورهم.
يتزامن هذا الاختراق النوعي مع تصاعد وتيرة الحرب السيبرانية الموازية للعمليات العسكرية الميدانية، حيث كثفت مجموعات القرصنة الداعمة للقضية الفلسطينية من هجماتها ضد المؤسسات الأمنية والشركات التكنولوجية في الداخل المحتل. وتعكس هذه العمليات تطوراً في أدوات "المقاومة الرقمية" وقدرتها على تجاوز التحصينات الدفاعية لمنظومات الاحتلال الأكثر تعقيداً.
يُذكر أن مجموعة "حنظلة" قد برزت خلال العام الأخير كواحدة من أنشط المجموعات في الفضاء الإلكتروني، متخذة من شخصية "حنظلة" الكاريكاتورية للفنان ناجي العلي رمزاً لها. وتربط المجموعة نشاطها التقني بالتمسك بالحقوق الوطنية الفلسطينية، مؤكدة استمرار عملياتها لكشف وتوثيق بيانات المتورطين في الجرائم العسكرية ضد الشعب الفلسطيني.
الثّلاثاء 10 مارس 2026 2:19 مساءً -
بتوقيت القدس
تواجه أسواق الطاقة العالمية حالة من الارتباك الحاد نتيجة التصعيد العسكري المستمر في منطقة الخليج، وسط تقديرات تشير إلى أن عودة الاستقرار لقطاع الشحن البحري قد تتطلب أسابيع طويلة. ويرى مراقبون أن استعادة القدرة الإنتاجية الكاملة للنفط ستحتاج إلى فترة زمنية أطول قد تمتد لعدة أشهر قبل العودة إلى مستويات ما قبل الصراع.
وأفادت تقارير صحفية دولية بأن عملية إعادة ضخ النفط في المنطقة إلى معدلاتها المعتادة، عقب انتهاء المواجهات بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، قد تستغرق نحو ستين يوماً. وتأتي هذه التقديرات في وقت تترقب فيه الأسواق العالمية أي إشارات لتهدئة قد تسمح باستئناف العمليات اللوجستية المعقدة في الممرات المائية.
وفي المقابل، تشير التوقعات إلى أن حركة الملاحة التجارية والشحن في مياه الخليج قد تحتاج إلى أسبوعين فقط للتعافي النسبي بمجرد توقف العمليات العدائية. ومع ذلك، يظل هذا الجدول الزمني محفوفاً بالمخاطر الأمنية التي قد تعيق حركة الناقلات العملاقة وتزيد من تكاليف التأمين البحري.
ووصف محلل أسواق النفط، أنس الحجي، هذه الجداول الزمنية للتعافي بأنها تمثل 'سيناريو تفاؤلياً' للغاية، محذراً من وجود عقبات تقنية وأمنية قد تطيل أمد الأزمة. وأوضح أن التحديات لا تقتصر على إصلاح المنشآت المتضررة فحسب، بل تمتد إلى ضمان سلامة الممرات المائية من أي تهديدات كامنة.
وحذر الحجي من أن الطائرات المسيرة ذات التكلفة المنخفضة ستبقى تشكل تهديداً مستداماً لحركة الملاحة عبر مضيق هرمز الاستراتيجي حتى في حال التوصل لاتفاق وقف إطلاق نار. ويرى أن سهولة إطلاق هذه المسيرات تجعل من الصعب تأمين المسارات البحرية بشكل كامل ومطلق في المدى القريب.
وتشير المصادر إلى أن الأنشطة العسكرية غير المركزية التي تنفذها أطراف مرتبطة بطهران في المنطقة، لا سيما في الساحة العراقية، قادرة على إلحاق أضرار بالغة بالبنية التحتية للطاقة. وتعتمد هذه العمليات على تكتيكات بسيطة لكنها فعالة في تعطيل سلاسل التوريد العالمية وإرباك حسابات الدول المنتجة والمستهلكة على حد سواء.
وبالرغم من أن المشاهد المتداولة لحرائق مستودعات النفط قد لا تسبب نقصاً فورياً في المعروض العالمي، إلا أنها تمثل ضربة استراتيجية قوية للاقتصاد الإيراني. وتكمن المعضلة في أن معظم الحقول النفطية تتركز في المناطق الجنوبية، بينما تتركز الكثافة السكانية في الشمال والشرق، مما يعقد عمليات التوزيع الداخلي.
الأنشطة العسكرية اللامركزية التي ينفذها النظام الإيراني وشركاؤه يمكن أن تسبب أضرارًا جسيمة باستخدام أساليب منخفضة التكلفة.
وتعاني طهران من صعوبات بالغة في تعويض المخزونات النفطية المفقودة نتيجة الهجمات، وهو ما يضع ضغوطاً إضافية على النظام في إدارة الموارد المتاحة. وتعتبر عمليات استهداف منشآت التخزين والوقود تكتيكاً قديماً يهدف إلى شل القدرات اللوجستية للخصم وإضعاف جبهته الداخلية خلال فترات الحروب.
وبالعودة إلى دروس التاريخ العسكري، فإن مهاجمة مراكز إمداد الوقود تهدف بالأساس إلى حرمان القوات المسلحة من الطاقة اللازمة لتحريك الآليات والقطع الحربية. كما تساهم هذه الهجمات في خلق حالة من التوتر والقلق بين المدنيين نتيجة النقص الحاد في المحروقات اللازمة للحياة اليومية والخدمات الأساسية.
وأكدت التحليلات أن استهداف المستودعات يقلل بشكل مباشر من الإمدادات المتاحة للجيوش، مما يحد من قدرتها على المناورة أو الاستمرار في العمليات القتالية الطويلة. وتتضاعف معاناة السكان المحليين في مثل هذه الظروف، حيث تصبح ندرة الوقود أزمة معيشية تضاف إلى ويلات الصراع المسلح.
وتجعل هذه المعطيات المعقدة من تعافي سوق النفط العالمي عملية شاقة تتطلب تنسيقاً دولياً واسعاً وجهوداً فنية جبارة لإعادة تأهيل المنشآت المتضررة. وستواجه الدول المنتجة في منطقة الخليج تحديات كبرى في محاولة تسريع وتيرة الإنتاج والتصدير لتعويض النقص الحاصل في الأسواق الدولية.
وحتى في حال توقف العمليات العسكرية بشكل فوري، فإن الثقة في أمن الإمدادات لن تعود بسرعة، مما قد يبقي أسعار النفط في مستويات مرتفعة لفترة غير قصيرة. وتراقب القوى الاقتصادية الكبرى هذا المشهد بحذر، خشية دخول الاقتصاد العالمي في موجة تضخمية جديدة مدفوعة بارتفاع تكاليف الطاقة.
ويبقى مضيق هرمز النقطة الأكثر حرجاً في هذه المعادلة، حيث أن أي اضطراب إضافي فيه قد يؤدي إلى شلل تام في إمدادات الطاقة المتجهة إلى آسيا وأوروبا. وتتجه الأنظار الآن نحو الجهود الدبلوماسية والترتيبات الأمنية التي قد تضمن حماية هذا الممر الحيوي من هجمات المسيرات والعمليات التخريبية المستمرة.
الثّلاثاء 10 مارس 2026 1:48 مساءً -
بتوقيت القدس
يتناول كتاب 'إيران من الداخل' للدكتور نبيل الحيدري، الصادر عن الدار العربية للعلوم ناشرون، أبعاد الصعود الإيراني في الإقليم وكيف تحول إلى مصدر قلق متنامٍ في الخطاب السياسي العربي. يستعرض الكتاب في أجزائه الختامية تنامي نفوذ طهران في عدة دول عربية، والادعاءات التاريخية والسياسية التي تروج لها بشأن بعض الأراضي والجزر العربية.
تشير القراءة التحليلية للكتاب إلى أن الإمبريالية الأمريكية ربطت بين إخفاقها في العراق وتنامي الهيمنة الإيرانية، مما دفعها لرص صفوف الأنظمة الحليفة لها. وتنقسم الخارطة السياسية العربية وفقاً للكتاب بين أكثرية تابعة للغرب وأقلية تشكل 'محور المقاومة' الذي يضم فصائل فلسطينية ولبنانية وسورية مدعومة من طهران.
تتبنى وجهة النظر الرسمية العربية مخاوف جدية من تحول إيران إلى قوة إقليمية مهيمنة استغلت المتاعب الأمريكية في العراق وأفغانستان. وقد نجحت طهران في بناء تحالفات استراتيجية مكنتها من إحداث تبدل جذري في ميزان القوى الإقليمي لصالح مشروعها السياسي والمذهبي.
استطاعت إيران توظيف سياستها الخارجية لزرع 'مراكز نفوذ متقدمة' في بلدان عربية لتكون أوراق ضغط في صراعاتها مع الولايات المتحدة. وبدأت هذه السياسة منذ الثورة الإيرانية عبر شعار 'تصدير الثورة'، ثم انتقلت لدعم الأقليات التي تشترك معها في المرجعية الدينية والمذهبية.
يرى محللون أن البرنامج النووي الإيراني عزز المخاوف العربية بشأن اختلال ميزان القوى والتهديدات الوجودية للهوية الوطنية. وقد تجلى ذلك في تصريحات علنية لزعماء عرب، مثل تحذير العاهل الأردني من 'الهلال الشيعي' وتشكيك الرئيس المصري الأسبق في ولاء الطوائف الشيعية لدولها.
تطرق الكتاب إلى النزاع حول الجزر الإماراتية الثلاث (طنب الكبرى وطنب الصغرى وأبو موسى)، مؤكداً أن تاريخها مرتبط بالساحل العربي منذ آلاف السنين. وأشار إلى أن احتلال هذه الجزر تم في نوفمبر 1971 بتواطؤ بريطاني قبيل إعلان استقلال دولة الإمارات العربية المتحدة.
وفيما يخص البحرين، يوضح الحيدري أن الادعاءات الإيرانية تفتقر للأساس التاريخي، حيث أن حضارة 'دلمون' تسبق وجود الدولة الفارسية بأكثر من ألفي عام. وتؤكد النصوص السومرية والأدلة الأثرية أن الأقوام الذين سكنوا هذه المنطقة كانوا عرباً ساميين ينتمون لجزيرة العرب.
إيران استطاعت زرع مراكز نفوذ متقدمة في بلدان عربية عدة لتكون نصيراً حاداً في أي نزاع مع القوى الكبرى.
يتناول الكتاب أيضاً قضية إقليم الأحواز العربي، الذي سقط تحت السيطرة الإيرانية عام 1925 بعد تحالف الشاه مع الاحتلال البريطاني لاختطاف الأمير خزعل الكعبي. ومنذ ذلك الحين، مارست طهران سياسات تغيير ديموغرافي واسعة لطمس الجذور العربية للإقليم وتغيير أسماء مدنه التاريخية.
تعتبر الأحواز 'رئة إيران' الاقتصادية، حيث صرح الرئيس الأسبق محمد خاتمي بأنها تغذي الميزانية بنسبة 80% من إيرادات النفط. ورغم هذه الأهمية، يعاني السكان العرب من التهميش والحرمان من حقوقهم الثقافية والسياسية، بما في ذلك منع ارتداء الزي الوطني العربي.
أكد المؤرخون القدامى، ومنهم الروماني بليني، تسمية 'الخليج العربي' منذ القرن الأول الميلادي، مشيرين إلى إحاطة القبائل العربية به من كافة الجهات. ولم يكن للفرس دور يذكر في تجارة الخليج أو سكناه، بل كانت القبائل العربية مثل تميم وبكر هي المهيمنة على سواحله.
يدعو الكتاب في خلاصته إلى ضرورة تجاوز الاستقطاب الطائفي السني-الشيعي الذي تغذيه القوى الخارجية لتمزيق المنطقة. ويرى أن استمرار هذا الصراع لا يخدم سوى المصالح الإمبريالية والصهيونية التي تسعى لإضعاف كافة الأقطاب الإقليمية الكبرى في الشرق الأوسط.
تطرح الرؤية النقدية للكتاب حاجة المنطقة إلى مشروع إقليمي عربي إسلامي جديد يقوم على التعاون بين مصر وتركيا وإيران والسعودية. ويهدف هذا المشروع إلى بناء نظام توازن واستقرار يحد من سباق التسلح باهظ الكلفة ويحفز التنمية المشتركة في الخليج والهلال الخصيب.
يشدد التحليل على أهمية بناء معاهدات سلام وحسن جوار تنهي الحروب بالوكالة والمواجهات الأهلية في دول مثل ليبيا واليمن. كما يدعو إلى حل النزاعات الحدودية والمائية، مثل أزمة سد النهضة، عبر اتفاقيات منصفة تضمن الأمن المائي والغذائي لشعوب المنطقة.
في الختام، يبرز الكتاب أن الطريق الوحيد لقطع الطريق على مشاريع الهيمنة الخارجية هو صياغة علاقات تعاون اقتصادي وسياسي متينة. إن بناء نظام إقليمي جديد مناهض للهيمنة يتطلب إرادة سياسية لتجاوز إرث الماضي والتركيز على المصالح المشتركة للشعوب العربية وجيرانها.
الثّلاثاء 10 مارس 2026 1:18 مساءً -
بتوقيت القدس
فقدت الأوساط الثقافية العربية والعراقية الروائية والمفكرة الكبيرة لطفية الدليمي، التي غادرت عالمنا بهدوء في مقر إقامتها بالعاصمة الأردنية عمان. رحلت الدليمي بعيداً عن بغداد التي شكلت وجدانها الثقافي الأول، وودعت الحياة في وقت تشهد فيه المنطقة تحولات متسارعة، تاركةً وراءها إرثاً سردياً عميقاً حاول دائماً الإجابة على أسئلة الوجود والحضارة من خلال عيون نساء العراق وتاريخه المثخن بالجراح.
تعتبر تجربة الدليمي الأدبية فريدة من نوعها في السرد العراقي، إذ لم تكن مجرد حكواتية للأحداث، بل جعلت من الرواية مساحة للتأمل الفلسفي والعلمي. ومنذ بداياتها، مالت نصوصها إلى تشريح قلق الإنسان المعاصر، وربطت مصائر شخصياتها بالتحولات الكبرى التي عصفت بالعراق، لا سيما بعد عام 2003، حيث وثقت بمرارة تدمير البنية الثقافية واستهداف المبدعين في مدينتها الأم بغداد.
كانت الرواية في مفهومها محاولة مستمرة لفهم الإنسان وهو يقف مرتبكاً أمام اتساع الكون وقسوة التاريخ.
تنقلت الراحلة في منافٍ متعددة، بدأت بباريس التي وصفتها في 'كراساتها الباريسية' بأنها مختبر للتأمل رغم قسوة تجربة اللجوء فيها، وصولاً إلى عمان التي وجدت فيها السكينة والحنو في سنواتها الأخيرة. وقد عكست أعمالها مثل 'سيدات زحل' و'بذور النار' قدرة فائقة على دمج المعارف الحديثة بالفن الروائي، حيث كانت تؤمن بأن الكاتب المعاصر يجب أن ينفتح على العلوم والفلسفة ليفهم تعقيدات العالم.
ولدت الدليمي عام 1939 في مدينة بهرز، وشقت طريقها في عالم الحرف لتصبح واحدة من رائدات الكتابة النسوية العربية ببعدها الإنساني الشامل. وبوفاتها، تُطوى صفحة مضيئة لكاتبة لم تتوقف يوماً عن البحث عن معنى للحياة وسط الخسارات، وظلت حتى رمقها الأخير تصغي لصوت بغداد البعيد، محولةً ذاكرتها الحسية إلى نصوص خالدة ستبقى مرجعاً للأجيال القادمة في المكتبة العربية.
الثّلاثاء 10 مارس 2026 12:48 مساءً -
بتوقيت القدس
سجلت الخزينة الأمريكية استنزافاً مالياً حاداً مع انطلاق العمليات العسكرية ضد إيران، حيث قدرت تقارير صحفية كلفة اليومين الأولين بنحو 5 مليارات و650 مليون دولار. وتدفع هذه الأرقام الضخمة إدارة الرئيس دونالد ترمب للتحرك سريعاً باتجاه السلطة التشريعية لطلب غطاء مالي إضافي، إذ يتوقع أن يتقدم بطلب ميزانية تكميلية من مجلسي النواب والشيوخ قد تصل قيمتها إلى 50 مليار دولار لمواجهة متطلبات التصعيد العسكري.
وفي محاولة لامتصاص الغضب الشعبي والسياسي، خرج الرئيس ترمب في مؤتمرين صحفيين للدفاع عن الجدوى الاستراتيجية لهذه الكلفة المرتفعة. واعتبر ترمب أن التحرك العسكري كان ضرورة حتمية لمنع طهران من امتلاك قدرات نووية أو شن هجمات مباشرة ضد المصالح الأمريكية، مدعياً أن الحرب حالت دون سقوط الشرق الأوسط تحت السيطرة الإيرانية الكاملة، وهي مبررات يراها مراقبون محاولة لتبرير العبء المالي الثقيل.
ومع ذلك، تظهر فجوة واضحة بين خطاب البيت الأبيض والتقارير الاستخباراتية التي أكدت سابقاً أن طهران لم تكن تمتلك القدرة الصاروخية لتهديد العمق الأمريكي بشكل مباشر. كما أشارت المصادر إلى أن البرنامج النووي الإيراني كان قد تلقى ضربة قاصمة في يونيو الماضي عبر عملية 'مطرقة منتصف الليل'، مما يجعل الادعاءات حول قرب إنتاج قنبلة نووية خلال أسبوعين موضع تشكيك كبير من الناحية الفنية والعسكرية.
لو لم تُشن هذه الحرب، لكانت إيران قد استهدفت الولايات المتحدة وحصلت على السلاح النووي واحتلت المنطقة بالكامل.
