يتناول كتاب 'إيران من الداخل' للدكتور نبيل الحيدري، الصادر عن الدار العربية للعلوم ناشرون، أبعاد الصعود الإيراني في الإقليم وكيف تحول إلى مصدر قلق متنامٍ في الخطاب السياسي العربي. يستعرض الكتاب في أجزائه الختامية تنامي نفوذ طهران في عدة دول عربية، والادعاءات التاريخية والسياسية التي تروج لها بشأن بعض الأراضي والجزر العربية.
تشير القراءة التحليلية للكتاب إلى أن الإمبريالية الأمريكية ربطت بين إخفاقها في العراق وتنامي الهيمنة الإيرانية، مما دفعها لرص صفوف الأنظمة الحليفة لها. وتنقسم الخارطة السياسية العربية وفقاً للكتاب بين أكثرية تابعة للغرب وأقلية تشكل 'محور المقاومة' الذي يضم فصائل فلسطينية ولبنانية وسورية مدعومة من طهران.
تتبنى وجهة النظر الرسمية العربية مخاوف جدية من تحول إيران إلى قوة إقليمية مهيمنة استغلت المتاعب الأمريكية في العراق وأفغانستان. وقد نجحت طهران في بناء تحالفات استراتيجية مكنتها من إحداث تبدل جذري في ميزان القوى الإقليمي لصالح مشروعها السياسي والمذهبي.
استطاعت إيران توظيف سياستها الخارجية لزرع 'مراكز نفوذ متقدمة' في بلدان عربية لتكون أوراق ضغط في صراعاتها مع الولايات المتحدة. وبدأت هذه السياسة منذ الثورة الإيرانية عبر شعار 'تصدير الثورة'، ثم انتقلت لدعم الأقليات التي تشترك معها في المرجعية الدينية والمذهبية.
يرى محللون أن البرنامج النووي الإيراني عزز المخاوف العربية بشأن اختلال ميزان القوى والتهديدات الوجودية للهوية الوطنية. وقد تجلى ذلك في تصريحات علنية لزعماء عرب، مثل تحذير العاهل الأردني من 'الهلال الشيعي' وتشكيك الرئيس المصري الأسبق في ولاء الطوائف الشيعية لدولها.
تطرق الكتاب إلى النزاع حول الجزر الإماراتية الثلاث (طنب الكبرى وطنب الصغرى وأبو موسى)، مؤكداً أن تاريخها مرتبط بالساحل العربي منذ آلاف السنين. وأشار إلى أن احتلال هذه الجزر تم في نوفمبر 1971 بتواطؤ بريطاني قبيل إعلان استقلال دولة الإمارات العربية المتحدة.
وفيما يخص البحرين، يوضح الحيدري أن الادعاءات الإيرانية تفتقر للأساس التاريخي، حيث أن حضارة 'دلمون' تسبق وجود الدولة الفارسية بأكثر من ألفي عام. وتؤكد النصوص السومرية والأدلة الأثرية أن الأقوام الذين سكنوا هذه المنطقة كانوا عرباً ساميين ينتمون لجزيرة العرب.
إيران استطاعت زرع مراكز نفوذ متقدمة في بلدان عربية عدة لتكون نصيراً حاداً في أي نزاع مع القوى الكبرى.
يتناول الكتاب أيضاً قضية إقليم الأحواز العربي، الذي سقط تحت السيطرة الإيرانية عام 1925 بعد تحالف الشاه مع الاحتلال البريطاني لاختطاف الأمير خزعل الكعبي. ومنذ ذلك الحين، مارست طهران سياسات تغيير ديموغرافي واسعة لطمس الجذور العربية للإقليم وتغيير أسماء مدنه التاريخية.
تعتبر الأحواز 'رئة إيران' الاقتصادية، حيث صرح الرئيس الأسبق محمد خاتمي بأنها تغذي الميزانية بنسبة 80% من إيرادات النفط. ورغم هذه الأهمية، يعاني السكان العرب من التهميش والحرمان من حقوقهم الثقافية والسياسية، بما في ذلك منع ارتداء الزي الوطني العربي.
أكد المؤرخون القدامى، ومنهم الروماني بليني، تسمية 'الخليج العربي' منذ القرن الأول الميلادي، مشيرين إلى إحاطة القبائل العربية به من كافة الجهات. ولم يكن للفرس دور يذكر في تجارة الخليج أو سكناه، بل كانت القبائل العربية مثل تميم وبكر هي المهيمنة على سواحله.
يدعو الكتاب في خلاصته إلى ضرورة تجاوز الاستقطاب الطائفي السني-الشيعي الذي تغذيه القوى الخارجية لتمزيق المنطقة. ويرى أن استمرار هذا الصراع لا يخدم سوى المصالح الإمبريالية والصهيونية التي تسعى لإضعاف كافة الأقطاب الإقليمية الكبرى في الشرق الأوسط.
تطرح الرؤية النقدية للكتاب حاجة المنطقة إلى مشروع إقليمي عربي إسلامي جديد يقوم على التعاون بين مصر وتركيا وإيران والسعودية. ويهدف هذا المشروع إلى بناء نظام توازن واستقرار يحد من سباق التسلح باهظ الكلفة ويحفز التنمية المشتركة في الخليج والهلال الخصيب.
يشدد التحليل على أهمية بناء معاهدات سلام وحسن جوار تنهي الحروب بالوكالة والمواجهات الأهلية في دول مثل ليبيا واليمن. كما يدعو إلى حل النزاعات الحدودية والمائية، مثل أزمة سد النهضة، عبر اتفاقيات منصفة تضمن الأمن المائي والغذائي لشعوب المنطقة.
في الختام، يبرز الكتاب أن الطريق الوحيد لقطع الطريق على مشاريع الهيمنة الخارجية هو صياغة علاقات تعاون اقتصادي وسياسي متينة. إن بناء نظام إقليمي جديد مناهض للهيمنة يتطلب إرادة سياسية لتجاوز إرث الماضي والتركيز على المصالح المشتركة للشعوب العربية وجيرانها.





شارك برأيك
إيران من الداخل: نفوذ إقليمي متصاعد ومخاوف عربية من مشاريع الهيمنة