واشنطن – سعيد عريقات-13/3/2026
تحليل إخباري
مع اتساع الحرب بين إسرائيل وإيران، وازدياد الضربات المتبادلة بين الطرفين، عاد سؤال بالغ الحساسية إلى واجهة النقاشات الإستراتيجية في واشنطن: هل يمكن أن تفكر إسرائيل في استخدام سلاح نووي تكتيكي ضد إيران؟ خلال الأيام الأخيرة ارتفع الحديث عن هذا السيناريو على عدد من شبكات الإعلام الأميركية ومراكز التفكير، ليس باعتباره خياراً مرجحاً، بل باعتباره احتمالاً يجب تحليله في ضوء التصعيد الجاري.
ومع ذلك، فإن غالبية الخبراء الاستراتيجيين والدبلوماسيين السابقين يرون أن احتمال لجوء رئيس وزراء إسرائيل بنيامين نتنياهو إلى هذا الخيار يظل ضعيفاً للغاية، حتى لو اتسعت الحرب واستمرت إيران في توجيه ضربات موجعة لإسرائيل. ويربط هؤلاء تقديرهم بعدة عوامل إستراتيجية وسياسية وعسكرية، تتعلق بطبيعة العقيدة النووية الإسرائيلية، وبالتوازنات الدولية، وبالجدوى العسكرية المحدودة لأي ضربة نووية تكتيكية، فضلاً عن التداعيات الخطيرة لكسر المحظور النووي الذي استقر في النظام الدولي منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.
أول هذه العوامل يتعلق بطبيعة الدور الذي تلعبه الترسانة النووية الإسرائيلية في التفكير الإستراتيجي للدولة العبرية. فإسرائيل لا تعترف رسمياً بامتلاك أسلحة نووية، لكنها تتبع منذ عقود سياسة تعرف باسم “الغموض النووي”، أي الامتناع عن تأكيد أو نفي امتلاك هذا السلاح. وتقدّر معظم الدراسات الإستراتيجية أن إسرائيل تمتلك ما بين ثمانين ومئتي رأس نووي. غير أن الهدف الأساسي لهذه الترسانة، وفقاً للخبراء في واشنطن، ليس استخدامها في ساحة المعركة، بل ردع أي تهديد وجودي قد يهدد بقاء الدولة.
في الأدبيات الأمنية الإسرائيلية يرتبط السلاح النووي أحياناً بما يعرف بـ "خيار شمشون"، أي استخدامه فقط في حال تعرض الدولة لخطر وجودي حقيقي. وحتى مع اتساع الحرب مع إيران، يرى كثير من المحللين أن الصراع الحالي لا يصل إلى مستوى التهديد الوجودي الذي قد يدفع إسرائيل إلى كسر المحظور النووي.
العامل الثاني يتعلق بالكلفة السياسية والدبلوماسية الهائلة لاستخدام السلاح النووي. فلو أقدمت إسرائيل على هذه الخطوة، ستكون أول دولة تستخدم هذا السلاح منذ عام 1945. ومن المرجح أن يؤدي ذلك إلى موجة إدانة دولية شبه كاملة، وإلى فرض عقوبات اقتصادية وسياسية قاسية. كما قد تتعرض العلاقات الإستراتيجية بين إسرائيل والولايات المتحدة لهزة عميقة، إذ إن واشنطن تغض الطرف منذ عقود عن الغموض النووي الإسرائيلي ضمن تفاهم غير معلن يقوم على عدم استخدام هذا السلاح. كما أن كسر هذا التفاهم سيضع إسرائيل في عزلة دولية غير مسبوقة، ويعيد فتح ملفها النووي في المؤسسات الدولية، بما في ذلك مجلس الأمن والوكالة الدولية للطاقة الذرية.
وفي هذا السياق يشير بعض الخبراء في واشنطن إلى أن إسرائيل استطاعت طوال عقود أن تتحرك في المنطقة بدرجة كبيرة من الحرية الإستراتيجية، مدعومة بحماية سياسية وعسكرية أميركية واسعة، ما جعلها تتصرف باستمرار وكأنها فوق المساءلة الدولية. غير أن هذا الواقع قد يتغير جذرياً إذا أقدمت إسرائيل على كسر المحظور النووي. فمجرد استخدام سلاح نووي، حتى لو كان تكتيكياً ومحدوداً، قد يقلب البيئة السياسية والدبلوماسية المحيطة بإسرائيل، ويضعها تحت ضغوط دولية غير مسبوقة، بما في ذلك من قبل شركائها الغربيين بما يشمل الولايات المتحدة.
العامل الثالث يتعلق بالجدوى العسكرية المحدودة لمثل هذه الضربة. فالمرافق النووية الإيرانية الرئيسية، مثل منشأتي فوردو ونطنز، تقع تحت الأرض بعمق كبير ومحصنة بطبقات من الحماية. وحتى استخدام سلاح نووي تكتيكي لا يضمن بالضرورة تدمير هذه المنشآت بشكل كامل.
في المقابل، تمتلك إسرائيل بالفعل مجموعة واسعة من الأدوات العسكرية الأميركية التقليدية المتطورة، بما في ذلك القنابل الخارقة للتحصينات، والقدرات السيبرانية، والضربات الجوية الدقيقة، إضافة إلى العمليات الاستخباراتية السرية. ولهذا يرى عدد من الخبراء أن الخيارات التقليدية قد تحقق الهدف العسكري نفسه من دون المخاطرة بالتصعيد النووي.