وعلى الصعيد الاقتصادي الداخلي، بدأت آثار الحرب تنعكس بشكل مباشر على معيشة المواطن الأمريكي من خلال قفزات حادة في أسعار الطاقة والبنزين. وبحسب مصادر مطلعة، فإن الارتفاع في أسعار الوقود يمثل التحدي الأكبر للإدارة، نظراً للاعتماد الكلي للمجتمع الأمريكي على السيارات في التنقل، مما يجعل التضخم الناتج عن تكاليف الطاقة محركاً أساسياً للاستياء الشعبي المتصاعد الذي رصدته منصات التواصل الاجتماعي.
وشهدت الأسواق العالمية اضطراباً ملحوظاً، حيث قفز سعر النفط الأمريكي ليتجاوز حاجز 100 دولار للبرميل، مع زيادة في العقود الآجلة بنسبة 20%، وهي القفزة الأولى من نوعها منذ عام 2022. هذه المعطيات الاقتصادية تضع ضغوطاً هائلة على الأسواق وتزيد من مخاوف دخول الاقتصاد العالمي في حالة من الركود التضخمي، وهو ما دفع المواطنين للتعبير عن غضبهم من تداعيات الحرب على استقرارهم المالي.
ورغم تأكيدات البيت الأبيض عبر الناطقة باسمه كارولين ليفيت بأن العمليات قد تمتد من أربعة إلى ستة أسابيع، حاول ترمب بث رسائل طمأنة مفادها أن الحرب 'على وشك الانتهاء'. وادعى الرئيس الأمريكي أن الأهداف العسكرية قد تحققت تقريباً، في محاولة لتقليل سقف التوقعات بشأن أمد الصراع وتكلفته النهائية التي قد تتجاوز بكثير التقديرات الأولية المعلنة.
الثّلاثاء 10 مارس 2026 12:19 مساءً -
بتوقيت القدس
أفادت تقارير صحفية دولية بتراكم الأدلة التي تثبت تورط صاروخ أمريكي في المجزرة المروعة التي استهدفت مدرسة ابتدائية بمدينة ميناب الإيرانية. وأشارت المصادر إلى أن الهجوم أسفر عن استشهاد 175 طفلاً كانوا يتواجدون داخل فصولهم الدراسية لحظة وقوع الانفجار العنيف.
واستندت التحقيقات إلى مقاطع مصورة نشرتها وكالات إيرانية تظهر بوضوح لحظة سقوط صاروخ كروز من طراز 'توماهوك' على المنطقة. وقد وثقت اللقطات إصابة الصاروخ لقاعدة بحرية تقع في محيط مدرسة 'شجرة طيبة' الابتدائية، مما أدى إلى دمار هائل في مبنى المدرسة المكتظ بالتلاميذ.
وأكدت المصادر أن الجيش الأمريكي هو القوة الوحيدة في المنطقة التي تمتلك وتستخدم صواريخ 'توماهوك' بعيدة المدى. وتظهر صور الأقمار الصناعية والتحليلات الميدانية أن المدرسة تضررت بشكل مباشر وقاتل نتيجة الضغط الانفجاري والشظايا المنبعثة من الصاروخ الذي استهدف القاعدة المجاورة.
وفي تعليق سابق على الحادثة، نفى الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب تورط بلاده في قتل الأطفال الإيرانيين. وزعم ترامب في رد على تساؤلات الصحفيين أن إيران هي المسؤولة عن الحادث بسبب ما وصفه بـ'عدم الدقة' في استخدام ذخائرها العسكرية، وهو ما فندته الأدلة التقنية اللاحقة.
من جانبه، قام فريق الأبحاث المستقل 'بيلينغكات' بالتحقق من صحة الفيديو الذي يوثق الضربة الجوية بدقة متناهية. وأظهر التحليل أن التصوير تم من موقع بناء يقع في الجهة المقابلة للقاعدة المستهدفة، حيث ظهر الصاروخ وهو يسقط مباشرة على عيادة طبية داخل منشأة تابعة للحرس الثوري.
إيران فعلت ذلك، كما تعلمون هم غير دقيقين جدا في استخدام الذخائر.
وأوضحت التقارير أن الإصابة لم تقتصر على العيادة الطبية، بل طالت بقوة المدرسة الملاصقة لسور القاعدة البحرية. كما تعرضت عدة مبانٍ أخرى داخل المنشأة العسكرية لضربات دقيقة تزامنت مع الهجوم على المدرسة، مما يشير إلى عملية عسكرية واسعة النطاق ومنظمة.
وشددت التحليلات الفنية على أن هذا النوع من الصواريخ لا يتوفر في ترسانة جيش الاحتلال الإسرائيلي أو الجيش الإيراني نفسه. وتزامن وقوع المجزرة مع إطلاق سفن حربية تابعة للبحرية الأمريكية عشرات الصواريخ من الطراز ذاته باتجاه أهداف داخل الأراضي الإيرانية في الثامن والعشرين من فبراير الماضي.
وتتميز صواريخ 'توماهوك' بقدرات تكنولوجية فائقة، حيث يمكنها التحليق لمسافة تصل إلى 1000 ميل وإصابة أهدافها بدقة متناهية. ويتم برمجة هذه الصواريخ بخطط طيران معقدة قبل إطلاقها، مما يثير تساؤلات حول كيفية إدراج موقع بجانب مدرسة ابتدائية ضمن بنك الأهداف.
يصل طول الصاروخ المستخدم في الهجوم إلى نحو 20 قدماً، ويحمل رأساً حربياً ذا قدرة تدميرية هائلة تعادل 300 رطل من مادة 'تي أن تي'. وتؤكد هذه المواصفات أن حجم الدمار الذي لحق بمدرسة 'شجرة طيبة' يتناسب تماماً مع الآثار التدميرية لهذا السلاح الاستراتيجي الأمريكي.
الثّلاثاء 10 مارس 2026 11:48 صباحًا -
بتوقيت القدس
أفادت مصادر صحفية دولية بأن النظرة التقليدية لدول الخليج ككيانات ثابتة ومحصنة بالثروات المطلقة بدأت تواجه اختباراً حقيقياً. وأوضحت التقارير أن الغارات الجوية الأخيرة المتبادلة بين إيران من جهة، والولايات المتحدة ودولة الاحتلال من جهة أخرى، كشفت عن مدى تأثر سلاسل توريد الطاقة والعمالة ورؤوس الأموال في المنطقة.
وحذرت التحليلات من أن الصراع الراهن يتجاوز كونه مواجهة عسكرية مباشرة، ليمس جوهر النظام السياسي المتشابك في الشرق الأوسط. هذا النظام الذي يعتمد في استقراره الظاهري على توازنات دقيقة، يبدو اليوم أكثر عرضة للاهتزاز نتيجة التداعيات الخطيرة التي قد تطال المنطقة بأسرها دون استثناء.
وشهدت السنوات الأخيرة تحولات دراماتيكية في السياسات الداخلية والخارجية لكل من السعودية وقطر والإمارات. هذه التغيرات لم تقتصر حدودها على الداخل الخليجي، بل امتدت آثارها لتشمل ملفات ساخنة في ليبيا وفلسطين، مما جعل هذه الدول فاعلاً أساسياً في صياغة مشهد المنطقة.
وتشير القراءات السياسية إلى أن أحداث السابع من تشرين الأول/أكتوبر مثلت نقطة تحول كبرى في مسار الأحداث الإقليمية. ويرى مراقبون أن تلك الهجمات جاءت في جزء منها لعرقلة مساعي التطبيع التي كانت تقودها الرياض، خاصة بعد انخراط دول عربية أخرى في اتفاقيات أبراهام عام 2020.
وتسعى العواصم الخليجية الثلاث، رغم تباين أجنداتها، إلى تحقيق طموحات عالمية كبرى في مجالات الاقتصاد والرياضة. ومع ذلك، فإن هذه الدول تعيش حالة من الاضطراب السياسي الكامن خلف واجهة الاستقرار المؤسسي الذي ميز أنظمتها الحاكمة على مدار العقود الماضية.
وفي السعودية، قاد ولي العهد محمد بن سلمان عملية انفتاح واسعة غيرت الملامح الاجتماعية والدينية للمملكة بشكل جذري. ويهدف هذا التحول إلى تحويل البلاد لمركز جذب عالمي للفعاليات الترفيهية والرياضية، في محاولة لمنافسة النماذج الناجحة التي أرستها الجارتان قطر والإمارات.
ويعتمد نجاح هذا النموذج الاقتصادي الجديد بشكل كلي على توفر بيئة آمنة ومستقرة بعيدة عن شبح الحروب. ولهذا السبب، حاولت دول الخليج طويلاً تحييد التوترات الجيوسياسية عبر سياسات توازن بين تجنب استفزاز طهران والحفاظ على تحالفات استراتيجية مع واشنطن بوصفها الضامن الأمني.
الصراع الجاري لا يقتصر على القوى الكبرى، بل يمس نظاماً سياسياً معقداً في الشرق الأوسط يبدو أكثر هشاشة مما يوحي به ظاهره.
إلا أن هذا النموذج تعرض لهزة عنيفة مؤخراً مع تصاعد وتيرة الهجمات بالصواريخ والطائرات المسيّرة التي طالت منشآت حيوية. هذه التطورات وضعت الطموحات الاقتصادية الكبرى في مواجهة مباشرة مع واقع أمني معقد يهدد بتدفق الاستثمارات والسياحة الدولية.
من جهة أخرى، انخرطت الإمارات في مشاريع توسعية إقليمية شملت التدخل في نزاعات مسلحة بعدة دول عربية وأفريقية. ويهدف هذا التوجه إلى تأمين نفوذ استراتيجي وموارد طبيعية، لكنه أدى في الوقت ذاته إلى بروز تباينات في المواقف مع السعودية، خاصة فيما يتعلق بالملف اليمني.
وتُعرف الإمارات بكونها القوة الخليجية الأكثر براغماتية في تبني النظام العالمي القائم على القوة والمال، وهو ما تجلى في توقيعها اتفاقيات التطبيع. وقد تجاوزت أبوظبي في هذا المسار العديد من المطالب السياسية التقليدية المرتبطة بالقضية الفلسطينية، مركزة على مصالحها الاقتصادية المباشرة.
أما قطر، فتستمر في لعب دور الوسيط الدقيق في منطقة تعج بالصراعات، محاولة الموازنة بين أطراف متناقضة. فهي تستضيف قيادات فلسطينية وتدعم قطاع غزة، بينما تحتضن في الوقت نفسه أكبر قاعدة عسكرية أمريكية وتتعاون مع إيران في إدارة حقول الغاز المشتركة.
وتقف دول الخليج اليوم أمام مفترق طرق حرج، حيث تهدد الحرب بتعطيل الملاحة الجوية وإنتاج الغاز والنفط. هذه العوامل تضع المنطقة في حالة تشبه ظروف الحرب الفعلية، حتى وإن لم تشارك جيوش هذه الدول بشكل مباشر في العمليات القتالية الجارية.
ورغم أن الصناديق السيادية الضخمة قادرة على امتصاص جزء من الصدمات المالية، إلا أن انعدام الأمن يظل التحدي الأكبر. وتبرز تساؤلات جدية حول قدرة البنية التحتية، خاصة محطات تحلية المياه التي تستهلك طاقة هائلة، على الصمود في حال توسع أمد الصراع العسكري.
وفي الختام، يرى محللون أن الحرب كشفت عن ارتباط وثيق بين الأجندات الخليجية والسياسات الأمريكية والإسرائيلية في المنطقة. ومع انتهاء الأزمات الحالية، من المتوقع أن تظهر خريطة إقليمية جديدة مليئة بالتحديات الأمنية والمنافسات التي ستلقي بظلالها على سكان الشرق الأوسط لسنوات طويلة.
الثّلاثاء 10 مارس 2026 11:44 صباحًا -
بتوقيت القدس
أقل الكلام
عقب قيام القوات الأمريكية الخاصة بعمليتها "المعقّمة" في فنزويلا، واعتقالها الرئيس "مادورو" وزوجته من مخدعهما في القصر الرئاسي، تتسلط على ترمب حالةٌ يمكن تسميتها "متلازمة مادورو"، وهي إلحاحٌ نرجسيّ يتلبّس صاحب الذات المتضخمة بأن بإمكانه تكرار التجربة في جغرافيا مغايرة، وتحقيق نجاحاتٍ باهرة.
يقول حكيم: "إنك لا تستطيع السباحة في النهر نفسه مرتين"، فنجاح ترمب في "غزوة كاراكاس" لا يعني بالضرورة نجاحه في "غزوة طهران"، حيث "العمامة" تحكم وتتحكم في كل مفاصل الحياة في الدولة الثيوقراطية، ذلك أنّ تكرار التجربة على طريقة "تلفزيون الواقع"، التي يتقنها ترمب، إنما يتجاهل عمق الفوارق بين "المنتجع الرئاسي" و"ملعب الجولف" وبين "الحوزة العقائدية".
في حربه على إيران، لا يتوقف ترمب عن قول الشيء ونقيضه، فتارةً يدعو النظام إلى الاستسلام التام، وطوراً يجعل الباب موارباً مع "الإيجابيين" من النظام، دون أن يحدد لنا معيار الإيجابية التي هي مرادفٌ لـ"الاستسلام" في عقيدة الرجل الطامح لنيل نوبل للسلام، بينما لم يأتِ اختيار المرشد الجديد وفق "كتالوجه"، إذ تمّ اختياره دون استشارته.
في متاهة المتلازمة يجد ترمب نفسه قد وقع في فخ "غروره الاستراتيجي"، الذي مسّد عليه نتنياهو، وذهب يتلمظ اصطياد طرائده، مستفيداً من حالة الاستباحة لأجواء طهران، والهشاشة في بنية النظام.
في محاولةٍ للنزول عن الشجرة العالية التي أخذ العالمَ معه إليها، أطلق ترمب أمس تصريحاتٍ تشبهه في تقلّبه، أعلن فيها أن حربه تشارف على نهايتها بعد أن تمكّن من تحقيق الكثير من أهدافها.

الثّلاثاء 10 مارس 2026 11:43 صباحًا -
بتوقيت القدس
في فلسطين وفي ذكرى يوم المرأة العالمي اقيمت أول جمهورية فلسطينية مستقلة رئيستها امرأة اسمها مالكة ابو عكر ام نضال، دولة أقيمت في مخيم الدهيشة للاجئين تطل على القدس وتزحف على الرصيف إلى البحر وحيفا والجليل والنقب و الى أبعد نقطة دم في الذاكرة.
لأول مرة في التاريخ الفلسطيني المعاصر تقام دولة بين الموت والحياة، وتبني سرديتها على حافة الانتظار.
في المخيم لا تُقاس السيادة بالحدود، بل بالثبات، والقدرة على أن يبقى حبل الولادة مشدودا إلى أقصى حدود بالمكان، ولا يكتب الدستور بالحبر، بل بالصبر والامل والارادة والأغنية والحب.
كانت مالكة أبو عكر، أم نضال، ابنة قرية رأس أبو عمار المهجَّرة، تحمل قريتها في قلبها كما تحمل الأم طفلها الأول: خوفًا عليه، وإصرارًا على أن يكبر رغم الخراب والجريمة والابادة المستمرة، خرجت في عام النكبة لا لتغادر المكان فقط، بل لتدخل امتحان الزمن، ومنذ تلك اللحظة لم تكن لاجئةً بالمعنى المكتوب به في بطاقة المؤن، بل صارت ذاكرةً تمشي على قدمين، وشاهدةً على اقتلاعٍ لم يقتلع جذورها.
سيجل التاريخ ان الشعب الفلسطيني أقام دولته الحرة في قلب امراة، ومن ضلوع النساء، وكانت هي الام والارض، الوعي والهوية، العابرة لكل الحدود من النكبة حتى آخر حجر يقذفه طفل في وجه دبابة.
لم يحدث أن تحول مخيم إلى دولة بحجم الكرة الارضية، من الخيمة وبابور الكاز إلى انتفاضات، ومن حارات الفقراء والمنكوبين: حارة الزكاروة، وحارة الراسية وحارة الجعافرة، وحارةالجراشية، وحارة العطابنة، وحارة الولجية، ومن البقجة الى الكوفية، ومن الجامع إلى الكنيسة، ومن الحجر إلى البندقية إلى فضاء للثورة والعودة والحرية.
جمهورية مخيم الدهيشة اكبر من جغرافيا المعازل والكانتونات الضيقة، واكبر من لغة التنازل عن المكان والزمان، جمهورية رئيستها امرأة ترى ابعد من المستوطنات والحواجز العسكرية والتهويد والعبرنة وأساطير التوراة، هكذا قال ضباط المخابرات الصهاينة عندما اقتحموا بيت مالكة ابو عكر وقراوا مواقع فلسطين على ثوبها الفلاحي ومساحة الخريطة.
في مخيم الدهيشة لم يكن بيتها جدرانًا من إسمنت، بل من حكايات متراكمة، بيتها خيمة تحولت إلى جدار، وجدارا تحول إلى قلعة صمود داهمه الجنود مئات المرات، غير أن المداهمة كانت تصطدم بشيء لا يُرى: امرأة تعرف أن الكرامة لا تُصادَر. كانت تقف أمام البنادق بثبات، أمٍّ تعرف أن الخوف إذا انكسر مرةً لن يعود سيدًا، في عينيها كان سؤال أخلاقي يربك المحتل: من يملك الأرض؟ من يسكنها بالقوة أم من يسكنها بالحق؟ امرأة تنثر البطولة على لحم الاسفلت، وتنثر الاسفلت في لحم القصيدة كل مساء.
أمّ شهيد وأمّ أسرى وجرحى، لكنها كانت أمًّا لفكرة أكبر: أن الحرية تربية وثقافة ومواقف قبل أن تكون شعارًا. لم تكن تعدّ أبناءها بالأرقام، بل بالقيم والشجاعة والاقدام، كانت تُشيّع الشهيد كما تُزفّ الحياة، وتستقبل الأسير كما يُستقبل العائد من امتحان الصمود والكرامة، بيتها كان مدرسةً وطنية، والمخيم في ظلها صار جمهوريةً أخلاقية، دستورها الصبر، وعَلَمها الشهداء، ونشيدها أسماء الغائبين الحاضرين.
