لا يتوقف الخطر الاستيطاني؛ فهو يتهدد كل شيء ويزحف في كل اتجاه، ويتمدد ليبتلع الأراضي بما في جوفها وما عليها من حياة وأصالة وهوية وأضرحة ومقامات وبرك مائية ومزارع وغابات. وبين مصادرة وأخرى، أطماع تعبر عنها تصريحات رعناء وهوجاء تتوعد بالمزيد من المصادرة والبناء الاستيطاني، وليس آخرها تلك التصريحات التي رافقت اقتحام سموتيرتش وآخرين من المستوطنين لموقع برك سليمان قبل أيام، وقد أعلنوا نواياهم الخبيثة بضم المنطقة التاريخية ذات الرمزية والدلالة الفلسطينية، في إطار الهجمة الاستيطانية المستمرة بوقاحة المحتل وسفالة مستوطنيه، وهم لا يعبثون بالحاضر فقط بل بالتاريخ والرمزية والدلالة.
إن برك سليمان واحة مائية خضراء، وموقعًا هامًا بأبعاده التاريخية والحضارية والمعمارية، وهو يجمع فن العمارة المذهلة وفن الهندسة المدهشة بذكاء يفوق عتبة الزمان في الجمال؛ إذ كانت خزان الماء الذي يزود القدس وما حولها بالمياه لعقود طويلة، من خلال شبكة قنوات تنساب منها شلالات الماء العذب، وتندفع في مسارات بطرق رهيبة، لتقطع كل المسافة وتصل، فتروي المدينة المقدسة وزوارها والحجيج القادمين إليها آنذاك. ولأنها فتنة رسمتها الطبيعة ويد الأولين بحرفية مبدعة ومثيرة، يريد المستوطنون الاستيلاء عليها وإلحاقها بالمستوطنة التي تتمدد حولها وتقترب كل يوم لتبتلع المكان بتاريخه وتراثه وهويته، وهي تغتصب شواهد كثيرة من حولها، وتطمس هوية البلاد بمزيد من الافتراء والكذب وتضليل وجه الحقيقة.
ما يحدث من جرائم لا يستهدف الإنسان الفلسطيني فحسب، بل يستهدف المكان والرواية، ويسرق الشواهد، وينسج من الوهم سردية غير مقنعة، ويرسم حكايات مسروقة من أصحابها، ليتخذها رواية يستند إليها من أجل الضم والتهويد وقضم المزيد من الأرض واحتلالها. فسليمان القانوني العثماني ليس سليمان النبي أو الملك التلمودي، والشواهد التي حول البرك الثلاث لا تدل إلا على صدق الرواية الفلسطينية، وما غير ذلك ادعاء كاذب، وتجريب أحمق لرواية مسروقة يراد لها أن تكون حقيقة، من خلال ما يقترفوه من ممارسات آثمة.
اقتحام سموتيرتش ومن معه لموقع تاريخي هام، هو موقع برك سليمان، استمرارٌ لمسلسل استيطاني يستمد من سرقة الأرض شرعيةً لوجوده غير الشرعي. وهذا المشروع لا يكتفي بموقعٍ معين، بل يلاحق المزارع والفلاح في حقله، ويطارد البدوي وماشيته، ويطرد الناس من بيوتهم، كما يحدث في البلدة القديمة في القدس والخليل، ويسرق أرزاق البشر، ويضيّق سبل العيش، ويخنق حياة الفلسطيني في مختلف مناحي الحياة. وهو بذلك لا يستهدف الجغرافيا وحدها، بل يستهدف التاريخ والذاكرة والهوية، في محاولة لفرض وقائع جديدة على الأرض، ومحو الشواهد التي تؤكد أصالة الوجود الفلسطيني وتجذره في أرضه، غير أن هذه السياسات، مهما بلغت من بطش وتغول، لن تنجح في طمس الحقيقة أو اقتلاع الرواية الفلسطينية من وجدان أصحابها، فالأرض التي حفظت أسماء أهلها وتاريخهم عبر القرون ستبقى شاهدة على حقهم، وستظل معالمها وتراثها جزءًا أصيلًا من هوية وطنية عصية على التزوير والمصادرة.
أقلام وأراء
الأربعاء 10 يونيو 2026 9:28 صباحًا - بتوقيت القدس





شارك برأيك
برك سليمان: استهداف المكان وسرقة الرواية