عربي ودولي

الثّلاثاء 10 مارس 2026 3:48 مساءً - بتوقيت القدس

التصعيد الأفقي: كيف توظف إيران دروس فيتنام وكوسوفو لاستنزاف واشنطن؟

يرى الأكاديمي روبرت إي. بابي، في تحليل نشرته مجلة 'فورين أفيرز' أن التصعيد العسكري الأخير ضد إيران قد وضع الولايات المتحدة وإسرائيل في مأزق يتجاوز قدرتهما على التحمل. وأوضح أن عملية 'الغضب الملحمي'، رغم دقتها في استهداف الهرم القيادي بطهران، أثبتت أن القوة الجوية الحديثة لا تكفي وحدها لحسم الصراعات السياسية المعقدة.

لقد ظنت واشنطن وتل أبيب أن تصفية المرشد الأعلى وكبار قادة الحرس الثوري ستؤدي إلى شلل بنية القيادة وزعزعة استقرار النظام الإيراني. إلا أن الرد الإيراني جاء سريعاً ومنظماً، حيث انطلقت مئات الصواريخ والمسيرات لتستهدف نطاقاً جغرافياً واسعاً شمل معظم دول الخليج والقواعد العسكرية الأمريكية المنتشرة هناك.

أفادت مصادر بأن صافرات الإنذار لم تتوقف في المدن المحتلة، بينما سعت القوات الأمريكية في قواعد العديد والظفرة وعلي السالم للاحتماء من المقذوفات الإيرانية. هذا الرد لم يكن مجرد انتقام عشوائي، بل مثل بداية استراتيجية 'التصعيد الأفقي' التي تهدف إلى توسيع رقعة الحرب وإطالة أمدها لإرباك حسابات الخصم الأقوى.

تسببت الضربات الإيرانية في تداعيات اقتصادية هائلة، حيث اشتعلت النيران في مرافق تجارية بدبي وتضررت منشآت قرب مطار الكويت الدولي. وأدت هذه الأحداث إلى قفزة حادة في أسعار النفط العالمية، مع توقع التجار استمرار الاضطرابات في مضيق هرمز الذي يمر عبره خمس إمدادات الطاقة في العالم.

يشير بابي إلى أن إيران استلهمت دروساً من حروب سابقة خاضتها الولايات المتحدة، وتحديداً في فيتنام وصربيا. ففي تلك النزاعات، نجح الطرف الأضعف عسكرياً في إحباط الأهداف الأمريكية من خلال نقل المعركة إلى مستويات سياسية واقتصادية واجتماعية تجعل كلفة الاستمرار في الحرب باهظة جداً.

تعتمد استراتيجية طهران على إظهار المرونة والقدرة على العمل حتى بعد فقدان القيادة العليا، وهو ما تجسد في شن هجمات واسعة بعد ساعات فقط من الاغتيالات. هذه الرسالة موجهة للداخل والخارج، وتؤكد أن النظام يمتلك مؤسسات قادرة على إدارة الصراع تحت أقسى الظروف.

من خلال استهداف مواقع في تسع دول تستضيف قوات أمريكية، تسعى إيران لفرض ما يسميه الخبراء 'التعرض المتعدد'. تهدف هذه الخطوة إلى إحراج الحكومات الحليفة لواشنطن وإظهار أن استضافة القواعد الأمريكية تجلب الدمار بدلاً من الأمن، مما يثير ضغوطاً شعبية وسياسية داخل تلك الدول.

تؤكد التحليلات أن إيران لا تسعى لهزيمة أمريكا في معركة تقليدية وجهاً لوجه، بل تهدف لاكتساب نفوذ سياسي وتغيير موازين القوى الإقليمية. إن تسييس الصراع عبر تعطيل الملاحة وضرب قطاعات التأمين والشحن يضع الإدارة الأمريكية تحت ضغط هائل من الكونغرس والمجتمع الدولي.

عامل الوقت يلعب دوراً حاسماً في الحسابات الإيرانية، فكلما طال أمد النزاع، زادت احتمالية نشوب خلافات بين واشنطن وحلفائها الأوروبيين. وتخشى العواصم الأوروبية من تقلبات أسعار الطاقة وموجات الهجرة المحتملة، مما قد يدفعها للنأي بنفسها عن السياسات الأمريكية التصعيدية.

على الصعيد الميداني، كشفت حوادث النيران الصديقة، مثل سقوط طائرات أمريكية فوق الكويت، عن حجم التعقيدات اللوجستية في إدارة جبهة واسعة. هذه الأخطاء تعزز السردية الإيرانية بأن التدخل العسكري الخارجي يؤدي إلى فوضى لا يمكن السيطرة عليها حتى من قبل القوى العظمى.

تحاول طهران أيضاً إحداث شرخ بين الأنظمة الحاكمة في المنطقة وشعوبها من خلال تصوير نفسها كقوة مقاومة للهيمنة الأجنبية. وتستغل إيران المشاعر السلبية تجاه السياسات الإسرائيلية في المنطقة لحشد تعاطف شعبي يتجاوز الخلافات الأيديولوجية والمذهبية مع النظام الإيراني.

يواجه الرئيس الأمريكي معضلة حقيقية بين خيارين أحلاهما مر؛ فإما مضاعفة الجهود العسكرية وفرض احتواء دائم قد يستمر لسنوات دون نتائج سياسية ملموسة. أو إعلان 'تحقيق الأهداف' والانسحاب، وهو ما سيعرض الإدارة لانتقادات داخلية حادة بتهمة الفشل في إتمام المهمة.

إن تجربة الناتو في كوسوفو عام 1999 تظهر أن الضربات الجوية الدقيقة قد تؤدي إلى نتائج عكسية، مثل إثارة موجات تطهير عرقي أو نزوح جماعي. وفي الحالة الإيرانية، فإن الضغط العسكري قد يدفع طهران لتصعيد أكبر يهدد استقرار النظام العالمي بأكمله وليس فقط أمن الخليج.

في الختام، يخلص المقال إلى أن 'التصعيد الأفقي' هو السلاح الأكثر فاعلية بيد القوى الإقليمية لمواجهة التفوق التكنولوجي الغربي. وإذا لم تدرك واشنطن أبعاد هذا التحول، فإنها قد تجد نفسها غارقة في حرب استنزاف طويلة الأمد تفقد فيها السيطرة على مسار الأحداث التي أشعلتها.

دلالات

شارك برأيك

التصعيد الأفقي: كيف توظف إيران دروس فيتنام وكوسوفو لاستنزاف واشنطن؟

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.