كل الذين لاحقهم الاحتلال لم يجدوا مكانا آمنا الا في جمهورية مالكة ابو عكر، البعثيون واليساريون والاسلاميون والقوميون، الباحثون والقادة والسياسيون والمتضامنون والصحفيون والشعراء والفنانون، ومن أراد أن يتعرف على الشعب الفلسطيني ونضاله التحرري والوطني جاءوا إلى جمهورية مخيم الدهيشة، والتقوا مع رئيستها مالكة ابو عكر، وهناك كتبوا وشاهدوا، أكلوا خبز الطابون وغمسوا دمهم بالزيت والدم والحبر واشتعلوا في أرجاء الكون.
في يوم المرأة نزور أم نضال، وهناك في بيتها طبقات من القيم والمفاهيم والايمان ما يغنيك عن الدنيا والاخرة، يعلمك كيف تفتح شباكا في زنزانة، ويعلمك كيف ينفجر النبع من جسد مليئ بالشظايا، ومن دخل بيتها دخل الى بيت الذاكرة، بيت الوحدة الوطنية، رموز واحلام وآلاف من الورود الحمراء على قبور الشهداء والعشاق، رموز الميلاد والموت، التاريخ والرواية، السماء والارض، اسماء الامكنة والنساء، الحضور والغياب والنبوءات الكثيرة، أنه جيش جمهورية مالكة ابو عكر المستقلة في مخيم الدهيشة.
في هذه الدولة الواسعة إذا غاب الرجال في السجون أو المقابر تسمع مالكة تقول: نحن هنا، ما زلنا نلد الحياة في وجه الموت، وإذا كان الاستعمار يقوم على محو الانسان فإننا نقوم على إعادة خلقه كل يوم، في البيت والمدرسة، في المظاهرة والعرس والجنازة. أنها الام التي تنجب الحياة في زمن يصنع فيه الموت.
الرئيسة مالكة حين ترفع صوتها لا تتكلم امرأة واحدة، بل تتكلم اجيال من الأمهات اللواتي حملن حكاية الوطن في صدورهن، أنها وطن في امرأة عنيدة، ترفض المساومة أو النسيان.
لم تكن “رئيسة جمهورية مخيم الدهيشة المستقلة” مجازًا بل معنى، لم تنتخبها صناديق اقتراع، بل انتخبها وجدان الناس والفقراء والجوعى، الشهداء والاسرى والاسيرات، كانت تمثل المرأة الفلسطينية في صفائها وقوتها وصلابتها؛ المرأة التي تجمع بين الحنان والمواجهة، بين الدمع والكبرياء. في شخصها تشكّلت رمزيًا حكومة المخيم:
هي الرئاسة حين يضيق الأفق،
وهي البرلمان حين تتكلم الحقيقة،
وهي القضاء حين تنطق العدالة باسم المظلومين.
وهي قوة الضعيف في وجه الاقوياء،
هي دبلوماسية المخيم أيضًا، صوتًا يتجاوز الأزقة الضيقة ليصل إلى العالم، تقول: إن شعبًا يريد الحرية لا يمكن أن يُختصر في خبر عاجل أو صورة عابرة أو ظلال، كانت تُعرّف العالم على المخيم لا كمساحة بؤس، بل كمساحة كرامة، وان الضحية خرجت من مجزرة إلى مجزرة إلى مقاتلة، وهكذا تحوّلت سيرتها إلى بيان سياسي صامت، والشوارع إلى اشتباكات يومية، الاحتلال قد يملك القوة، لكنه لا يملك الشرعية، وأن المرأة الفلسطينية ليست ظلًّا للرجل، بل شريكة في صياغة التاريخ.
منذ عام النكسة لم يستطع المحتل احتلال جمهورية مخيم الدهيشة، هنا ام نضال، هنا التعددية الفكرية والسياسية، هنا ديمقراطية المقاومة والتضحية، هنا من اسقط السياج والشعارات الكاذبة، هنا من تحدى الجرافة والاتفاقيات البائسة، هنا الحياة شهية بين الرصاص وقنابل الغاز، هنا صرخة المعذبين الذين رفضوا الخضوع والعبودية.
جسّدت الرئيسة حقيقة أن الإنسان قد يُحاصر في الجغرافيا، لكنه يبقى حرًا في المعنى، وأن اللجوء ليس فقدان مكان، بل اختبار هوية، كانت تعرف أن المخيم ليس انتظارًا طويلًا، بل تمرينًا يوميًا على الاستقلال الداخلي، لذلك عاشت كل مناسبة وطنية كأنها إعلان سيادة، وكل مواجهة كأنها استفتاء على حق العودة.
من يعرف ام نضال تخرج منه الذكريات دفعة واحدة، كأن هذه المرأة الرابضة على جبل في المخيم تحيي فيك عصورا ضائعة، وحينما تناديها يا امي وتعانقها، تشعر انك تقطع المسافة بين الانتظار والانفجار، وبين الشمس والعاصفة، وان في روحها معجزة.
مالكة ابو عكر ام نضال رئيسة جمهورية مخيم الدهيشة المستقلة، لو رمت حجرا لتحرك البحر المتوسط وخرج اللاجئون من القيعان وفاضوا صارخين، ولو حدثتك كيف ينمو الطفل على حليب وكالة الغوث وعلب السردين، لادركت كيف يصير الدم فلسطينيا في عروق فدائيين ظلوا واقفين على حد السكين.
من هذه المرأة التي تتسلل في منع التجوال وتحرس المقاومين؟ تحمل الخبز والمنشورات والتعليمات والإشارات خلال الاجتياحات، من هذه المرأة التي تحمي اولاد ناجي العلي وغسان كنفاني ومروان البرغوثي وأحمد سعدات وخالد الصيفي، وبنات واخوات فاطمة الجعفري وعائشة عبيد وليلى خالد ودلال المغربي و يسرى البربري وكريمة عبود وزكية شموط وربيحة ذياب في الساحة؟
امرأة كلما زارت اولادها في السجن تقول: اليوم الفاصل بين الايام الماضية في السجن، وبين الايام الباقية هو يوم حرية.
اذا دخلت مخيم الدهيشة انتبه الى الشهيد محمد العجيب، ابنها الذي مزق جسده الرصاص، كان يدرك أنه لن يموت لانه كان يريد أن يموت، الان تراه في رفح وجنين و طولكرم ونابلس والخليل، وانتبه كيف التحم الجسد بالنشيد، وانتبه أن مالكة ابو عكر رقصت في الجنازة حتى مطلع الفجر، أنه مشروع حرية في كتاب يقول: لا خيار، النصر أو القبر.
حين رحلت، لم تترك فراغًا بل تركت معيارًا. تركت إرثًا يُقاس به معنى المرأة الفلسطينية: قوةٌ لا تصرخ إلا لتقول الحق، وصبرٌ لا ينحني إلا لله، وصوتُ شعبٍ يريد الحرية وتحطيم القيود مهما طال الطريق.
رحلت الرئيسة مالكة في زمن الإبادة والوحشية، عيناها حتى آخر نظرة ظلت على غزة، وفي صوتها خطى أجيال قادمة.
في سجلّ المخيم غير المكتوب سيبقى اسمها:
رئيسة جمهورية الدهيشة المستقلة،
جمهورية الصابرين،
حيث الحكومة ضمير،
والدبلوماسية موقف،
والحرية وعدٌ لا يموت.
الثّلاثاء 10 مارس 2026 11:43 صباحًا -
بتوقيت القدس
ان فعل (المجيء) الأمريكي العسكري الشمولي، العنيف إلى المنطقة، لا يستهدف إيران فحسب، وإنما إخضاع كل الإقليم المعروف في لغة الغرب بالشرق الأوسط للهيمنة والنفوذ الأمريكي/ الاسرائيلي المطلق، ليس ذلك فقط، إنما يأتي هذا الغزو التدميري للحضارة والأمة والدولة في إيران محمولا ليس على البوارج والطائرات، وإنما على ثقافة استشراقية، استعلائية، عنصرية بيضاء، تستهدف استدخال هزيمة تاريخية في العقل العربي/ الإسلامي من خلال إتاحة الفرصة المطلقة لحالة الاستعمار الاسرائيلي للتوسع والنفوذ في مختلف دول الإقليم بغطاء استشراقي يقوم على تفكيك الإقليم على أسس مذهبية وطائفية وعرقية وقبلية.
ان هذه الحرب المنفلتة من كل الأخلاق الإنسانية، وما سوف ينجم ويترتب عليها إنما هي حلقة أخرى في سياق الحرب الغربية الممتدة / الأمريكية تجاه هذا الشرق منذ قرون مضت لإفناء وتطويع الحضارتين العربية والايرانية، ولاحقا سوف تصبح الحضارة والقومية التركية في مرمى الاستهداف العنيف.
استهدفت إيران منذ مطلع ثمانينيات القرن الماضي عندما قرر الشعب الإيراني الخروج من دائرة الهيمنة الاسرائيلية/ الأمريكية إلى حرب ممتدة محكمة وشاملة لإزهاق الروح الإيرانية (الشماء) وكسر إيران كحالة سياسية، حضارية لإخضاعها وموضعتها ضمن دائرة النفوذ الأمريكية الصهيونية وللإجهاز بشكل مطلق على أواصر التقارب التاريخي والثقافي والجغرافي مع شقيقتها العربية وتحويل إيران إلى حالة العدو الفارسي/ المذهبي للقومية العربية.
سقط في هذه الحرب الممتدة من سقط من النظم السياسية ونجت الشعوب العربية من هذه الاسطورة الاستشراقية الملفقة رغم استخدام الكثير من الأذرع الطائفية والمنصات الإعلامية والقدرات المالية والأمنية وقوى التدين الانزوائية الانعزالية، التي اتخذت المذهبية أيدولوجية لها في الاصطفاف ضد إيران: حضارة وأمة ودولة عتيقة عريقة.
ان السؤال البديهي المتعلق بدفع الثمن جراء ما هو معروف و معلن عنه لدى التحالف الثنائي في أمريكيا وإسرائيل، ولدى بعض الأطراف الوظيفية العربية ( بالضرية القاضية ) هي الامة العربية جمعاء اولا، والعالم الإسلامي ثانيا والسلام والأمن الدولي ثالثا، وبالتالي فالعالم لن يكون كما كان قبل الحرب على إيران ولن يستتب الامن في الإقليم العربي ولن ينعم أحد بالسلام والأمن كما يعتقد ذوي الحسابات الصغيرة.
ويبدو أن العقل الاستشرقي الغربي (الصهيو/أمريكي) لا يفهم البعد الحضاري والأخلاق الإنسانية عندما باشر هذه الحرب لإخضاع الحالة الإيرانية والإجهاز عليها وإلحاقها في الركب الذي يستهوي الخضوع والاستنقاع في وحل الاستسلام لقوى النهب والاستغلال والغزو الاستعماري/ الامبريالي، وما الادعاء المكذباني بتدمير المشروع الإيراني التكنولوجي للطاقة النووية إلا ستار فاضح لجوهر المشروع الاستعماري في المنطقة العربية والفضاء الإسلامي.
إن هذا الشرق هو شرقنا وهذه الحضارة هي حضارتنا، وهذه الجغرافيا هي لنا، وهذه الأمة الإيرانية هي أمتنا، وهذا الخليج العربي هو خليجنا، ومكانة إيران هي مكانتنا، وهذه المضائق والممرات والقنوات المائية هي خاصتنا، والقاهرة ودمشق والرياض والقدس وطهران هي عواصمنا، وروح إيران هي روحنا والمستقبل هو حليفنا مهما استعظمت القوى التي جاءت لقهرنا وتدمير هذه الحضارات..
وبمنطق صراع الحضارات في امريكا وفق نظرية (صومئيل هنتنغتون)، فإن الحضارات لا تنهزم ولا تقبل ولا تنوي الخضوع لمنطق شريعة الغاب، إنما تميل الحضارات إلى الحوار والاحترام والتعاون المتبادل، وهذه لحظة تاريخية يمكن الارتقاء من خلالها نحو البصيرة اذا أدرك النظام العربي خطورة نظرية التحالف مع القوى الظلامية المتغطرسة التي بالتأكيد لا تريد خيرا لأي دولة أو شعب عربي أو ايراني أو تركي.
أخيراً:
نحن الفسطينيون لا ننتظر اتجاه الرياح في هذه الحرب، فنحن بالدرجة الأولى من بين العرب والعجم في اتخاذ الموقف من حيث المبدأ ومن حيث المقدمات ومن حيث الوقائع على تراب بلادنا ومن حيث القيم الأخلاقية والقومية.
السلام على إيران وعلى الوطن العربي.
الثّلاثاء 10 مارس 2026 11:42 صباحًا -
بتوقيت القدس
بدأت مشواري التواصليّ مع أسرانا الأحرار رغم عتمة السجون في شهر حزيران 2019 (مبادرة شخصيّة تطوعيّة، بعيداً عن أيّ أنجزة و/ أو مؤسسّة)؛ ودوّنت على صفحتي انطباعاتي الأوليّة بعد كلّ زيارة؛
أصدرت كتاباً بعنوان "زهرات في قلب الجحيم" (دار الرعاة للدراسات والنشر وجسور ثقافيّة للنشر والتوزيع) وتناولت تجربتي مع الأسيرات حتى أواخر شهر آذار 2024، حين تمّ منعي من الزيارات، وتم لاحقاً إبطال المنع بعد اللجوء إلى القضاء.
عدت من حفل إشعار كتابي "احتمالات بيضاء" في معرض الكتاب الدولي بعمان لأواكب حرائر الدامون المنسيّات خلف القضبان وأصغي لأحلامهن بالحريّة، وأدوّن بعضاً من آلامهن ومعاناتهن.
أتصل من بوابة الدامون مباشرة بأهالي من تم قمعهن والاعتداء عليهن، وبعدها بأهالي من التقيتهنّ، وأوصل بعدها رسائل باقي الأسيرات؛
حاولت إيصال تلك الأوجاع والصرخات لكلّ حدب وصوب عبر "التحالف الأوروبي لمناصرة أسرى فلسطين"، وعبر الإعلام خارج الوطن، بعيداً عن الشجب والاستنكار وتحميل المسؤولية المؤسّساتي المقيت، وهذا أضعف الإيمان؛
وزادت قناعتي أن صمتنا عارُنا.
عقّبت الأديبة زهرة محمد من الشتات: " يا قلبي عليها... الله يكون معها ومع كل أسرانا، ويفرجها عليهم على عجل، يا قادر يا كريم .... شكراً لك من القلب أستاذ... وأنت الأمين، والشاهد الصادق على معاناة أسرانا الفرسان... وما بدلت تبديلا".
وعقّب المحامي عبد القادر أبو فنة: "الحرية لكل الأسرى والأسيرات. ولك كل الاحترام والتقدير لزيارتهم ونشر قصصهم الشخصية، معاناتهم والمعاملة القاسية من قبل سلطات الاحتلال".
وعقبت إيناس العجوري: "لا حول ولا قوة الا بالله. الله يفك كربك ويعلي مقامك وتنزلي بسلمه يعطيك صحة أستاذي الفاضل يا ريت كل المحامين بعاطفتك وإنسانيتك أنا وولادي تلاته أسرى للأسف محامين الحرب من أسوأ ما يكون حسبيا الله ونعم الوكيل فوضنا أمرنا لله".
وعقّبت الأسيرة المحرّرة سهام أبو عياش: "فرح يا حبيبتي فرح يا خالة ليل نهار بدعيلك فرح ربنا يفرجها. أستاذ حسن حاول ما تغيب ولا يوم عن الدامون الأسيرات بيكونوا يستنوا فيك ربنا يعطيك الصحة والعافية وطولة العمر".
وعقّب الصديق الشاعر صلاح أبو لاوي: "أنت تفي بوعودك وتفعل ما لم يفعله أحد قبلك من أجل الأسرى. الحرية لأسيراتنا وأسرانا".
وعقّب الصديق المقدسيّ محمد شاهين: "كل الاحترام والتقدير لكم استاذ حسن على ما تبذلونه من مجهود وعلى وقتكم الذي تكرسونه في خدمة قضية الأسرى والأسيرات، فأنتم نافذتهم إلى الحرية، وإذ تبعثون فيهم الأمل بأن الليل لا بد زائل وبأن فجر الحرية آت لا محالة. كنتم وما زلتم من النقاط المضيئة لهم في عتمة السجن والزنزانة وزمن التيه والنسيان لفرسان وفارسات حريتنا. دمتم بكل ود استاذنا الكريم".
"المسكوبية، فيلم رعب"
زرت صباح الأحد 16 تشرين الثاني 2025 سجن الدامون في أعالي الكرمل السليب، وصلت غرفة المحامين فاستقبلتني الأسيرة فرح أحمد أبو عياش (مواليد 14.09.2000، من بيت أمر/ الخليل، رهن الاعتقال منذ 05.08.2025) وقبل التحيّة بادرت قائلة: "السوهريّة (السجّانين) قالوا إنّا كلّنا مروّحات. في منّه هالحكي؟!؟!"
أوصلتها بداية سلامات أختها صابرين والعائلة وأنّ أحمد خطب، ولين وصاحباتها، وخالتها سهام.
فرح بغرفة 4؛ برفقة ميسون مشارقة (خلّي زوجي يجيب زينه ويحيى ع المحكمة، ويحيى يفوت لأني مشتاقة أشوفه)، سامية جواعدة، إباء الأغبر، لين مسك، فاطمة جسراوي ونادين الدغامين (7 صبايا بالغرفة، 6 أبراش وأسيرة بتنام ع الأرض).
درست فرح إعلام بجامعة الخليل، تشتغل في وكالة تسنيم الدولية للأنباء.