العامل الرابع يتمثل في استمرار ما يسميه الباحثون "المحظور النووي"، وهو القاعدة غير المكتوبة التي نشأت منذ نهاية الحرب العالمية الثانية والتي امتنعت بموجبها الدول النووية عن استخدام هذا السلاح في النزاعات المسلحة. حتى القوى النووية الكبرى تجنبت استخدامه رغم خوضها حروباً عديدة خلال العقود الماضية.
بالنسبة لإسرائيل، التي تعتمد إلى حد كبير على الدعم السياسي والعسكري الغربي، فإن كسر هذا المحظور قد يترتب عليه ثمن سياسي وأخلاقي هائل.
العامل الخامس يتعلق بخطر التصعيد الإقليمي والانتشار النووي. فإقدام إسرائيل على استخدام سلاح نووي ضد إيران قد يفتح الباب أمام سلسلة من التطورات الخطيرة في الشرق الأوسط. وقد يشمل ذلك ردوداً إيرانية واسعة بالصواريخ أو عبر حلفائها في المنطقة، إضافة إلى تسارع سباق التسلح النووي.
فدول إقليمية كبرى مثل مصر، والسعودية و تركيا قد ترى في مثل هذا التطور دافعاً لتسريع برامجها النووية أو السعي لامتلاك قدرات ردع مماثلة، ما قد يحول الشرق الأوسط إلى واحدة من أكثر مناطق العالم خطورة من حيث انتشار الأسلحة النووية.
العامل السادس يرتبط بطبيعة الجغرافيا الإيرانية نفسها. فإيران دولة واسعة المساحة ذات بنية سياسية وعسكرية موزعة على نطاق جغرافي كبير. وحتى لو استخدمت إسرائيل سلاحاً نووياً تكتيكياً، فمن المرجح أن تكون الضربة محدودة جداً من حيث عدد الأهداف. عملياً، قد تتمكن إسرائيل من استهداف موقع أو موقعين فقط، لكن ذلك لن يؤدي إلى شل الدولة الإيرانية بالكامل. وقد تتمكن طهران من امتصاص الضربة وإعادة تنظيم قدراتها العسكرية والسياسية، ما يقلل من القيمة الإستراتيجية لأي استخدام نووي.
العامل السابع يتعلق بالتقاليد العسكرية الإسرائيلية التي تميل إلى الضربات الوقائية التقليدية بدلاً من التصعيد النووي. فقد اعتمدت إسرائيل في الماضي على عمليات عسكرية دقيقة لتدمير برامج نووية معادية، مثل تدمير المفاعل النووي العراقي عام 1981، وضرب المفاعل النووي السوري عام 2007. هذه السوابق تعكس تفضيل إسرائيل العمليات المحدودة والدقيقة التي تحقق أهدافاً إستراتيجية من دون الانزلاق إلى تصعيد كارثي.
وفي خضم هذا الجدل، يلفت عدد من المحللين في واشنطن إلى أن تصاعد الحديث في الإعلام الأميركي عن احتمال استخدام سلاح نووي تكتيكي يعكس في جانب منه حالة القلق داخل مراكز القرار من مسار الحرب. فمجرد طرح هذا السيناريو في النقاش العام يدل على إدراك متزايد بأن التصعيد قد يخرج عن السيطرة. ومع ذلك، فإن معظم المسؤولين السابقين والخبراء يطرحون هذا الاحتمال في إطار التحليل النظري، وليس باعتباره خياراً سياسياً مطروحاً فعلياً على طاولة صناع القرار.
كما يشير بعض الباحثين إلى أن الغموض النووي الإسرائيلي كان تاريخياً جزءاً من معادلة ردع دقيقة في الشرق الأوسط، تقوم على امتلاك القدرة من دون استخدامها. فإذا كسرت إسرائيل هذا التوازن عبر استخدام فعلي للسلاح النووي، فإنها قد تقوض أحد أهم مصادر قوتها الإستراتيجية. فالغموض يمنح الردع قوة نفسية وسياسية، بينما الاستخدام الفعلي قد يحول السلاح النووي من أداة ردع إلى عبء إستراتيجي ثقيل.
أما في الحسابات العسكرية البحتة، فيرى خبراء أن الضربة النووية التكتيكية لا توفر حلاً سريعاً لمعضلة البرنامج النووي الإيراني. فطبيعة المنشآت الإيرانية الموزعة والمحصنة، إضافة إلى قدرة الدولة الإيرانية على إعادة البناء، تعني أن أي ضربة، مهما كانت قاسية، قد تؤدي فقط إلى تأخير البرنامج وليس إنهائه. بل قد تمنح طهران مبرراً سياسياً داخلياً ودولياً لتسريع تطوير قدراتها النووية بصورة علنية.
في المحصلة، قد تلجأ إسرائيل إلى تصعيد عسكري واسع باستخدام أدوات تقليدية متقدمة إذا استمرت الحرب في التوسع. لكن استخدام سلاح نووي تكتيكي سيحمل كلفة إستراتيجية وسياسية هائلة، في مقابل فائدة عسكرية محدودة. ولهذا السبب، ورغم تصاعد الحديث عنه في بعض الأوساط الإعلامية والتحليلية، يبقى احتمال اللجوء إلى هذا الخيار ضعيفاً للغاية.