عربي ودولي

الخميس 11 يونيو 2026 9:43 صباحًا - بتوقيت القدس

من 18 أكتوبر إلى جبهة الخلاص: هل تستعيد تونس روح 'الكتلة التاريخية'؟

تواجه تونس اليوم واحدة من أعقد مراحلها السياسية منذ الثورة، حيث يبرز السؤال الجوهري حول كيفية إعادة بناء المجال الديمقراطي على أسس تمنع عودة الاستبداد. إن الأزمة الراهنة ليست مجرد تعثر اقتصادي، بل هي اختبار لقدرة النخب على إنتاج معنى وطني مشترك يتجاوز الصراعات الحزبية الضيقة.

تكتسب تجربة حركة 18 أكتوبر للحقوق والحريات قيمة تاريخية كبرى، كونها مثلت محاولة رائدة لتحويل الاختلاف الفكري إلى طاقة وطنية جامعة. فقد نجحت هذه الحركة في إقامة عقد ديمقراطي بين تيارات كانت تبدو متناقضة في مرجعياتها، مما مهد الطريق لاحقاً لنجاح الثورة التونسية.

يعيش الشارع التونسي حالة من الإحباط نتيجة تراجع المؤشرات الاقتصادية وتآكل القدرة الشرائية للفئات الوسطى. هذا الوضع أدى إلى فقدان الثقة في المؤسسات السياسية، مما يجعل الحاجة ملحة لمراجعات عميقة تستعيد منطق الحوار والتوافق الذي ميز المحطات النضالية الكبرى.

شهد مطلع عام 2001 تحولاً نوعياً بانخراط إسلاميين ديمقراطيين في صفوف الحزب الديمقراطي التقدمي بقيادة أحمد نجيب الشابي. كانت هذه الخطوة تعبيراً عن قناعة بأن المعركة الأساسية هي معركة حريات ودولة قانون، وليست صراعاً على الهوية أو المرجعيات العقائدية.

ساهم هؤلاء المناضلون في إثراء النقاشات الفكرية داخل الحزب، ودافعوا عن فكرة بناء مشروع وطني جامع يتجاوز الاصطفافات الأيديولوجية المغلقة. وقد مثل وجودهم تجربة عملية لإدارة الاختلاف داخل مؤسسة سياسية واحدة، مما رسخ ثقافة الاعتراف المتبادل بين مختلف التيارات.

تطور الفكر السياسي للحزب الديمقراطي التقدمي نحو اعتبار الديمقراطية 'أرضية مشتركة' تسبق أي صراع أيديولوجي. وبناءً على هذه الرؤية، دافع الحزب عن حق جميع القوى السياسية في الوجود، معتبراً أن إقصاء أي طرف سيؤدي بالضرورة إلى تغول النظام الأمني.

جسدت حركة 18 أكتوبر عام 2005 لحظة التقاء نادرة بين الإسلاميين واليساريين والقوميين والليبراليين ضد نظام بن علي. وانبثقت هذه الحركة من إضراب جوع شهير، أعلن ولادة وعي سياسي جديد يضع مصلحة الوطن فوق الخلافات الفكرية التاريخية.

لم تكن أهمية الحركة تكمن في مطالبها الحقوقية فحسب، بل في صياغتها لوثائق سياسية مشتركة حول قضايا الدولة المدنية وحرية الضمير. هذه الوثائق شكلت 'عقداً سياسياً' جديداً وفر الإطار الفكري الذي منح الثورة التونسية أفقها الديمقراطي الواضح.

بعد عام 2011، شهدت الساحة التونسية عودة الاستقطاب الحاد وتفكك التحالفات التاريخية تحت وطأة المصالح الضيقة والتدخلات الخارجية. هذا التفكك جعل الثورة مكشوفة أمام قوى الثورة المضادة وشبكات النفوذ القديمة التي استفادت من غياب التوافق الوطني.

يبرز اسم عصام الشابي كأحد الوجوه التي كافحت لإعادة بناء المشروع الجمهوري الوسطي بعيداً عن 'الدغمائيات' المتجمدة. وقد سعى الحزب الجمهوري لتقديم بديل يوازن بين الحرية الاقتصادية والعدالة الاجتماعية، مع الحفاظ على جسور التواصل مع كافة الأطراف.

تمثل 'جبهة الخلاص الوطني' بقيادة نجيب الشابي محاولة معاصرة لإحياء روح حركة 18 أكتوبر في مواجهة الحكم الفردي. وتستند الجبهة إلى فكرة أن الدفاع عن الدستور والمؤسسات يمثل القاسم المشترك الذي يجب أن تتوحد حوله القوى الوطنية حالياً.

واجهت السلطات هذه التحركات السياسية بالتضييق والاعتقالات التي طالت رموزاً معارضة، في محاولة لمنع تشكل بديل ديمقراطي موحد. ويرى مراقبون أن هذه الإجراءات تعيد للأذهان مشاهد القمع السابقة، وتؤكد أن الصراع الحقيقي هو بين الديمقراطية والحكم الفردي.

تظل الحركة الشبابية والنسوية الركيزة الأساسية لصمود الكتلة التاريخية الديمقراطية في تونس. فالشباب بما يملكونه من طاقة إبداعية، والنساء بنضالهن من أجل المساواة، يمثلون الضمانة الحقيقية لاستعادة زخم الثورة وربط الحرية بالعدالة الاجتماعية.

إن استلهام تجارب الماضي لا يعني الحنين إليها، بل استخلاص الدروس لبناء مستقبل يتسع لجميع التونسيين. فالمسؤولية التاريخية تقتضي تجاوز الشخصنة وتغليب المؤسسات، لصناعة موجة جديدة من الأمل تؤسس لجمهورية ديمقراطية عادلة ومستدامة.

دلالات

شارك برأيك

من 18 أكتوبر إلى جبهة الخلاص: هل تستعيد تونس روح 'الكتلة التاريخية'؟

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.