مرّيت بشغلات كثير بِشعة؛ (الاعتقال ع الطناش بنص الليل، جنود كثار ومجنّدتين، كثير جيبات وبوز النمر، ما توقّعت أنّي المستهدفة لمّا فاتوا ع الحارة، أخذوني لكرمي تسور، ربطوني على كرسي برّا، حدّ ماسورة بتنقّط ميّة وسخة عليّ، المجنّدات شدّوا البلاستيك الأبيض على إيدي لدرجة أنّ الشريان نفخ، وبوجّع كثير، إجى ضابط مع كمّاشة ودخّلها بإيدي وقطع البلاستيك. خلّوني بنفس المكان لثاني يوم ع التسعة الصبح، وكانت كلاب تنهش بالبنطلون.
أخذوني بعدها لعتصيون، غرفة مع علب كهرباء، وبعدها ع الاستجواب. حاولوا كل الوقت تحييد كوني صحافية. أجبروني أعطيهم باسوورد التليفون. ما عندي شي أخبّيه. شغلي بشفافيّة مطلقة. تقاريري اجتماعية بغالبيّتها.
أخذوني ع المسكوبية، فيلم رعب، دخّلوني دفش، أخذوا منّي الشال، كلبشات بالإيدين والرجلين ومدمّجة، وفوقها جنزير ثقيل على كتافي. النحشون ضربوني. مسكتني مجنّدة من شعري وخبطت راسي الحيط، "بوسي علم إسرائيل" ورفضت. بدأت تضربني وتخبّط بيّ بإجريها. كنت مريضة وبعد 3 أيام أخذوني. السوهيرت (السجّانة) مسكتني من راسي وضربتني كف. قدّمت شكوى ضدها. أخذوني للرملة، غرفة مهجورة وطفوا الضو، صرّخت. أخذوني ع زنزانة تحت الأرض، كلّها صراصير وحشرات وبقّ، بتخوّف، وفئران، وسخة جداً جداً، مسبّات كل الوقت وتهديدات. عيّطت كل الليل. كلّ جسمي ووجهي صراصير. علاماتها لليوم (بكاء ونحاب مرير).
رجّعوني عالمسكوبية؛ أغمي عليّ عدّة مرّات. مكيّف بارد جداً جداً. كل سفر البوسطة سيئ جداً ومرعب.
بعد 55 يوم أخذوني ع الدامون.
عتبانة على الزملاء الصحافيّين. ما عملوا ضجّة إعلاميّة وضغط لترويحي. الاعتقال على خلفية عملي الصحافي. الأمانة توصّل صوتي لكلّ صحافي حرّ. (وعدتها باطلاق حملة دولية عبرَ التحالف الأوروبي لمناصرة أسرى فلسطين من أجل إطلاق سراحها)
طلبت إيصال رسائل لأهلها؛ لأمها (كثير مشتاقة وبحكي للبنات عن المعمول يلّي بتعمليه، وأكثر موقف بيحي براسي لمّا كنت تكتبي لي القصائد وأقرأهن على الإذاعة وتطلعي ع الحيط وتسمعيني. إعزمي خطيبة أحمد على مقلوبة واحكيلها "هاي العزومة من فرح". إحكي لخواتي كلهن أنه بفجر 07.12 يصلوّا قيام الليل ويدعوا لي لأنّه صباحيّة المحكمة).
أبو صالح روح الروح؛ (ألف مبروك وما تعمل العرس بدوني وكثير انبسطتلّك. مسامحيتك قبل ما أعرف من دار مين العروس. دير بالك على شام).
صابرين؛ (توأمي، أكثر حدا بشتاقلو وأكثر جدا بفكّر فيه بالسجن وأنّي ما بشوفها، بكاء مرير، نفسي أطلع ع شان أشوفها لأنها أكثر حدا بفهمني. ديري بالك على ناية وإيلين).
أماني؛ أمّي الثانية. بحسّ بكل صلاة بتدعيلي. من أول ما دخلت السجن ليلة ليلة بتيجيني بالحلم وبتحضنيني. ظلّي إحكي لمحمد وياسمين ع شان ما ينسوني).
سلمي لي ع كل خوالي وعمامي وستّي فيروز حبيبة قلبي.
أبوي؛ (90 يوم بالمحاكم من بداية اعتقالي كنت بستنّى بكل جلسة ع شان أشوفك، بس ولا محكمة جيت، وهذا اشي كان كثير سيئ على نفسيّتي، بس رايحة التمس لك أعذار. بحبّك وادعيلي.)
سلامي للين وجمانة، مشتاقة لهن كثير ويستنوني. لين تسلّم على خالتو أمل.
وحين افترقنا قالت بعفويّة: "شو اسم خطيبة أحمد؟ من دار مين؟ ومين راح ع قراية الفاتحة؟ وينتا العرس؟ استنوني".
لك عزيزتي فرح أحلى التحيّات، والحريّة لك ولجميع حرائر الدامون.
الدامون/ حيفا تشرين الثاني 2025
الثّلاثاء 10 مارس 2026 11:41 صباحًا -
بتوقيت القدس
بانتخاب "مجتبى" ابن المرشد السابق مرشدا حاليا، تكون إيران قد قررت أن تذهب في مشوار التحدي العالمي والإقليمي إلى نهايته، بالمعنى الدارج انها "ركبت رأسها"، بعد أن كان طلب ترمب الوحيد في هذا الموضوع "المرشد الجديد" بأن لا يكون "مجتبى"، فلم يكن إلا مجتبى.
هوالابن الثاني للمرشد الشهيد، ما ينفي بشكل ما موضوع التوريث الذي يكون عادة للابن البكر. يبلغ من العمر ست وخمسين سنة، ويجد نفسه في خضم متشابك معقد من التحديات، أهمها من الوجهة الواقعية، ان يبقى حياً، أن لا تتمكن منه أمريكا وإسرائيل اللتان هددتا بقتله علنا وبوضوح لا لبس فيه، كما نجحتا في قتل أبيه وأمه قبل عشرة أيام، أو لربما اعتقاله، كما فعلت أمريكا برئيس فنزويلا وزوجته قبل نحو ثلاثة أشهر، فإذا ما نجح في النجاة من القتل اوالخطف، حينها فقط يمكننا الانتقال إلى بقية التحديات.
واذا كان التحدي الأول يتعلق بظرف آني بسيط ومحدد، حتى حين التمكن منه، فإن التحدي الثاني معقد وصعب وبعيد الأمد، هو المتعلق بإدارة الدولة في ظل الحرب، مع نحو عشر جبهات، بعيدة وقريبة، عدوة وصديقة، الانتصار الصعب، او على الأقل تجنب الانكسار والهزيمة والراية البيضاء، كيف يبقى ممسكا على خيوط الدولة في ظل التعارض والتناقض بين إصلاحييها وبين تشدده الديني المحافظ.
تقول التقارير المختلفة، إن أباه بعد أن أصبح مرشدا قد اقترب كثيرا من العسكر "الحرس الثوري" على حساب الدين والحوزة والحسينية، فهل يقف التحدي في وجه المرشد الجديد عند هذا الحد الذي لم يكن كافيا على الإطلاق لمنع المظاهرات التي خرجت في الشوارع أكثر من مرة والمتعلقة بلقمة العيش الكريمة وارتفاع الأسعار والبطالة والتضخم وحرية الرأي وحجاب المرأة والسماح لها بمشاهدة كرة القدم..... الخ.
اذا كان أبوه قد ذهب إلى العسكر على حساب الدين والطائفة، فعليه كي ينجح في التحدي الكبير ان يذهب إلى الناس والجماهير على حساب التشدد الديني، لا ينفع تقديس الحياة نظريا وانت تهدد صبح مساء بسحقها، لا ينفع أن الأطفال أحباب الله وانت تستهدفهم بمجرد انهم أطفال عدوك، لا ينفع ان تقول ان المرأة حرة، واسمها، مجرد اسمها عورة، كيف تكون حرة، وهي لا تستطيع اختيار لبسها. ومهما يكن من شيء، فإن اختيار هذا القائد صاحب المبادئ، كما كان والده، لردح طويل من الزمن، قد يمتد لعقود قادمة، أثمن وأعظم بكثير من قادة أهواء وأمزجة يتحكمون في العالم وشعوبه وقوانينه على نحو لم نره من قبل.
الثّلاثاء 10 مارس 2026 11:40 صباحًا -
بتوقيت القدس
تحاول الدول التي تضطرّ إلى دخول حربٍ ما اغتيال كبار قادة العدوّ في محاولة للوصول إلى انتصار سريع، من خلال دفع الطرف الآخر إلى الاستسلام بعد مقتل زعمائه. ولكن هذه الاستراتيجية أثبتت، في الشرق الأوسط، أنها خيار كارثي، وكما اعترف رؤساء أميركيون سابقاً، قد يسفر عنها قيام زعامة أكثر تطرّفاً وعداءً. واغتيال زعيم دولة معادية قد يمنح دفعةً سريعةً من الشعبية للقائد الذي يسحق خصومه. وبالفعل، يستمتع ترامب ونتنياهو بتحسّن طفيف في بريق "نجاحهما" المزعوم في اغتيال المرشد الإيراني علي خامنئي. لكنّ قتل رجل يبلغ 86 عاماً، وهو زعيم روحي لثاني أكبر طائفة بين مسلمي العالم (الشيعة)، ليس بالأمر الهيّن، رغم استعراض القوة النارية والاستخباراتية الهائلة التي تمتلكها الولايات المتحدة وإسرائيل معاً. والأهم أن التخلّص من زعيم ما لا يعني بالضرورة أن مَن سيخلفه أو النظام الذي سيتشكل بعده سيراعي المصالح الإسرائيلية والأميركية. ذلك لأن اغتيالات القيادات لا تؤدّي إلى حلول سلمية في الشرق الأوسط، بل قد تفتح الباب أمام خلفاء أكثر تطرّفاً، أو تقود إلى فوضى تُفضي إلى العنف والاضطرابات.
تُظهر نظرةً سريعةً على التاريخ الحديث أن محاولات إسرائيل والولايات المتحدة اغتيال القيادات في مختلف صراعات المنطقة كانت نتائجها كارثية
تُظهر نظرةً سريعةً على التاريخ الحديث أن محاولات إسرائيل والولايات المتحدة اغتيال القيادات في مختلف صراعات المنطقة كانت نتائجها كارثية. ففي حالة العراق، ألقت القوات الأميركية القبض على صدّام حسين وسلّمته إلى القوات العراقية المتحالفة معها التي أعدمته. وعلى الرغم من أنه أنهى نظاماً كان معادياً لإسرائيل علناً، إلا أنه فتح الباب أمام القوى الموالية لإيران للاستيلاء على السلطة. ونتيجة ذلك، شكّل العراق خلال العقدَين التاليَّين منطلقاً لاستراتيجية إيران الإقليمية بالوكالة، ما مكّنها من بناء شبكة قوية من الجهات الفاعلة التي هدّدت المصالح الأميركية والإسرائيلية. كما أدّى الفراغ الأمني الذي خلّفه الغزو الأميركي إلى اندلاع حركات تمرّد مختلفة، كان أشدّها فتكاً صعود تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) الذي اجتاح المنطقة متسبّباً في مقتل آلاف الأبرياء، ومُطلقاً موجة لجوء هائلة نحو أوروبا.
ومن الأمثلة الأخرى حركة حماس. فمنذ مطلع الألفية الثالثة، حاولت إسرائيل مراراً اغتيال قادتها. وفي 2004، نجحت في اغتيال مؤسّسها الشيخ أحمد ياسين، ثم خلَفه عبد العزيز الرنتيسي. وبعد سلسلة من الاغتيالات، وصل يحيى السنوار إلى رئاسة الحركة في غزّة، وشرع في التخطيط لـ"7 أكتوبر" (2023). ورغم أن سنوات الحرب والقتل الجماعي للقيادات ألحقت دماراً بالجماعات المسلّحة، إلا أن إسرائيل فشلت في القضاء على الفكرة التي تقوم عليها، وهي مقاومة الاحتلال، وقد يكون الهدوء الحالي مجرّد "هدوء يسبق العاصفة". ولحزب الله تاريخ مشابه؛ فقد تولّى زعيمه الراحل حسن نصر الله القيادة بعد اغتيال إسرائيل سلفه عبّاس الموسوي، ليقود توسّع الحركة وتعاظم قوتها. وفي ليبيا، أدّى قتل معمّر القذّافي إلى انقسام وفوضى جعلا البلاد بيئةً خصبة للتطرّف.
وفي حالة إيران، من المستبعَد أن يكون خليفة خامنئي منفتحاً على المفاوضات مثله؛ إذ أشارت تصريحات الوسطاء العُمانيين خلال محادثات مسقط وجنيف إلى تنازلات كبيرة بشأن الملف النووي كان خامنئي مستعدّاً لتقديمها، ومن غير المرجّح أن يحظى خليفته بالمساحة السياسية الكافية ليحذو حذوه. وإذا واصلت إسرائيل والولايات المتحدة حملتهما لإسقاط الدولة في إيران، فإن الفراغ الأمني الناتج سيؤدّي إلى عواقب وخيمة على حلفاء واشنطن في المنطقة وأوروبا.
وهذا يثير تساؤلاً مهماً: ماذا جنت إسرائيل والولايات المتحدة من استراتيجية "إسقاط القيادة" في إيران؟ خصوصاً أن النظام لم ينهَر، ومن المشكوك فيه أن يستسلم. بالنسبة إلى نتنياهو، يُعدّ الاغتيال نجاحاً باهراً في مواجهة انتخابات مصيرية قد تعني نهاية حياته السياسية أو سجنه. لذا، فإن المكاسب الانتخابية قصيرة الأجل تستحق العناء في نظره، فالقادة الإسرائيليون لا يفكّرون كثيراً في التخطيط بعيد المدى ما دام المجتمع الإسرائيلي يؤيّد هذه المغامرات بشدّة.
يتباهى ترامب بقتل زعيم دولة بعيدة أمام جمهور أميركي لا يرغب في الحروب
لكن بالنسبة إلى ترامب المكاسب ليست واضحة؛ فهو يتباهى بقتل زعيم مريض لدولة بعيدة أمام جمهور أميركي لا يرغب في الحروب. وفي ظلّ أزمة غلاء المعيشة، فإن إضاعة مليارات الدولارات لخوض حرب ضدّ دولة لم تشكّل تهديداً مباشراً يُعدّ استنزافاً يصفه الأميركيون بشكل متزايد بأنه "حرب إسرائيل". كما يُتوقَّع أن يعاني الاقتصاد العالمي من ارتفاع أسعار النفط بسبب الإغلاق العملي لمضيق هرمز، ما سيضرّ بالحزب الجمهوري في الانتخابات النصفية المقبلة.
ومن الواضح أنه بدلاً من استعراض القوة، يخاطر ترامب بإظهار الضعف، ويبحث الآن عن طريق للخروج من المأزق الذي خلقه لنفسه بعد وقوعه في "الفخّ الإسرائيلي"، إذ يُنظر إليه رئيساً خُدع لشنّ حرب مكلفة لضمان البقاء السياسي لرئيس وزراء دولة أجنبية.
أصبح جليّاً أن الرئيس الأميركي سيستنزف المخزون العسكري، وسيكون أمام قرار صعب بشأن نشر قوات برّية في حرب لم يحصل فيها على موافقة الكونغرس أو الشعب، لأنها سُوّقت "عملية عسكرية" لا حرباً شاملة. ومن المتوقّع أن يضطرّ في النهاية إلى إنهاء القصف وسحب القوات، مخلّفاً وراءه كارثةً سيتحمّل حلفاء واشنطن في المنطقة وطأتها، وستتضرّر التحالفات الإقليمية، ويُفتح الباب أمام تساؤلات الرأي العام المحلي. ستكون هذه مغامرة عسكرية أخرى تُكلّف دافعي الضرائب أموالاً طائلة وأرواحاً ونفوذاً من دون أيّ عائد، على أمل أن تُدرك واشنطن أخيراً أن استراتيجية "قطع الرؤوس" لا تُجدي نفعاً.
عن العربي الجديد
الثّلاثاء 10 مارس 2026 11:39 صباحًا -
بتوقيت القدس
البوقُ على شَفةِ النافخِ، فانتظروا الصَيْحَةَ!
سترَونَ الأهوالَ عَياناً،
حتى أنّ الأعمى سيرى كيف تطيرُ الصُحفُ،
ويلحظُ، بين لهاثِ الظُلْمةِ، أشكالَ البَرْقِ،
وكيفَ أعادوا أصحابَ الأخدودِ إلى الحَرْقِ،
وأنَّ اليومَ الموعودَ سيفتحُ أبوابَ الغيمِ
لكلّ مجرّاتِ الطَرْقِ،
وكيفَ يحطُّ النجمُ الثاقبُ فوقَ الفَوْقِ..
انتظروا ذَبْذَبةَ الرَّجَّةِ، حيثُ الظَهْرُ المكسورُ،
وأشلاءُ البلدِ المَسْجور،
وهبّاتُ الفوّارِ المنذورِ..
سيجأرُ قلبُ السَفْحِ، وينشقُّ الصخرُ،
ويرمي التنّورُ سيولَ الأنهارِ الموّارةِ
بِالوَحْلِ المسعورِ المصهورِ..
انتظروا..فإذا وقعَ المَسرى،
وأُقيمَ الوَهْمُ مقامَ الأرْزِ، فتلك نهاياتُ الدّيجور..
انتظروا..سيجيءُ دخانٌ يُعشي الكوكبَ،
ويسدُّ الآفاقَ، ويشتدُّ البَرْدُ..
العتمةُ سيّدةُ الأرضِ الخائفةِ،
وترجِعُ كلُّ هوامِ الأحجارِ إلى الشَّقِّ الباردِ،
وتكونُ الرّهبةُ قبلَ الصَعْقَةِ،
بين تضاعيفِ التلّاتِ المفزوعةِ..
أمّا الهَدَّةُ؛ فَخرابُ السَّدِّ الأعظمِ،
وغريقُ الأنهارِ الجامحِ،
حيثُ الينبوعُ الملهوفُ يحلُّ على الموجِ المدحورِ..
