يُعدّ المعلم صاحب رسالة سامية، وأميناً على عقول الأجيال ووجدانهم. فهو ليس ناقلاً للمعرفة فحسب، بل مربٍ يبني جسور المحبة والأمان، ويفتح قنوات التعلم إلى قلوب الطلبة قبل عقولهم. ومن خلال حضوره الإنساني والتربوي، يصبح المعلم الركيزة الأساسية التي تقوم عليها العملية التعليمية، خاصة في أوقات الأزمات والتغيرات المتسارعة التي يمر بها المجتمع.
وفي ظل هذه التحديات، يبقى المعلم ثابتاً على رسالته، يحمل همّ طلابه، ويجتهد في توفير بيئة تعليمية آمنة ومحفزة، رغم ما يواجهه من ضغوط مهنية ونفسية. فالجميع يراهن على صموده؛ ليس فقط في استمرارية عطائه داخل الصف، بل في قدرته على تقديم الدعم النفسي والعاطفي لطلبته، وبذل الجهد المضاعف لضمان استمرار التعلم.
إلا أن المشهد التربوي يكشف عن حالة من الازدواجية التي يعيشها المعلم في كثير من الأحيان. فمن جهة، يُطلب منه الالتزام بتنفيذ البرامج التدريبية والتربوية التي تهدف إلى تطوير العملية التعليمية ومواكبة الظروف المتغيرة. ومن جهة أخرى، يبقى صوته محدود الحضور في صناعة القرارات التي تمس عمله اليومي وواقعه المهني.
وليس الغريب في تدريب المعلم أو تطوير كفاءته المهنية، فذلك يعدّ ضرورة أساسية لتعزيز مرونته وقدرته على التكيف مع التغيرات. غير أن الإشكالية تكمن في أن يكون المعلم هو المنفّذ الأول للسياسات التربوية، بينما يُغيب دوره كخبير ميداني قادر على تقديم الرأي والمشورة في صياغة تلك السياسات. فالمعلم، بحكم قربه من الواقع التعليمي وتفاعله اليومي مع الطلبة، يمتلك رؤية عملية وواقعية قد تسهم في تحسين القرارات التربوية وجعلها أكثر ملاءمة لاحتياجات الميدان.
وفي كثير من الحالات، يجد المعلم نفسه أمام قرارات لا يملك القدرة على تعديلها أو حتى مناقشتها. بل قد يتردد في إبداء رأيه خشية أن يُساء فهمه أو يُتهم بعدم الانتماء للمهنة أو بالتقليل من قيمة العمل التربوي والإنساني. وهنا يظهر خلل واضح في مفهوم المهنية؛ وكأن المهنية تُختزل في أداء الواجبات فقط، بينما تغيب العدالة حين يتعلق الأمر بالحقوق.
ومن المفارقات كذلك أن بعض المعلمين أو الإداريين قد يتعاملون مع هذا الواقع من منطلق الالتزام الوظيفي أو الحرص على استقرار العمل داخل المدرسة. ففي حين قد يفضّل بعض المعلمين التريث في طرح آرائهم أو مناقشة بعض القضايا المهنية، يجد المدير نفسه في كثير من الأحيان في موقع تنفيذ القرارات بوصفه جزءًا من منظومة إدارية أوسع. ومع ذلك، فإن إتاحة مساحة للحوار المهني وتبادل وجهات النظر تظل ضرورة تربوية، إذ إن تنوع الآراء والخبرات يمثل أحد أهم عوامل تطوير العمل التعليمي وتحسين جودة القرارات التربوي. .
فالمعلم، وإن لم تتوفر له مساحة آمنة لإبداء رأيه — حتى داخل حدود مدرسته وصفه — كيف له أن يمارس دوره قائدًا للميدان بثقة كاملة برسالته؟ وكيف له أن يغرس في نفوس طلابه قيم الثبات والصمود وحرية التفكير، إذا لم يشعر هو نفسه بأن صوته مسموع ورأيه محل تقدير؟ إن المدرسة التي نريدها مساحة لبناء الوعي والحوار، تبدأ أولًا بالاعتراف بأن الرأي مسؤولية وحق، وأن حرية التعبير عنه قيمة تربوية تُمارس في الواقع قبل أن تُكتب في الكتب. ومن هنا تبرز أهمية أن تقوم الإدارات التربوية بدورها في نقل وجهات نظر المعلمين وتجاربهم كما هي من الميدان، بموضوعية وأمانة مهنية، دون أن تتأثر تلك الآراء بتفسيرات أو اجتهادات قد تغيّر مضمونها، بما يسهم في بناء قرارات أكثر واقعية وتوازنًا تعكس احتياجات العملية التعليمية.
إن تقدير المعلم لا يكون فقط بالخطابات التي تشيد برسالته، بل بمنحه المساحة الحقيقية للمشاركة في صنع القرار التربوي. فالمعلم ليس مجرد منفذ للسياسات، بل شريك أساسي في بنائها وتطويرها. وعندما يُصغى إلى صوته بوصفه خبيرًا ميدانيًا يعيش تفاصيل الواقع التعليمي يوميًا، تصبح القرارات أكثر عدالة وفاعلية، وتتحول العملية التعليمية إلى جهد جماعي يقوم على الثقة والتكامل، لا على التنفيذ الصامت.
أقلام وأراء
الثّلاثاء 10 مارس 2026 10:52 صباحًا - بتوقيت القدس





شارك برأيك
المعلم في الأزمات: من صمود في الميدان إلى تغييب في القرار