تواجه أسواق الطاقة العالمية حالة من الارتباك الحاد نتيجة التصعيد العسكري المستمر في منطقة الخليج، وسط تقديرات تشير إلى أن عودة الاستقرار لقطاع الشحن البحري قد تتطلب أسابيع طويلة. ويرى مراقبون أن استعادة القدرة الإنتاجية الكاملة للنفط ستحتاج إلى فترة زمنية أطول قد تمتد لعدة أشهر قبل العودة إلى مستويات ما قبل الصراع.
وأفادت تقارير صحفية دولية بأن عملية إعادة ضخ النفط في المنطقة إلى معدلاتها المعتادة، عقب انتهاء المواجهات بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، قد تستغرق نحو ستين يوماً. وتأتي هذه التقديرات في وقت تترقب فيه الأسواق العالمية أي إشارات لتهدئة قد تسمح باستئناف العمليات اللوجستية المعقدة في الممرات المائية.
وفي المقابل، تشير التوقعات إلى أن حركة الملاحة التجارية والشحن في مياه الخليج قد تحتاج إلى أسبوعين فقط للتعافي النسبي بمجرد توقف العمليات العدائية. ومع ذلك، يظل هذا الجدول الزمني محفوفاً بالمخاطر الأمنية التي قد تعيق حركة الناقلات العملاقة وتزيد من تكاليف التأمين البحري.
ووصف محلل أسواق النفط، أنس الحجي، هذه الجداول الزمنية للتعافي بأنها تمثل 'سيناريو تفاؤلياً' للغاية، محذراً من وجود عقبات تقنية وأمنية قد تطيل أمد الأزمة. وأوضح أن التحديات لا تقتصر على إصلاح المنشآت المتضررة فحسب، بل تمتد إلى ضمان سلامة الممرات المائية من أي تهديدات كامنة.
وحذر الحجي من أن الطائرات المسيرة ذات التكلفة المنخفضة ستبقى تشكل تهديداً مستداماً لحركة الملاحة عبر مضيق هرمز الاستراتيجي حتى في حال التوصل لاتفاق وقف إطلاق نار. ويرى أن سهولة إطلاق هذه المسيرات تجعل من الصعب تأمين المسارات البحرية بشكل كامل ومطلق في المدى القريب.
وتشير المصادر إلى أن الأنشطة العسكرية غير المركزية التي تنفذها أطراف مرتبطة بطهران في المنطقة، لا سيما في الساحة العراقية، قادرة على إلحاق أضرار بالغة بالبنية التحتية للطاقة. وتعتمد هذه العمليات على تكتيكات بسيطة لكنها فعالة في تعطيل سلاسل التوريد العالمية وإرباك حسابات الدول المنتجة والمستهلكة على حد سواء.
وبالرغم من أن المشاهد المتداولة لحرائق مستودعات النفط قد لا تسبب نقصاً فورياً في المعروض العالمي، إلا أنها تمثل ضربة استراتيجية قوية للاقتصاد الإيراني. وتكمن المعضلة في أن معظم الحقول النفطية تتركز في المناطق الجنوبية، بينما تتركز الكثافة السكانية في الشمال والشرق، مما يعقد عمليات التوزيع الداخلي.
الأنشطة العسكرية اللامركزية التي ينفذها النظام الإيراني وشركاؤه يمكن أن تسبب أضرارًا جسيمة باستخدام أساليب منخفضة التكلفة.
وتعاني طهران من صعوبات بالغة في تعويض المخزونات النفطية المفقودة نتيجة الهجمات، وهو ما يضع ضغوطاً إضافية على النظام في إدارة الموارد المتاحة. وتعتبر عمليات استهداف منشآت التخزين والوقود تكتيكاً قديماً يهدف إلى شل القدرات اللوجستية للخصم وإضعاف جبهته الداخلية خلال فترات الحروب.
وبالعودة إلى دروس التاريخ العسكري، فإن مهاجمة مراكز إمداد الوقود تهدف بالأساس إلى حرمان القوات المسلحة من الطاقة اللازمة لتحريك الآليات والقطع الحربية. كما تساهم هذه الهجمات في خلق حالة من التوتر والقلق بين المدنيين نتيجة النقص الحاد في المحروقات اللازمة للحياة اليومية والخدمات الأساسية.
وأكدت التحليلات أن استهداف المستودعات يقلل بشكل مباشر من الإمدادات المتاحة للجيوش، مما يحد من قدرتها على المناورة أو الاستمرار في العمليات القتالية الطويلة. وتتضاعف معاناة السكان المحليين في مثل هذه الظروف، حيث تصبح ندرة الوقود أزمة معيشية تضاف إلى ويلات الصراع المسلح.
وتجعل هذه المعطيات المعقدة من تعافي سوق النفط العالمي عملية شاقة تتطلب تنسيقاً دولياً واسعاً وجهوداً فنية جبارة لإعادة تأهيل المنشآت المتضررة. وستواجه الدول المنتجة في منطقة الخليج تحديات كبرى في محاولة تسريع وتيرة الإنتاج والتصدير لتعويض النقص الحاصل في الأسواق الدولية.
وحتى في حال توقف العمليات العسكرية بشكل فوري، فإن الثقة في أمن الإمدادات لن تعود بسرعة، مما قد يبقي أسعار النفط في مستويات مرتفعة لفترة غير قصيرة. وتراقب القوى الاقتصادية الكبرى هذا المشهد بحذر، خشية دخول الاقتصاد العالمي في موجة تضخمية جديدة مدفوعة بارتفاع تكاليف الطاقة.
ويبقى مضيق هرمز النقطة الأكثر حرجاً في هذه المعادلة، حيث أن أي اضطراب إضافي فيه قد يؤدي إلى شلل تام في إمدادات الطاقة المتجهة إلى آسيا وأوروبا. وتتجه الأنظار الآن نحو الجهود الدبلوماسية والترتيبات الأمنية التي قد تضمن حماية هذا الممر الحيوي من هجمات المسيرات والعمليات التخريبية المستمرة.





شارك برأيك
توقعات بتعطل إمدادات النفط العالمية لأشهر جراء الصراع في الخليج