وجاءَ الزّبدُ الصُلْبُ لينطحَ آخرَ واحاتِ النَّخْلِ،
ولا مَن يجلسُ تحت الأعذاقِ،
فَقد سبَّخَتِ الأملاحُ الجَذْرَ المحرورَ..
ويبقى المشهدُ حيثُ الظمآنُ،
على الرَّمْلِ المذرورِ..
ولن يبقى شيءٌ من هذا الفعلِ "الماضي"،
شيءٌ سيحيلُ الدولَ إلى غبشٍ،
لن يذرَ ولن يُبقي زهراً أو غصناً،
سيفرّ الآباءُ من الأبناءِ،
وتنكركَ العمّاتُ، وتهجركَ الخالاتُ،
سيفرمكَ الجوعُ، ويحرقك الثلجُ،
ولن يبقى لضلوعِكَ بيتٌ مَستورٌ..
واختلطَ الحابلُ بالنّابلِ،
فالفتنةُ حطّت أرجلَها التسعين،
وتخبطُ كلَّ جدارٍ،
وتعفّر أحلامَ الرّائين..
انتظروا حتى ينشقَّ الليلُ عن الخيطِ..
فقد يظهرُ بعد ثلاثٍ، من هَلَعٍ أو جوعٍ أو وجعٍ،
أو نبدأُ بالعدِّ الثاني..
كي نسمعَ مَن عادَ يقرّعُ أصحابَ المدنِ الخطّائين،
يُحذّرُ مسّادةَ ممّا اقترفت،
وبأنّ التتبيرَ سيبدأ..
فانتظروا، وأعدّوا الزادَ لأيامٍ لن ترحمَ أحداً..
فلقد تمّ الحارقُ،
وانتصبَ القِدْرُ على الموقدِ،
والأُثْفِيَّةُ تتميّزُ بالغيظِ..
فهل مِن رجلٍ يوقفُ حطّابَ الكونِ الوثنيِّ؟
لقد حطَّ الباشقُ غيمتَه الحمراءَ على الأعشاشِ،
فلا أشجارَ، بتلك الصحراءِ، سيبقى، أو أعراشَ،
سترتبكُ الأفهامُ، وتختلّ البوصلةُ،
فلا يعرف مَن صلّى أين القِبْلةُ أو أين الأوثانُ!
الفتنةُ أحلكُ من ثوبِ اليائسِ،
والغاسقُ أقوى من فَلَقِ الصُبْحِ..
ولا مَن يملكُ آياتِ الفرقان!
فَعضّوا الجَذْعَ اليابسَ، حتى يورقَ،
أو تنغقَ في الريحِ الغربان.
انتظروا..ما زلنا في الدركاتِ الأولى،
سنؤوِّبُ في النارِ، ولن نصعدَ..
حتى نتطهّرَ من أدرانِ الشيطانِ..
انتظروا..
بعد قليلٍ؛ سيعودُ الموتى!
مَن حملوه إلى الدَمْعِ، نراهُ أمامَ الشاشاتِ،
سيضحكُ، بعد رحيلِ اثنينِ،
ويأتي أربعةٌ من خلفِ الأكفانِ..
وهذا مدعاةٌ للرقصِ الدمويِّ،
وأنَّ الجَدَّةَ لن تبكيَ فرحاً،
لن ترقصَ حول الطَبَقِ النبويِّ،
فقد مَلَّت من زَخِّ الشريانِ،
ويكفي ما كانَ..
أرى الأرضَ ستلبس ثوبَاً آخرَ..
وتلك فصولٌ أخرى ومواسمُ لم نَعْهَدْها،
ستغيبُ طبولُ البأسِ، لتبدأَ أعراسُ الحاراتِ،
انتظروا..سوف نصيخُ السَّمْعَ لِرَجْعِ الرَّعْدِ الشامخِ،
ونرى كيف سحابُ الشمسِ السابحِ
يملأُ ساحاتِ البلدِ الراسخِ..
سنرى ما يفتحُ هذا البرَّ لِعَرْشِ الغاباتِ الباذخِ..
وانتظروا..فالأرضُ ستبلعُ أمواجَ الخسْفِ،
وتقلعُ كلُّ سماواتِ القصفِ،
ويُقضى الأمرُ..
ونخرجُ مِن فوقِ الألواحِ إلى الشُطآن.
انتظروا.
لا يأسَ، وإن حلّ الطوفان..
الثّلاثاء 10 مارس 2026 11:38 صباحًا -
بتوقيت القدس
تحليل سياسي موثَّق: الجذور والأدوات والضحايا والمقاومة
في البدء: ثمانية مليارات إنسان وقرارٌ بالاستغناء عن سبعة
تقول الأرقام إن الأرض تحمل اليوم ما يزيد على ثمانية مليارات إنسان. وتقول نخبٌ مالية وسياسية وتكنولوجية تحكم العالم من وراء ستار إن هذا العدد كبيرٌ جداً، وأن الكوكب لا يتّسع إلا لمليار واحد هو المليار "المُختار" الذي يُنتج ويستهلك ويطيع ويُدار. أما الباقون فهم عبءٌ يجب التخلّص منه: ببطء أو بسرعة، بهدوء أو بحروب، لكن لا بدّ من النهاية ذاتها.
هذا ليس فيلماً خيالياً. هذا ما تقوله الوثائق المرفوعة عنها السرية، والتصريحات المسجَّلة، والأرقام المُعلنة، والخرائط المرسومة، والسياسات المطبَّقة على الأرض. المليار الذهبي ليس نظرية مؤامرة إنه مشروعٌ يجري تنفيذه بأدوات متعددة، في زمنٍ واحد، على شعوبٍ متعددة.
في هذا التحليل لن نكتفي بالكلام العام. سنضع الأرقام على الطاولة، سنذكر الأسماء، سنربط الأحداث ببعضها، ونجيب على السؤال الذي يُحرّك كل شيء: من يستفيد؟ وعلى حساب من؟
أولاً: المليار الذهبي ما هو بالضبط؟
المليار الذهبي مصطلحٌ سياسياقتصادي نشأ في أوروبا الشرقية بعد انهيار الاتحاد السوفيتي، ويشير إلى تلك الشريحة من سكان الأرض التي تُقدَّر بمليار نسمة المقيمة في الدول الصناعية الغربية المتقدمة: الولايات المتحدة، وكندا، وأوروبا الغربية، واليابان، وأستراليا.
هؤلاء المليار يستهلكون ما بين 70 إلى 80 بالمئة من موارد الكوكب، في حين يبقى الستة مليارات الباقون يتنافسون على الفتات. المليار الذهبي لا يعني فقط ثروةً مادية، بل يعني حقّ القرار: من يضع القواعد، من يُحدِّد من يستحق البقاء والنمو، ومن يُدار ويُوجَّه ويُستنزف. الباحثون الروس أمثال ألكسندر زينوفييف استخدموه لتوصيف البنية الحقيقية للنظام العالمي بعد الحرب الباردة.
غير أن المشروع في صيغته الأكثر خطورة لا يكتفي بالهيمنة بل يطمح إلى التقليص الديموغرافي الفعلي للبشرية خارج هذه الدائرة الذهبية. فمن يعجز عن الإنتاج أو المقاومة لا مكان له في عالم المليار.
ثانياً: الجذور التاريخية متى وُلد هذا المشروع؟
2.1 مالتوس وبذرة الموت الاقتصادي (1798)
في عام 1798 نشر الاقتصادي البريطاني توماس روبرت مالتوس كتابه "مقالة في مبدأ السكان" مؤسِّساً لأيديولوجيا تقول إن تكاثر البشر يفوق قدرة الأرض على الإطعام، وإن الفقر والمجاعة والأوبئة هي الحلول الطبيعية لفائض السكان. لم يكن مالتوس محايداً كانت نظريته أيديولوجيا طبقية تبرّر ترك الفقراء يموتون وتُجرّم إغاثتهم. ومنها تفرّع كل ما جاء بعده.
2.2 الإيوجينيا: علم تحسين النسل (18831945)
من مالتوس إلى ابن خاله فرانسيس غالتون الذي أسّس علم "الإيوجينيا" (Eugenics) عام 1883، أي علم انتقاء وتحسين الجنس البشري عن طريق إيقاف تناسل "الأدنى". هذا العلم لم يبقَ في الأكاديميات بل دخل الحكومات: اعتمدت الولايات المتحدة قوانين التعقيم القسري بين 1907 و1979، وطُبِّقت على أكثر من 60,000 مواطن أمريكي معظمهم من ذوي الإعاقات والفقراء والأقليات. وكانت ألمانيا النازية قد استوحت قوانين نورنبرغ 1935 من القوانين الأمريكية ذاتها.
بعد هزيمة النازية عام 1945 لم يمُت المشروع بل تبدَّل جلده. الإيوجينيا الصريحة أصبحت "تنظيم النسل" و"التنمية المستدامة" و"الصحة الإنجابية".
2.3 وثيقة كيسنجر السرية NSSM 200 (1974)
في أبريل 1974 أصدر مستشار الأمن القومي الأمريكي هنري كيسنجر وثيقةً سرية بعنوان "دراسة الأمن القومي رقم 200" رُفعت عنها السرية عام 1989. الوثيقة تُصنّف 13 دولة ذات كثافة سكانية عالية باعتبارها "تهديداً للأمن القومي الأمريكي": الهند، والبرازيل، ومصر، ونيجيريا، وإثيوبيا، وإندونيسيا، والفلبين، والمكسيك، وباكستان، وكولومبيا، وتايلاند، وتركيا. وتدعو صراحةً إلى تقليص معدلات الخصوبة فيها، وربط المساعدات الأمريكية بتطبيق برامج تنظيم النسل، واستخدام صندوق النقد الدولي والبنك الدولي أداةً لتنفيذ هذه السياسات.
"يجب أن تقوم الولايات المتحدة بقيادة الجهود الدولية لخفض معدلات النمو السكاني في الدول النامية يجب أن تُشكّل هذه المسألة محوراً مركزياً في سياستنا الخارجية." هنري كيسنجر، وثيقة NSSM 200، 1974
2.4 حجارة جورجيا: النصب العقدي (1980)
في مارس 1980 ظهر في ولاية جورجيا الأمريكية نصبٌ حجري ضخم يُعرف بـ"حجارة غيدو"، نُقشت عليه بعشر لغاتٍ عشرة وصايا، أولها وأصرحها: "أبقِ عدد البشر دون خمسمئة مليون في توازنٍ دائم مع الطبيعة." بمعنى آخر: يجب أن يختفي 94% من سكان الأرض. لا يُعرف من موّل النصب بُني بمبلغٍ ضخم عبر شخصية مجهولة. قُوبل بجدلٍ واسع وفُجِّر جزء منه عام 2022 ثم أُزيل كلياً غير أن رسالته لأربعة عقود لم تُمحَ.
ثالثاً: هيكل القرار من يُدير المشروع فعلاً؟
من الخطأ الفادح الاعتقاد بأن الحكومات المنتخبة هي من يُقرّر. الحكومات تُنفِّذ والقرار يصنعه ثلاثة مستويات متداخلة:
3.1 المنتديات فوق الحكومية
نادي بيلدربرغ (Bilderberg Group): تأسّس عام 1954، يجتمع سنوياً في سرية تامة. يضم رؤساء دول ووزراء وقادة مخابرات ومدراء مصارف مركزية ورؤساء إعلام وتكنولوجيا. لا بيانات رسمية، لا تصريحات فقط قرارات تظهر آثارها لاحقاً في السياسات الدولية.
منتدى الاقتصاد العالمي (WEF دافوس): صرّح مؤسسه كلاوس شواب في كتابه "الثورة الصناعية الرابعة" (2016) بأن الذكاء الاصطناعي والأتمتة ستُغني عن الغالبية العظمى من العمال البشريين. مشروع "إعادة الضبط الكبير" (Great Reset) الذي أطلقه دافوس عام 2020 يُصرّح بأهداف إعادة هيكلة الاقتصاد العالمي وملكية الأصول والهوية الرقمية.
مجلس العلاقات الخارجية (CFR): مركز القرار الأمريكي الحقيقي منذ 1921. يضم وزراء الخارجية والدفاع الأمريكيين المتعاقبين قبل توليهم مناصبهم وبعدها، ويُصدر تقارير السياسة الخارجية الأمريكية قبل أن تُترجم إلى قرارات رسمية.
3.2 أدوات التمويل والإخضاع الاقتصادي
صندوق النقد الدولي والبنك الدولي تأسّسا عام 1944 في مؤتمر بريتون وودز. من 1980 حتى 2000 فرضا على دول الجنوب ما يُعرف بـ"برامج التكيّف الهيكلي" التي اشترطت: خصخصة القطاعات الاستراتيجية، ورفع الدعم عن الغذاء والدواء بشكل مفاجئ، وتجميد الأجور وتقليص الخدمات الحكومية. النتيجة الموثَّقة: في أفريقيا جنوب الصحراء ارتفعت معدلات الفقر 12% في الدول التي طبّقت البرامج. في الأرجنتين أفضى برنامج الصندوق إلى انهيار اقتصادي كامل عام 2001.
3.3 المؤسسات "الخيرية" الكبرى
مؤسسة بيل وميليندا غيتس تُنفق سنوياً ما بين 5 و6 مليارات دولار في الصحة العالمية وبرامج تنظيم النسل في أفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية. بيل غيتس صرّح علناً في محاضرة TED عام 2010 بأن اللقاحات والرعاية الصحية يمكن أن تُخفّض عدد سكان الأرض بنسبة 10 إلى 15 بالمئة وهي عبارة موثّقة بالتسجيل لا تقبل التأويل. أما الصندوق الروكفلري فقد موّل أبحاث عقاقير تحديد النسل طويلة المدى التي وُزِّعت في دول أفريقيا وأمريكا اللاتينية دون إحاطة كاملة بالآثار الجانبية.
رابعاً: أدوات التنفيذ كيف يجري الأمر على الأرض؟
4.1 الحروب المُصنَّعة
الحرب هي أسرع أداة لتقليص السكان وتدمير البنى التحتية وإعادة رسم الخرائط. واللافت أن الحروب الكبرى في العقود الأخيرة تجمعها قاسمٌ مشترك: دولٌ ذات ثروات ضخمة، وحروبٌ طالت أكثر مما يستدعيه أي هدف عسكري معلن، وإعادة إعمار لم تحدث أو حدثت لصالح الشركات الغربية وحدها.
العراق: قبل الغزو عام 2003 كان يمتلك ثاني أكبر احتياطي نفطي مؤكَّد في العالم (112 مليار برميل)، ومنظومة تعليمية وصحية متقدمة. بعد الغزو: أكثر من مليون قتيل وفق دراسة The Lancet (2006)، وأكثر من 4 ملايين نازح، وتدمير كامل للبنية التحتية. الشركات الأمريكية كهالبرتون وبكتل وشيفرون انتفعت بعقود إعادة إعمار بلغت 138 مليار دولار.
ليبيا: كانت تحتل المرتبة الأولى أفريقياً في مؤشر التنمية البشرية عام 2010. دخلها الفردي تجاوز 12,000 دولار سنوياً. كانت تمتلك 48 مليار برميل من النفط. بعد التدخل العسكري عام 2011 تحوّلت إلى دولة فاشلة تنتشر فيها سوق العبيد توثّقها تقارير الأمم المتحدة ذاتها منذ 2017.
سوريا: كانت قبل 2011 تحقق اكتفاءً غذائياً ذاتياً 90% وتُصدِّر القمح. بعد الحرب: 14 مليون نازح، ودمار يُقدَّر بـ442 مليار دولار. في الوقت ذاته أعلنت شركة "جيني إنرجي" الأمريكية عام 2013 عن استكشافات نفطية ضخمة في الجولان السوري المحتل. هذا نمطٌ لا يمكن تفسيره بالصدفة.
4.2 الأوبئة والسلاح البيولوجي
وزارة الدفاع الأمريكية تُقرّ بوجود 336 مختبراً بيولوجياً في 30 دولة وفق بيانات كشفتها نائبة وزير الخارجية فيكتوريا نولاند أمام مجلس الشيوخ في مارس 2022. وفيما يخص كوفيد19، حصل باحث أمريكي بموجب قانون حرية المعلومات على وثائق تُظهر تمويلاً أمريكياً لأبحاث فيروسات في معهد ووهان. فرانسيس بوبين، المدير السابق لبرنامج الأسلحة البيولوجية الأمريكي، أعلن صراحةً أن الفيروس مُصنَّع مختبرياً. وشركة موديرنا وحدها سجّلت أرباحاً بلغت 17.7 مليار دولار عام 2022. كذلك نظّم بيل غيتس في عام 2019 مناورة "Event 201" التي محاكت تحديداً وباء كورونا جائحةً عالمية قبل أشهر من اندلاع كوفيد.
4.3 السيطرة على الغذاء
"من يتحكّم في الغذاء يتحكّم في الشعوب" قالها كيسنجر بالحرف. والأرقام تقول: شركة مونسانتو (المُدمجة مع باير عام 2018) تسيطر على 27% من سوق البذور العالمية، مع احتكارها تقنية البذور المُعقَّمة (Terminator Seeds) التي لا تُنبت من جيل لجيل، فيضطر المزارعون إلى شراء بذورٍ جديدة كل عام. وأربع شركات فقط ABCD تتحكم في تجارة ما بين 75 و90% من الحبوب العالمية. خلال أزمة الغذاء 20072008 ارتفعت أسعار القمح 130% والأرز 170% وماتَ الملايين جوعاً في حين كانت مستودعات الحبوب الدولية تفيض.
4.4 الحرب على الهوية والأسرة
التفكيك لا يقتصر على الجغرافيا والاقتصاد بل يستهدف الخلية الأساسية للمجتمع: الأسرة. وذلك عبر منظومة إعلامية وترفيهية تُروّج لأنماط حياة تُقلّل الإنجاب وتُعيد تعريف الجنس والدور الاجتماعي، خاصةً في مجتمعات الجنوب العالمي. ومناهج تموّلها منظمات دولية تُضمِّن مفاهيم تنظيم النسل منذ مراحل مبكرة، في حين يبقى النظام الغربي صارماً في حماية أطفاله من هذه المواد ذاتها. والهجوم المنظّم على الدين والهوية الثقافية يُنتج أجيالاً منفصلةً عن جذورها، أقلّ إنجاباً، أكثر استهلاكاً، أسهل قيادةً وتوجيهاً.
خامساً: الشرق الأوسط منطقةٌ لا يُراد لها أن تنهض
إذا أردنا أن نفهم دور الشرق الأوسط في معادلة المليار الذهبي، علينا أن نطرح سؤالاً جوهرياً: لماذا تمتلك هذه المنطقة أغنى الثروات الطبيعية في العالم، ومع ذلك تعيش في حالة دائمة من الاضطراب والتشرذم والتأخر؟
الجواب ليس في الجغرافيا، ولا في الدين، ولا في طبيعة الشعوب كما يروّج الخطاب الغربي الاستشراقي. الجواب يكمن في أن المنطقة مُصمَّمة للاستنزاف لا للبناء. فهي تحتضن أكثر من 60% من الاحتياطيات النفطية المؤكّدة في العالم، ومسالك بحرية استراتيجية كقناة السويس ومضيق هرمز وباب المندب، وأسواقاً استهلاكية ضخمة وشعوباً فتية. كل هذا يجعلها جائزةً ثمينة لا يمكن للمليار الذهبي أن يتركها تحكم نفسها بنفسها.
وقد صاغت وزيرة الخارجية الأمريكية كوندوليزا رايس مفهوم "الفوضى الخلّاقة" تعبيراً عن سياسة واضحة: زعزعة استقرار الشرق الأوسط بما يُعيد رسم الخرائط، وتفكيك الكيانات القومية الكبيرة إلى دويلات طائفية وعرقية صغيرة سهلة الإدارة والاستنزاف.
سادساً: إيران نموذج والثمن المدفوع
إيران هي الحالة الدراسية الأكثر إيضاحاً. دولةٌ بثروات هائلة في النفط والغاز والمعادن، وجغرافيا تُهيمن على مضيق هرمز الذي يمر عبره 20% من نفط العالم تحوّلت بعد ثورة 1979 إلى عدوٍّ لا يُغفر في حسابات النخب العالمية.
في عهد الشاه كانت شركات النفط الغربية تستخرج النفط الإيراني بشروطها، وكانت المخابرات المركزية CIA قد نفّذت انقلاب 1953 لإسقاط رئيس الوزراء الوطني محمد مصدّق حين أراد تأميم النفط. الحصة الإيرانية من نفطها كانت 25% فقط. بعد الثورة تغيّرت المعادلة فجاء العقاب.
الأرقام تتحدث: الحصار الاقتصادي أفقد إيران ما يزيد على 150 مليار دولار من عائدات النفط بين 2012 و2020 وفق تقديرات صندوق النقد الدولي. تجمّدت أصول إيرانية بقيمة 120 مليار دولار في مصارف أجنبية. انهار الريال بنسبة تجاوزت 800% بين 2012 و2020. وبين 2010 و2020 اغتيل خمسة علماء نوويين إيرانيين في عمليات نسبتها التحقيقات إلى تنسيق استخباراتي أمريكيإسرائيلي كل ذلك بسبب رفضها الانضمام إلى المنظومة، لا بسبب سلاح نووي لم يُثبَت وجوده رسمياً حتى اليوم.
سابعاً: فلسطين القلب النابض والجرح المفتوح
في قلب هذه المعادلة تقع فلسطين وهي ليست مجرد قضية إنسانية أو صراع أرض، بل هي مفتاح النظام الإقليمي برمّته. فلسطين تقع على ملتقى ثلاث قارات، وتتحكّم في خطوط التواصل بين أفريقيا وآسيا وأوروبا. من يمسك بفلسطين يمسك بنبض المنطقة.
وعد بلفور 1917 لم يكن عطفاً على اليهود بل كان صفقةً بريطانية استراتيجية: بريطانيا وعدت بـوطن قومي لليهود مقابل ضمان دعم الحركة الصهيونية للتدخل الأمريكي في الحرب العالمية الأولى. وزارة الخارجية البريطانية ذاتها وصفت في وثيقة داخلية عام 1919 الكيان المرتقب بأنه "منارةٌ للمصالح البريطانية في الشرق الأوسط". الكيان الصهيوني منذ 1948 لم يكن غريباً طارئاً بقدر ما كان أداةً وظيفية للمليار الذهبي: يُفتّت الوحدة العربية، يُشغل الشعوب بالصراع الوجودي، ويوفّر للغرب مخلباً متقدماً في قلب المنطقة.
7.1 غزة 2023/2026: الإبادة الموثَّقة بالأرقام
ما جرى في غزة منذ أكتوبر 2023 لم يكن حرباً بالمعنى العسكري بل عملية إبادة ممنهجة موثّقة بالأرقام التي لا تقبل الجدل:
ر أكثر من 73,000 شهيد حتى مطلع 2026 وفق وزارة الصحة الفلسطينية والأمم المتحدة، 70% منهم أطفال ونساء.
ر تدمير 70% من المباني السكنية في القطاع.
ر تدمير 80% من المنشآت الطبية بما فيها مستشفى الشفاء والأهلي ومجمع ناصر.
ر قطع الغذاء والدواء والماء والكهرباء بصورة متعمّدة اعترف بها وزير الدفاع الإسرائيلي يوآف غالانت بالحرف: "نحن نفرض حصاراً كاملاً لا كهرباء، لا غذاء، لا وقود".
محكمة العدل الدولية أصدرت في يناير 2024 قراراً مؤقتاً يُلزم إسرائيل بمنع أعمال الإبادة وهو اعترافٌ ضمني بأن ما يجري يقع في دائرة الإبادة الجماعية.
"ما يجري في غزة ليس مجرد عملية عسكرية بل هو نموذجٌ اختباري لما يمكن تطبيقه على أيّ شعبٍ يرفض الخضوع." تقرير المقرر الخاص للأمم المتحدة فرانشيسكا ألبانيز، 2024
7.2 من يُموّل الإبادة؟
لا يمكن فهم الحرب على غزة دون فهم من يموّلها. في عام 2023/2024 وحده: أقرّ الكونغرس الأمريكي 14.3 مليار دولار مساعدات عسكرية لإسرائيل. وباعت الولايات المتحدة لها أكثر من 2,000 قنبلة زنة 2,000 رطل استُخدمت في قصف الأحياء السكنية. ووفّرت المملكة المتحدة وألمانيا وإيطاليا مجتمعةً مكوّنات تسليحية بقيمة تجاوزت مليار دولار. هذا التمويل لا يجري على الرغم من معرفة ما يحدث بل يجري بسببه وبشكل واعٍ ومُبرمَج.
إسرائيل منذ 1948 تلقّت من الولايات المتحدة وحدها أكثر من 260 مليار دولار مساعداتٍ وقروضاً (بالقيمة المعدَّلة وفق التضخم) وفق مركز البحث الكونغرسي 2023. ولا تخضع لأيّ شرط من شروط البنك الدولي أو صندوق النقد التي تُكبَّل بها الدول الأخرى.
7.3 الفلسطيني: ضحيةٌ واعية
ما يُميّز الفلسطيني في هذه المعادلة أنه لم يقبل دور الضحية السلبية. الفلسطيني في نظر هذا المشروع "فائضٌ سكاني" يقف على أرضٍ مطلوبة. غير أن القضية الفلسطينية استطاعت على مدى عقود أن تكون عاملاً مُفجِّراً للوعي في العالمين العربي والإسلامي، بل في الرأي العام الدولي بأسره. أجيال كاملة من الناشطين في أفريقيا وأمريكا اللاتينية وأوروبا حملوا الكوفية الفلسطينية شعاراً للمقاومة ضد النظام العالمي غير العادل. وهنا يكمن الخوف الحقيقي من الفلسطيني: ليس لأنه يملك جيوشاً، بل لأنه يملك روايةً أخلاقية تُعرّي النظام وتكشف تناقضاته أمام العالم.
ثامناً: الخريطة الأشمل من يُستهدف وأين؟
8.1 أفريقيا: القارة المسروقة
أفريقيا تحتضن 60% من الأراضي الزراعية غير المستغلة في العالم، و30% من الثروات المعدنية الكونية، و10% من احتياطيات النفط العالمية. ومع ذلك يعيش 60% من سكانها البالغ عددهم 1.4 مليار نسمة بأقل من دولارين يومياً ليس لضعف الثروة بل لأن الثروة تخرج. تُقدّر الأكاديمية الأفريقية للعلوم أن أفريقيا تخسر سنوياً ما بين 50 و80 مليار دولار عبر "التدفقات المالية غير المشروعة" وهي أكثر مما تحصل عليه كمساعدات تنموية. في المقابل تزيد ديونها للمؤسسات الدولية على 1.1 تريليون دولار.
8.2 أمريكا اللاتينية: مختبر الانقلابات
منذ عام 1946 وُثِّق تورّط المخابرات المركزية الأمريكية في أكثر من 50 عملية انقلابية في دول أمريكا اللاتينية. الهدف ثابتٌ في كل مرة: إسقاط حكومة تحاول التحكّم بثرواتها الطبيعية واستبدالها بحكومة موالية. فنزويلا التي تملك أكبر احتياطي نفطي مؤكّد في العالم (303 مليار برميل) تعيش تحت حصارٍ اقتصادي شامل منذ 2017حتى أن تم خطف رئيسها. وبوليفيا التي تملك أكبر احتياطيات الليثيوم في العالم شهدت انقلاباً عام 2019 بعد أشهر من إعلان رئيسها تأميم استخراج الليثيوم.
تاسعاً: هل المشروع يسير نحو هدفه؟
الجواب الصادق: المشروع يواجه اليوم أكبر تحدياته التاريخية. الاستقطاب العالمي الجديد أفرز محاور مقاومة لم تكن مُتوقَّعة.
9.1 مجموعة BRICS: الكتلة البديلة
في 2024 انضمت إلى مجموعة بريكس كلٌّ من: إيران، والمملكة العربية السعودية، والإمارات، ومصر، وإثيوبيا. الكتلة الموسّعة تمثّل الآن 46% من سكان الأرض، و36% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي (بالقوة الشرائية)، وأكثر من 60% من احتياطيات النفط العالمية. مشروع العملة المشتركة البديلة للدولار بدأ يُطبَّق جزئياً في التبادل بين روسيا والصين والهند بعملاتهم الوطنية.
9.2 الوعي الشعبي العالمي
الحرب على غزة فعلت ما عجزت عنه عقود من الخطاب السياسي: أفقدت المنظومة الغربية قدراً كبيراً من شرعيتها الأخلاقية المُدَّعاة. استطلاعات الرأي في أوروبا ذاتها تُظهر أن غالبية الشباب الأوروبي دون 35 سنة يرون في إسرائيل دولةً إبادة وهي نسبة لم تكن مُتخيَّلة قبل عشر سنوات. حركة BDS أثّرت فعلياً في عدد من الشركات الكبرى، وتراجع مبيعات ستاربكس بنسبة 10% في 2024 مؤشرٌ لا يُستهان به.
عاشراً: ما العمل؟ من الوعي إلى الفعل
الوعي وحده لا يكفي لكنه البداية التي لا بديل عنها. والشعوب الواعية لا تُستعمَر بسهولة والمليار الذهبي يعرف هذا جيداً، لذلك يُنفق ما يُنفق على صناعة الجهل وتشتيت الانتباه وتهميش الأصوات الناقدة.
ر اقرأ وشكِّك وتحقَّق: لا تستهلك المعلومة كما تصلك. مصدرها ومموّله ومن يستفيد من انتشارها، كلّها أسئلة يجب أن تسبق التصديق.
ر ابنِ وعزِّز منظومتك المحلية: الاقتصاد المحلي، والغذاء المحلي، والعلاقات الاجتماعية المتينة هي حصنٌ في مواجهة مشاريع التفكيك.
ر أنجب وربِّ: في وجه مشروع يريد تقليص البشر، الأسرة الواعية المتماسكة فعلٌ مقاوم بكل معنى الكلمة.
ر تضامن مع الضحايا: ما يحدث في العالم اليوم ليس بعيداً عنك. إنه نموذجٌ يمكن أن يُستنسَخ في أيّ مكان. صوتك ومالك ووعيك سلاحٌ حقيقي.
ر ادعم حركات المقاطعة والضغط: BDS وغيرها من حركات الضغط الاقتصادي والسياسي أثبتت فعاليتها حين تتوحّد الإرادة الجماعية.
خاتمة: المليار لن يكتمل
ما تقوله هذه الأرقام والوثائق والأحداث مجتمعةً هو أن المليار الذهبي ليس نظرية مؤامرة تُحاك في الظلام بل هو نظامٌ عمل يُصرَّح ببعض مكوّناته في وضح النهار، ويُنفَّذ بقسوةٍ مدروسة على مدار عقود.
غير أن التاريخ يُعلّمنا شيئاً واحداً لا يتبدَّل: لا مشروع هيمنة استطاع أن يُكمل مساره حتى النهاية حين واجه وعياً جمعياً حقيقياً. الشعب الفلسطيني الذي يُبادَ على الهواء مباشرةً أمام كاميرات العالم لم يُبِح لنفسه الهزيمة النفسية. إيران التي تُحاصَر منذ 46 عاماً تواصل البناء. والشعوب في أفريقيا وأمريكا اللاتينية تبحث بجدية عن طرق التكامل الذاتي.
المليار الذهبي يريد عالماً بلا تنوّع ولا ذاكرة. لكنّ الإنسانية أكبر وأعنَد من أن تُختصر في مليار.
الوعي ليس خياراً أخلاقياً فحسب هو ضرورة حسابية. من لا يَعي اليوم لن يُوجد غداً في حسابات من يرسمون الخرائط.
الوعي تمرّد. والحياة سؤال.
الثّلاثاء 10 مارس 2026 11:03 صباحًا -
بتوقيت القدس
أصدرت محافظة القدس بياناً شديد اللهجة حذرت فيه من تصاعد الدعوات الصادرة عن جماعات يهودية متطرفة تهدف إلى ذبح القرابين داخل باحات المسجد الأقصى المبارك. وأوضحت المحافظة أن هذه التحركات تتزامن مع عيد الفصح العبري المقرر في شهر أبريل المقبل، مشيرة إلى وجود مخططات ممنهجة لتغيير الوضع القائم في الحرم القدسي.
وأكدت المحافظة أن ما تسمى 'منظمات الهيكل' بدأت بالفعل في تكثيف حملاتها الدعائية مستخدمة تقنيات الذكاء الاصطناعي لإنتاج مقاطع وصور تحريضية. تهدف هذه الحملات إلى حشد المستوطنين ودفعهم نحو فرض طقوس ذبح 'قربان الفصح' بالقوة داخل المسجد، وهو ما يمثل انتهاكاً صارخاً لقدسية المكان.
واعتبر البيان أن هذه الدعوات تشكل تصعيداً خطيراً وغير مسبوق في خطاب التحريض الذي تقوده المؤسسات المتطرفة ضد المقدسات الإسلامية. وأشارت المحافظة إلى أن 'منظمة الهيكل' تسعى بشكل علني لإقامة هيكلهم المزعوم على أنقاض المسجد الأقصى، مستغلة الظروف السياسية والأمنية الراهنة لتمرير أجنداتها.
وفي سياق متصل، لفتت المحافظة إلى أن سلطات الاحتلال تواصل فرض إغلاق شامل على المسجد الأقصى منذ الثامن والعشرين من فبراير الماضي. وتتذرع السلطات بحالة الطوارئ الناجمة عن المواجهة العسكرية الجارية، مما أدى إلى حرمان آلاف المصلين من أداء شعائرهم الدينية في المسجد.
وشددت المحافظة على أن منع إقامة صلاة التراويح خلال العشر الأواخر من شهر رمضان المبارك يعد سابقة تاريخية خطيرة لم تحدث منذ احتلال المدينة عام 1967. هذا الإجراء يعكس حجم التضييق الممارس على الفلسطينيين ومنعهم من الوصول إلى قبلتهم الأولى في أقدس الأوقات لديهم.
كما كشفت مصادر محلية عن ترويج الجماعات المتطرفة لمبررات واهية لاستمرار إغلاق المسجد، من بينها الادعاء بغياب الملاجئ الآمنة داخل الحرم. وتهدف هذه الجماعات من وراء ذلك إلى إبقاء المسجد مغلقاً أمام المسلمين حتى نهاية الحرب، لضمان عدم تواجدهم خلال فترات الأعياد اليهودية.
ما يجري في المسجد الأقصى يشكّل جزءًا من مسار سياسي وأيديولوجي يسعى إلى تغيير الواقع الديني والتاريخي والقانوني في الحرم القدسي الشريف.
وأوضحت المحافظة أن دائرة الأوقاف الإسلامية في القدس هي الجهة الوحيدة والشرعية المسؤولة عن إدارة شؤون المسجد الأقصى وفتح أبوابه أو إغلاقها. وأكدت أن أي تدخل من قبل سلطات الاحتلال في هذه الصلاحيات يعد خرقاً للوضع التاريخي والقانوني المعترف به دولياً في القدس المحتلة.
وذكر البيان أن 'معهد المعبد' نشر مؤخراً صوراً استفزازية تظهر مأدبة لقربان حيواني وأمامها مذبح ديني تم وضعه افتراضياً أمام قبة الصخرة المشرفة. وتضمنت المنشورات عبارات تحريضية تشير إلى إمكانية بناء المذبح وتجديد طقوس القربان في وقت قصير جداً، مما يعزز مخاوف الانفجار الميداني.
وأشارت التقارير إلى وقوع سوابق خطيرة خلال العام الماضي 2025، حيث تم رصد ثلاث محاولات فعلية لتهريب حيوانات أو أجزاء منها إلى داخل المسجد الأقصى. هذه المحاولات تعكس إصرار الجماعات المتطرفة على كسر القواعد المتبعة وفرض واقع جديد داخل المسجد بالقوة والترهيب.
يأتي هذا التصعيد في وقت يعاني فيه الفلسطينيون من قيود عسكرية مشددة وحواجز تمنع وصولهم من مختلف مناطق الضفة الغربية إلى القدس والخليل. وقد أدت هذه الإجراءات إلى إفراغ المسجد الأقصى والمسجد الإبراهيمي من المصلين في ذروة الموسم الديني، مما أثار موجة غضب واسعة.
وختم خبراء في شؤون القدس بالتحذير من أن استمرار هذه السياسات يمثل انتهاكاً صارخاً لحرية العبادة التي تكفلها القوانين الدولية. وحذروا من أن التمادي في التحريض على ذبح القرابين قد يؤدي إلى تداعيات لا يمكن السيطرة عليها في المنطقة بأكملها، نظراً لمكانة الأقصى في وجدان المسلمين.
الثّلاثاء 10 مارس 2026 11:03 صباحًا -
بتوقيت القدس
أفادت مصادر مطلعة بأن المحادثات الرامية للمضي قدماً في خطة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب لإنهاء الحرب في قطاع غزة قد دخلت مرحلة من الجمود منذ الأسبوع الماضي. ويأتي هذا التوقف المفاجئ في أعقاب شن الولايات المتحدة وإسرائيل هجوماً مشتركاً على إيران، ما أدى إلى اندلاع مواجهة عسكرية أوسع نطاقاً في منطقة الشرق الأوسط.
ويهدد هذا التعثر بتعطيل تنفيذ مبادرة ترمب للسلام، التي تعد أحد الركائز الأساسية لسياسته الخارجية في المنطقة. وتتزامن هذه التطورات مع مواجهة الدول الخليجية، التي تعهدت بتقديم مليارات الدولارات لإعادة إعمار غزة، لتهديدات وهجمات إيرانية مباشرة مع اتساع نطاق الصراع العسكري.
وتستند رؤية ترمب لتسوية الملف في غزة بشكل أساسي على إقناع مقاتلي حركة حماس بإلقاء أسلحتهم مقابل الحصول على عفو شامل. وتهدف هذه الخطوة، بحسب مسودة الخطة، إلى تمهيد الطريق لبدء عمليات إعادة الإعمار الكبرى وتسهيل انسحاب القوات الإسرائيلية من القطاع بشكل تدريجي.
وكشفت مصادر أن وسطاء من البيت الأبيض أداروا خلال الفترة الماضية اتصالات سرية بين الجانب الإسرائيلي وحركة حماس للتباحث في ملف نزع السلاح. إلا أن هذه المفاوضات الحساسة توقفت تماماً مع بدء العمليات العسكرية المباشرة ضد إيران في الثامن والعشرين من فبراير/شباط الماضي.
وفي المقابل، سارع مسؤول في البيت الأبيض إلى نفي وجود أي توقف رسمي في مسار المحادثات، مؤكداً أن النقاشات حول نزع السلاح لا تزال مستمرة وتتسم بالإيجابية. وأوضح المسؤول أن جميع الأطراف الوسيطة تدرك أن هذه الخطوة حاسمة لضمان تدفق أموال إعادة الإعمار إلى القطاع المدمر.
من جانبه، قلل مصدر مقرب من بعثة 'مجلس السلام' التابع لترمب من أهمية التوقف، واصفاً إياه بأنه تأخير تقني قصير ناتج عن اضطرابات حركة الطيران في المنطقة. وأشار المصدر إلى أن هذه الاضطرابات منعت الوسطاء من السفر إلى القاهرة، التي كانت تحتضن جولات المحادثات المتكررة.
ويرى 'مجلس السلام' الأمريكي، وفقاً لذات المصدر أن الحرب الحالية قد تساهم في تسريع حل معضلة نزع السلاح على المدى الطويل. ويعتقد المجلس أن إضعاف النفوذ الإيراني في المنطقة سيؤدي بالضرورة إلى تجفيف منابع الدعم المالي والعسكري الذي كانت تتلقاه حركة حماس.
مسألة نزع سلاح حماس غير قابلة للتفاوض، وسيتم ذلك إما بالطريقة السهلة أو بالطريقة الصعبة.
وفي سياق متصل، أكد مسؤول فلسطيني مطلع على جهود الوساطة أنه كان من المقرر عقد اجتماع بين قيادة حماس ووسطاء من مصر وقطر وتركيا في اليوم الذي اندلعت فيه الحرب. وأوضح المصدر أن الاجتماع أُلغي بشكل مفاجئ نتيجة التطورات العسكرية المتسارعة، ولم يتم تحديد موعد بديل حتى اللحظة.
كما نقلت مصادر عن مسؤول في حركة حماس تأكيده تجميد المحادثات المتعلقة بخطة ترمب في الوقت الراهن، مفضلاً عدم الخوض في تفاصيل إضافية حول أسباب التوقف. وفي الوقت نفسه، التزمت الحكومة الإسرائيلية الصمت ولم تصدر أي تعليق رسمي فوري حول مصير هذه المفاوضات.
وعلى الرغم من تأثر حركة التنقل الجوي، صرح مسؤول في إدارة ترمب بأن المناقشات لا تزال جارية على مستويات معينة وأن هناك تقدماً يتم إحرازه بعيداً عن الأضواء. وشدد المسؤول على أن الوضع الإقليمي المتفجر يفرض تحديات لوجستية لكنه لا يلغي المسار السياسي المرسوم للقطاع.
من جهة أخرى، أكد مسؤول حكومي إسرائيلي أن موقف تل أبيب من نزع سلاح الفصائل في غزة ثابت ولا يخضع للمساومة السياسية. وحذر المسؤول من أن إسرائيل مستعدة للعودة إلى استخدام القوة العسكرية الكاملة في غزة إذا لم يتم التوصل إلى صيغة نهائية لتسليم السلاح.
ورغم انشغال الجيش الإسرائيلي بالجبهة الإيرانية واللبنانية، إلا أن العمليات العسكرية في قطاع غزة لم تتوقف بشكل كامل، حيث يواصل الطيران استهداف مواقع يدعي أنها تشكل تهديداً. وقد أسفرت هذه الهجمات المستمرة منذ نهاية فبراير الماضي عن استشهاد ما لا يقل عن 16 فلسطينياً وفقاً لبيانات الصحة.
وكانت خطة ترمب قد بدأت بوقف إطلاق النار في أكتوبر الماضي، وحققت زخماً ملحوظاً قبل اندلاع الحرب مع إيران، شمل إعادة فتح المعابر الحدودية. وكان مجمع عسكري تقوده الولايات المتحدة في جنوب إسرائيل يشرف على التنسيق متعدد الجنسيات لتنفيذ بنود هذه المبادرة السياسية.
إلا أن دبلوماسيين أجانب أكدوا أن هذا الزخم تراجع بشكل حاد، حيث قلص مركز التنسيق المدني العسكري عملياته إلى الحد الأدنى خشية التعرض لضربات صاروخية إيرانية. ويبدو أن اهتمام كبار المسؤولين في واشنطن قد انصب بالكامل على إدارة المواجهة مع طهران، ما جعل ملف غزة يتراجع في قائمة الأولويات العاجلة.
الثّلاثاء 10 مارس 2026 10:52 صباحًا -
بتوقيت القدس
يُعدّ المعلم صاحب رسالة سامية، وأميناً على عقول الأجيال ووجدانهم. فهو ليس ناقلاً للمعرفة فحسب، بل مربٍ يبني جسور المحبة والأمان، ويفتح قنوات التعلم إلى قلوب الطلبة قبل عقولهم. ومن خلال حضوره الإنساني والتربوي، يصبح المعلم الركيزة الأساسية التي تقوم عليها العملية التعليمية، خاصة في أوقات الأزمات والتغيرات المتسارعة التي يمر بها المجتمع.
وفي ظل هذه التحديات، يبقى المعلم ثابتاً على رسالته، يحمل همّ طلابه، ويجتهد في توفير بيئة تعليمية آمنة ومحفزة، رغم ما يواجهه من ضغوط مهنية ونفسية. فالجميع يراهن على صموده؛ ليس فقط في استمرارية عطائه داخل الصف، بل في قدرته على تقديم الدعم النفسي والعاطفي لطلبته، وبذل الجهد المضاعف لضمان استمرار التعلم.
إلا أن المشهد التربوي يكشف عن حالة من الازدواجية التي يعيشها المعلم في كثير من الأحيان. فمن جهة، يُطلب منه الالتزام بتنفيذ البرامج التدريبية والتربوية التي تهدف إلى تطوير العملية التعليمية ومواكبة الظروف المتغيرة. ومن جهة أخرى، يبقى صوته محدود الحضور في صناعة القرارات التي تمس عمله اليومي وواقعه المهني.
وليس الغريب في تدريب المعلم أو تطوير كفاءته المهنية، فذلك يعدّ ضرورة أساسية لتعزيز مرونته وقدرته على التكيف مع التغيرات. غير أن الإشكالية تكمن في أن يكون المعلم هو المنفّذ الأول للسياسات التربوية، بينما يُغيب دوره كخبير ميداني قادر على تقديم الرأي والمشورة في صياغة تلك السياسات. فالمعلم، بحكم قربه من الواقع التعليمي وتفاعله اليومي مع الطلبة، يمتلك رؤية عملية وواقعية قد تسهم في تحسين القرارات التربوية وجعلها أكثر ملاءمة لاحتياجات الميدان.
وفي كثير من الحالات، يجد المعلم نفسه أمام قرارات لا يملك القدرة على تعديلها أو حتى مناقشتها. بل قد يتردد في إبداء رأيه خشية أن يُساء فهمه أو يُتهم بعدم الانتماء للمهنة أو بالتقليل من قيمة العمل التربوي والإنساني. وهنا يظهر خلل واضح في مفهوم المهنية؛ وكأن المهنية تُختزل في أداء الواجبات فقط، بينما تغيب العدالة حين يتعلق الأمر بالحقوق.
ومن المفارقات كذلك أن بعض المعلمين أو الإداريين قد يتعاملون مع هذا الواقع من منطلق الالتزام الوظيفي أو الحرص على استقرار العمل داخل المدرسة. ففي حين قد يفضّل بعض المعلمين التريث في طرح آرائهم أو مناقشة بعض القضايا المهنية، يجد المدير نفسه في كثير من الأحيان في موقع تنفيذ القرارات بوصفه جزءًا من منظومة إدارية أوسع. ومع ذلك، فإن إتاحة مساحة للحوار المهني وتبادل وجهات النظر تظل ضرورة تربوية، إذ إن تنوع الآراء والخبرات يمثل أحد أهم عوامل تطوير العمل التعليمي وتحسين جودة القرارات التربوي. .
فالمعلم، وإن لم تتوفر له مساحة آمنة لإبداء رأيه — حتى داخل حدود مدرسته وصفه — كيف له أن يمارس دوره قائدًا للميدان بثقة كاملة برسالته؟ وكيف له أن يغرس في نفوس طلابه قيم الثبات والصمود وحرية التفكير، إذا لم يشعر هو نفسه بأن صوته مسموع ورأيه محل تقدير؟ إن المدرسة التي نريدها مساحة لبناء الوعي والحوار، تبدأ أولًا بالاعتراف بأن الرأي مسؤولية وحق، وأن حرية التعبير عنه قيمة تربوية تُمارس في الواقع قبل أن تُكتب في الكتب. ومن هنا تبرز أهمية أن تقوم الإدارات التربوية بدورها في نقل وجهات نظر المعلمين وتجاربهم كما هي من الميدان، بموضوعية وأمانة مهنية، دون أن تتأثر تلك الآراء بتفسيرات أو اجتهادات قد تغيّر مضمونها، بما يسهم في بناء قرارات أكثر واقعية وتوازنًا تعكس احتياجات العملية التعليمية.
إن تقدير المعلم لا يكون فقط بالخطابات التي تشيد برسالته، بل بمنحه المساحة الحقيقية للمشاركة في صنع القرار التربوي. فالمعلم ليس مجرد منفذ للسياسات، بل شريك أساسي في بنائها وتطويرها. وعندما يُصغى إلى صوته بوصفه خبيرًا ميدانيًا يعيش تفاصيل الواقع التعليمي يوميًا، تصبح القرارات أكثر عدالة وفاعلية، وتتحول العملية التعليمية إلى جهد جماعي يقوم على الثقة والتكامل، لا على التنفيذ الصامت.
الثّلاثاء 10 مارس 2026 10:51 صباحًا -
بتوقيت القدس
في الثامن من آذار؛ تحلّ مناسبة اليوم العالمي للمرأة بينما تعيش المرأة الفلسطينية واحدة من أكثر المراحل قسوة في تاريخها المعاصر، في ظل الحروب المتكررة والظروف الإنسانية والاقتصادية الصعبة. فقد وجدت نفسها في قلب المعاناة اليومية، تتحمل أعباءً مضاعفة تتجاوز حدود الدور التقليدي، لتصبح عماد الأسرة وحارسة الاستمرار في مجتمع مثقل بالفقد والقلق.
ففي ظل فقدان كثير من الأسر لمعيلها بسبب القتل أو الاعتقال أو الإصابة، اضطرت المرأة الفلسطينية إلى تحمّل مسؤوليات معيشية واجتماعية متزايدة، تجمع بين رعاية الأطفال وكبار السن، وتأمين الحد الأدنى من متطلبات الحياة. وقد ترافق ذلك مع تدهور اقتصادي حاد وارتفاع معدلات الفقر والبطالة، ما دفع كثيراً من النساء إلى البحث عن سبل بديلة للعيش في ظروف شديدة التعقيد.
إلى جانب ذلك، تواجه النساء تحديات إنسانية وصحية كبيرة، خاصة في ظل تراجع الخدمات الطبية ونقص الأدوية، الأمر الذي يضاعف معاناة الأمهات والحوامل والفتيات. كما ألقت الحرب بظلالها على التعليم، فتعطلت مسيرة كثير من الطالبات، وتحمّلت الأمهات أعباء إضافية في محاولة الحفاظ على استمرارية تعليم أبنائهن رغم الظروف القاسية.
غير أنّ صورة المرأة الفلسطينية لا تختزل في المعاناة وحدها؛ فهي أيضاً صورة للصمود والإرادة. فقد برز حضورها في العمل الإغاثي والتطوعي والمجتمعي، حيث شاركت في دعم العائلات المتضررة، وساهمت في تعزيز التضامن الاجتماعي داخل المجتمع. كما لعبت دوراً محورياً في الحفاظ على تماسك الأسرة وصون الهوية الثقافية والوطنية في وجه محاولات التفكك والاقتلاع.
وفي ظل النزوح وفقدان الأمان الذي تعيشه كثير من العائلات، ما تزال المرأة الفلسطينية تمثّل ركيزة أساسية لبقاء المجتمع واستمراره. فهي، رغم الألم والفقدان، تواصل أداء دورها كأم ومربية وفاعلة اجتماعية، محافظةً على روح الحياة في مجتمع يواجه تحديات وجودية متواصلة.
وهكذا، يأتي اليوم العالمي للمرأة هذا العام ليذكّر العالم بأن المرأة الفلسطينية ليست مجرد ضحية للحروب، بل هي أيضاً عنوان للصبر والكرامة الإنسانية، ونموذج حيّ لقدرة الإنسان على الصمود وصناعة الأمل حتى في أحلك الظروف.
وفي الختام؛ طوبى للمرأة الفلسطينية التي حملت الوطن في قلبها كما تحمل أبناءها في ذراعيها، فكانت في زمن الحرب أمّاً للصبر، وحارسةً للذاكرة، وصانعةً للأمل رغم الألم.
طوبى لها لأنها لم تنكسر أمام قسوة الأيام، بل ظلّت واقفة كزيتونةٍ عتيقة، تضرب جذورها في الأرض وتمنح الحياة من حولها معنى البقاء والكرامة.
الثّلاثاء 10 مارس 2026 10:50 صباحًا -
بتوقيت القدس
ورطّت الولايات المتحدة بلدان الشرق العربي، بحرب وعداء لا مصلحة لنا بها، فالخلافات والتباينات مع إيران الشعب والنظام والدولة، لا تستدعي الحرب والمواجهة والتدمير المتبادل، بل يمكن حلها بالحوار والمفاوضات والأدوات الدبلوماسية السلمية.
أميركا ورطت بلدان الشرق العربي، لصالح المستعمرة الإسرائيلية،بهدف هيمنتها وتسلطها، و بهدف استمرار احتلالها لكامل خارطة فلسطين.
الرئيس ترامب اعترف علناً يوم 6/12/2017، أن القدس الموحدة عاصمة للمستعمرة الإسرائيلية، وفي كل خطاباته وتوجهاته نحو "مجلس السلام" لم يذكر الضفة الفلسطينية ولا مرة، باعتبارها أراضي محتلة من قبل قوات المستعمرة، ولم يتطرق إليها ولشعبها ومستقبلها، وكأنها غير موجودة في الواقع السياسي والديمغرافي، وهي كما قال سفيره هكابي لدى المستعمرة أنها "يهودا والسامرة" أي جزءاً من خارطة المستعمرة.
يسعى نتنياهو مع معلمه وداعمه ترامب لتغيير خارطة الشرق العربي، بما يُلبي أطماع المستعمرة التوسعية، بينما البلدان العربية المرتبطة بعلاقات مختلفة مع الولايات المتحدة تعرضت للأذى والمس والخراب، ودفعت ثمن علاقاتها مع الولايات المتحدة و بدلاً من إفتراض الحماية والطمأنينة، واجهوا القصف والتورط بما يتعارض مع أمنهم ومصالحهم واستقرارهم .
الشيخ محمد بن زايد رأس الدولة الإماراتية، التي تعرضت إلى ما تعرضت له من اذى ومس وجرحى، تعامل مع وقائع الاعتداءات الاستفزازية بثقة، وزار الجرحى: 2 من الأماراتيين، وواحد سوداني، وآخر هندي، والخامس إيراني، مؤكداً أن دولته وشعبه والوافدين العاملين في بلاده، تعاملوا بأقصى درجات الثقة والتماسك، و من جهتها تعاملت الامارات مع الوافدين كما تتعامل مع مواطنيها الذين يستحقوا الأمن والتقدير وحسن الوفادة، وهو حال الكويت وقطر والبحرين، كما العربية السعودية التي تتميز قيادتها بالشجاعة والوعي وعدم الرضوخ، وعدم الانجرار إلى أي موقع وقرار لا يتوافق ومصالح بلدهم وشعبهم.
في الاتصال الهاتفي بين وزيري خارجية العربية السعودية وإيران تحدث الأمير فيصل بن فرحان، كلاماً يعكس موقف العربية السعودية، و بلدان الخليج العربي، بل و العالم العربي بأسره وفي طليعته الأردن، بشأن الحرب الدائرة
بين الولايات المتحدة مع المستعمرة ضد إيران، و أبرزت مواقفه ان:
" المملكة تفضل الحلول الدبلوماسية واحتواء التصعيد في المنطقة، وأنها تعمل على إبقاء قنوات الاتصال مع طهران مفتوحة لمحاولة منع توسع الحرب"، و ان
"المملكة لن تقبل استهداف أراضيها و منشآتها"، "واذا استمرت
الهجمات الإيرانية على السعودية أو بنيتها التحتية فستضطر الرياض للرد بالمثل"، و
"السعودية لا تريد الانخراط في الحرب
لكنها ستدافع عن نفسها بقوة إذا تعرضت لهجمات".
وضوح في الموقف، شجاعة في القرار، وحكمة سياسية، وسعة أفق في نفس الوقت.
الثّلاثاء 10 مارس 2026 10:50 صباحًا -
بتوقيت القدس
في زمن العواصف الكبرى، تُقاس الأمم بقدرة قياداتها على أن تكون في مستوى التضحيات التي يقدمها شعبها. أما في الحالة الفلسطينية اليوم، فإن المشهد يبدو مقلقاً؛ فبينما يخوض المواطن الفلسطيني معركة البقاء والكرامة في غزة والضفة والقدس، تتسع فجوة الثقة بين الشارع وقيادته السياسية إلى حد غير مسبوق.
المواطن الفلسطيني، الذي يواجه القصف والاقتحامات والاعتقال والتهجير، لم يعد يسأل فقط عن مصير المعركة مع الاحتلال، بل بدأ يسأل أيضاً عن موقع قيادته في هذه المعركة. أين هي القيادة التي تقود؟ وأين المشروع الوطني الذي يجمع؟ وأين القرار القادر على تحويل تضحيات الناس إلى إنجاز سياسي حقيقي؟
هذه الأسئلة لم تأتِ من فراغ، بل هي نتيجة سنوات طويلة من التراكمات السياسية التي أدت إلى تآكل الثقة الشعبية بقيادات الاحزاب والتنظيمات وبالمؤسسات الرسمية، وتراجع الرضا عن الأداء القيادي. ومع كل أزمة جديدة، تتكشف هذه الفجوة أكثر، ويزداد شعور المواطن بأن المسافة بينه وبين مركز القرار أصبحت أبعد مما ينبغي.
اليوم يقدم الفلسطينيون واحدة من أعظم صور الصمود في تاريخهم الحديث. في غزة شعب يواجه آلة حرب شرسة، وفي الضفة شعب يواجه الاقتحامات والاستيطان ومحاولات التهجير اليومية، وفي القدس معركة مفتوحة على الهوية والوجود. ومع ذلك، يشعر كثيرون أن الأداء السياسي الرسمي ما زال يدور في فلك البيانات التقليدية والمواقف الدبلوماسية المحدودة، دون قدرة حقيقية على تحويل هذه التضحيات إلى قوة سياسية فاعلة.
ومن هنا يتولد شعور خطير يمكن وصفه بـ “اليتم السياسي”. فالمواطن الفلسطيني يشعر أحياناً أنه يقف في الميدان وحده، بينما تعجز الأطر السياسية عن إنتاج قيادة موحدة قادرة على توجيه البوصلة الوطنية أو حماية الجبهة الداخلية.
يزداد هذا الشعور حدة مع استمرار الانقسام الفلسطيني، الذي لم يعد مجرد خلاف سياسي بين فصائل، بل تحول إلى حالة استنزاف مستمرة للمشروع الوطني. فالانقسام لم يضعف المؤسسات فحسب، بل أضعف أيضاً ثقة الناس بفكرة العمل السياسي نفسها، وجعل كثيرين يرون أن الصراع على السلطة بات يطغى على الصراع مع الاحتلال.
وفي ظل هذه الصورة، يتشكل لدى الشارع انطباع واسع بأن جزءاً من النخب السياسية بات منشغلاً بإدارة توازنات البقاء أكثر من انشغاله بإدارة مشروع التحرير. وعندما يشعر الناس بأن السياسة تتحول إلى إدارة مصالح وامتيازات، فإن أول ما يتآكل هو الثقة.
ومع تراجع الثقة، تتراجع المشاركة. فالمجتمع الذي يفقد إيمانه بجدوى العملية السياسية يصبح أقل استعداداً للانخراط فيها. وهذا ما يفسر حالة الفتور الشعبي تجاه كثير من القضايا السياسية، وكذلك الشكوك الواسعة التي تحيط بأي حديث عن انتخابات قادمة، إذ يخشى كثيرون أن تتحول إلى إجراء شكلي أكثر من كونها محطة حقيقية للتغيير.
خطورة هذه الأزمة لا تكمن فقط في بعدها السياسي، بل في تأثيرها المباشر على المشروع الوطني الفلسطيني. فكل مشروع تحرري يحتاج إلى جبهة داخلية متماسكة، وقيادة تحظى بثقة شعبها، وقاعدة شعبية تؤمن بأن تضحياتها تسير في اتجاه واضح.
عندما تتآكل هذه الثقة، تتآكل معها الشرعية السياسية، وتصبح القيادة أضعف في مواجهة الضغوط الخارجية، كما يصبح المجتمع أكثر عرضة للإحباط والتفكك. وهذا تحديداً ما يسعى الاحتلال إلى تعميقه، لأنه يدرك أن قوة الفلسطينيين الحقيقية تكمن في وحدتهم الداخلية.
لكن رغم قتامة المشهد، فإن الأزمة يمكن أن تتحول إلى فرصة إن أحسن التعامل معها. فإعادة بناء الثقة ليست مستحيلة، لكنها تحتاج إلى قرارات شجاعة تعيد الاعتبار للمشروع الوطني وتضع مصلحة الشعب فوق كل اعتبار.
أول هذه الخطوات هو إنهاء حالة الانقسام واستعادة الوحدة الوطنية على أساس شراكة حقيقية في القرار والمسؤولية. فالشعب الذي يقف موحداً في الميدان يستحق قيادة موحدة في السياسة.
وثانيها إعادة الاعتبار لقيم الشفافية والمحاسبة داخل المؤسسات الوطنية، لأن الثقة لا تُبنى بالشعارات بل بالممارسة. فالمواطن يريد أن يرى مؤسسات تخدمه وتحميه وتعمل باسمه لا فوقه.
أما الخطوة الأهم، فهي إعادة توجيه البوصلة نحو الهدف المركزي: المشروع الوطني الفلسطيني. فحين يشعر المواطن أن السياسة تعود لتكون أداة للتحرير لا مجرد إدارة للواقع، فإن الثقة يمكن أن تبدأ بالعودة تدريجياً.
لقد أثبت الفلسطينيون عبر تاريخهم أنهم شعب قادر على الصمود في أقسى الظروف. لكن هذا الصمود يحتاج إلى قيادة توازيه، وتليق بتضحياته، وتترجم إرادته إلى مشروع وطني جامع.
فالشارع الفلسطيني لا يبحث عن معجزات… بل عن قيادة تشبهه، وتشعر بآلامه، وتسير معه في الطريق نفسه نحو الحرية.
إن أخطر ما يواجه أي شعب في معركته ليس قوة خصمه فقط، بل شعوره بأنه يقف وحده. فالكلمة الصادقة من القيادة ليست مجرد خطاب سياسي، بل طمأنينة لشعبٍ يقاتل، وبوصلة لجمهور يبحث عن اتجاه. وعندما تغيب هذه الرسالة، يترك الفراغ مكانها، ويتسلل القلق والشك إلى الوعي الجمعي، وهو فراغ لا يخدم إلا الاحتلال.
الثّلاثاء 10 مارس 2026 10:48 صباحًا -
بتوقيت القدس
حرب الابادة في فلسطين والهيمنة على الشرق الأوسط قد لا تعيد رسم خرائط المنطقة فقط، بل قد تفتح أيضاً نقاشاً داخل الولايات المتحدة حول شرعية الحرب وطبيعة العلاقة مع إسرائيل. فحين تُجرّ القوة الأعظم في العالم إلى حرب تتقاطع مع حرب إبادة ضد شعب أعزل، لا يعود السؤال مقتصراً على نتائج المعركة، بل على شرعيتها أيضاً. وهنا يبرز السؤال: هل يمكن أن تتحول هذه الحرب إلى بداية مراجعة أميركية للعلاقة مع إسرائيل، ونقطة انعطاف داخل الولايات المتحدة نفسها؟
فالتاريخ الأميركي يُظهر أن الحروب الخارجية، حين تتجاوز حدود “الدفاع” وتتحول إلى حروب هيمنة مكلفة أخلاقياً وسياسياً، كثيراً ما ترتد إلى الداخل الأميركي وتفتح نقاشاً عميقاً حول شرعيتها. وقد لا يكون من المبكر التساؤل عمّا إذا كانت الحرب التي اندفع إليها ترامب بالتحالف مع تل أبيب قد تحمل في طياتها بذور تحول مشابه.
واشنطن: من دعم تل أبيب إلى الشراكة القتالية
على مدى عقود طويلة قدمت الولايات المتحدة لإسرائيل دعماً سياسياً وعسكرياً غير مسبوق، لكنها حرصت غالباً على تجنب الانخراط المباشر في الحروب التي تخوضها تل أبيب في المنطقة. غير أن ما يجري اليوم يشير إلى تحول نوعي في طبيعة هذه العلاقة. فالتنسيق العسكري غير المسبوق، وانتشار القوات الأميركية في محيط الصراع، وتكامل منظومات الدفاع والهجوم بين الطرفين، كلها عوامل تجعل من أي مواجهة واسعة حرباً مشتركة بحكم الأمر الواقع. وهنا تكمن مفارقة أساسية؛ فكلما تعمق الانخراط الأميركي في هذه الحرب، كلما أصبحت قضية داخلية في الولايات المتحدة نفسها.
سيناريوهات الحرب: من الضربة المحدودة إلى الفوضى الإقليمية
السيناريو الأول يتمثل في حرب خاطفة تهدف إلى توجيه ضربات قاسية لإيران وحلفائها دون الانزلاق إلى مواجهة إقليمية شاملة. وفي مثل هذا السيناريو قد تسعى إسرائيل إلى تثبيت تفوقها العسكري وفرض وقائع جديدة في الضفة الغربية.
أما السيناريو الثاني فيتمثل في تحوُّل المواجهة إلى حرب إقليمية. وفي هذه الحالة قد تدخل المنطقة في مرحلة اضطراب استراتيجي عميق، وتهديد طرق الطاقة والتجارة الدولية.
أما السيناريو الثالث، والأكثر خطورة، فيتمثل في دخول المنطقة في حالة من الفوضى الاستراتيجية طويلة الأمد، حيث تتفكك التوازنات الإقليمية وتتحول الصراعات إلى حروب مفتوحة ومتعددة المستويات. وفي مثل هذا الوضع ستقوم إسرائيل باستغلال الفوضى لفرض ترتيبات أحادية دائمة في الأراضي الفلسطينية المحتلة.
كيف يمكن أن تنعكس الحرب على القضية الفلسطينية؟
في كل السيناريوهات تقريباً ستحاول إسرائيل تحويل الحرب إلى فرصة لفرض وقائع جديدة على الأرض، بابتلاع الضفة الغربية، وتكريس أنماط سيطرة دائمة على قطاع غزة. لكن المفارقة أن هذه السياسات قد تساهم أيضاً في تعميق العزلة الدولية لإسرائيل، خاصة إذا ترسخت صورة الحرب باعتبارها جزءاً من مشروع أوسع للهيمنة الإقليمية. وفي هذه الحالة قد تعود القضية الفلسطينية لتظهر من جديد باعتبارها أحد مفاتيح الاستقرار أو الاضطراب في المنطقة.
تحولات الرأي العام الأمريكي: الجامعات بؤرة التحول الجديد
منذ حرب غزة برزت الجامعات الأميركية بوصفها إحدى أهم ساحات التحول في الرأي العام. فقد شهدت العديد من الجامعات موجات احتجاج واسعة ضد الحرب وضد الدعم الأميركي غير المشروط لإسرائيل. ورغم أنها لا تزال محدودة التأثير السياسي المباشر، إلا أنها تعكس تحولاً أعمق في وعي جيل جديد من الأميركيين بدأ ينظر إلى القضية الفلسطينية من زاوية الحقوق والعدالة. وقد أظهرت التجربة الأميركية أن الجامعات كثيراً ما كانت الشرارة الأولى لتحولات كبرى في الرأي العام، كما حدث خلال حرب فيتنام.
انقسام داخل المجتمع اليهودي الأميركي
ومن بين التحولات اللافتة أيضاً بروز انقسام متزايد داخل قطاعات من المجتمع اليهودي الأميركي نفسه، خصوصاً بين الأجيال الشابة والتيارات التقدمية. ففي السنوات الأخيرة ظهرت مجموعات يهودية أميركية تعلن صراحة رفضها لسياسات الحكومة الإسرائيلية، وتشارك في الاحتجاجات المناهضة للحرب في غزة.
هذا التحول لا يعني بالطبع تراجع الدعم التقليدي لإسرائيل داخل المؤسسات السياسية الأميركية، لكنه يشير إلى تصدع تدريجي في الإجماع الذي ظل يحيط بالعلاقة الأميركية – الإسرائيلية لعقود طويلة.
من فيتنام إلى غزة:
حين ترتد الحروب إلى الداخل الأميركي
خلال حرب فيتنام بدأت الاحتجاجات في الجامعات الأميركية قبل أن تتحول تدريجياً إلى حركة احتجاج واسعة داخل المجتمع الأميركي. ومع اتساع الحرب وازدياد كلفتها البشرية والسياسية، لم يعد السؤال مقتصراً على نتائج الحرب في فيتنام، بل تحول إلى سؤال أعمق حول شرعية الحرب نفسها.
اليوم يطرح بعض المراقبين سؤالاً مشابهاً؛ هل يمكن أن تتحول الاحتجاجات ضد الإبادة في غزة إلى حركة أوسع ترفض الحرب التي تستهدف المنطقة؟
هل تندمج حركة التضامن مع غزة مع رفض الحرب؟
هذا السؤال قد يصبح أحد الأسئلة الحاسمة في المرحلة المقبلة. فالمظاهرات التي خرجت في العديد من المدن والجامعات الأميركية احتجاجاً على الابادة الجماعية في غزة ركزت أساساً على البعد الإنساني والأخلاقي للصراع. لكن إذا اتسعت الحرب في المنطقة، وبدأ الأميركيون يشعرون بأن بلادهم تنخرط في حرب جديدة مكلفة، فقد تندمج هذه الاحتجاجات تدريجياً مع حركة أوسع ترفض الحرب نفسها. وفي مثل هذه الحالة قد تنتقل الحركة الاحتجاجية من مجرد إدانة الإبادة إلى التشكيك في شرعية الحرب التي تُخاض باسم حماية إسرائيل أو فرض هيمنتها الإقليمية.
حرب الهيمنة والابادة..
هل تبدأ مراجعة العلاقة الأميركية مع إسرائيل؟
قد تبدو الحرب الأميركية–الإسرائيلية على المنطقة محاولة لفرض ميزان قوى جديد في الشرق الأوسط، لكن التاريخ يُظهر أن الحروب التي تُشن باسم الهيمنة كثيراً ما تنتهي بإعادة طرح السؤال الأخلاقي حول شرعيتها. فكلما اتسعت دائرة العنف، وازدادت كلفة الحرب البشرية والسياسية، يصبح من الصعب الاستمرار في تبريرها أو التغاضي عن دوافعها الحقيقية.
ولهذا قد تحمل هذه الحرب مفارقة تتمثل في بذور تحول عميق في الوعي السياسي داخل الولايات المتحدة نفسها. فإذا ترسخت لدى قطاعات أوسع من الأميركيين قناعة بأن إسرائيل لا تكتفي بارتكاب انتهاكات جسيمة بحق الفلسطينيين، بل تسهم أيضاً في جرّ واشنطن إلى صراعات مكلفة وغير ضرورية، فإن ذلك قد يفتح الباب أمام مراجعة تاريخية لطبيعة العلاقة بين البلدين.
وفي مثل هذا التحول المحتمل تكمن مفارقة كبرى؛ فالقوة العسكرية التي تُستخدم اليوم لإخضاع الفلسطينيين وفرض الهيمنة الإقليمية قد تتحول، على المدى الأبعد، إلى أحد العوامل التي تُسرِّع تآكل شرعية هذا المشروع نفسه. وعندها قد تعود القضية الفلسطينية لتطرح ذاتها من جديد، ليس فقط بوصفها صراعاً سياسياً، بل اختباراً أخلاقياً للعالم وللنظام الدولي بأسره.
وهذا يستدعي، دون أي مماطلة أو حسابات فئوية ضيقة، أن يتحمّل الفلسطينيون مسؤولية التفاعل مع هذا التحوّل في الرأي العام. وذلك عبر تعزيز سرديتهم الوطنية العادلة، واستعادة وحدتهم الكيانية، وتقديم نموذج واضح للمقاومة وفق قواعد القانون الدولي، بما يكفل حشد دعم شعوب العالم، لا الاكتفاء بمجرد التعاطف مع الضحايا. فهل من يعلّق الجرس؟