دخلت العشر الأواخر من شهر رمضان المبارك هذا العام على المسجد الأقصى بمشهد مغاير تماماً لما ألفته مدينة القدس منذ عقود، حيث بدت الساحات التي كانت تضج بعشرات آلاف المعتكفين خالية وموحشة. وأوصدت سلطات الاحتلال الأبواب أمام المصلين، مانعة إياهم من الوصول إلى المسجد أو حتى دخول البلدة القديمة، في إجراء يعد الأول من نوعه منذ احتلال شرقي القدس عام 1967.
وفي ظل هذه القيود المشددة، اقتصرت الصلوات داخل المسجد على خمسة أشخاص فقط، هم الإمام والمؤذن ومقيم الصلاة وحارس المنبر ومدير المسجد، بينما غابت أصوات المصلين الذين كانوا يملأون الأروقة والساحات. وأفادت مصادر ميدانية بأن نبرة الحزن طغت على أداء الأئمة في ظل غياب المصلين الذين اعتادوا تلبية نداء الصلاة في هذا الحيز المقدس.
ووصف أحد أئمة المسجد الأقصى، الذي يؤم المصلين منذ أكثر من أربعة عقود، الوضع الحالي بـ 'تغييب قسري' للمصلين، مشيراً إلى أن المسجد كان يغص بالوافدين من القدس والداخل الفلسطيني ومن خارج البلاد أيضاً. وأبدى الإمام تأثره الشديد لرؤية أولى القبلتين فارغة في وقت كان من المفترض أن يكون فيه المسجد عامراً بالذكر والاعتكاف على مدار الساعة.
ومنذ اندلاع التوترات العسكرية الأخيرة في المنطقة في الثامن والعشرين من فبراير الماضي، تقتصر الصلوات في الأقصى على السماعات الداخلية فقط، مما يحرم أهالي البلدة القديمة من سماع صوت الأذان والصلاة. كما استمر إغلاق مصلى قبة الصخرة المشرفة بشكل كامل، مما زاد من عزلة المسجد وتفريغه من رمزيته الروحانية والاجتماعية المعتادة في رمضان.
ويعبر المقدسيون عن غصة عميقة جراء هذا الحرمان، حيث يضطر الأئمة للصلاة في مساجد قريبة من منازلهم لتعويض غيابهم القسري عن محراب الأقصى. ويواجه هؤلاء الأئمة تساؤلات ملحة وموجعة من المصلين حول موعد إعادة فتح المسجد، وهي تساؤلات تبقى بلا إجابات واضحة في ظل استمرار 'حالة الطوارئ' التي يفرضها الاحتلال.
من جانبه، اعتبر الطبيب المقدسي مجد الهدمي، الذي يتطوع كإمام ومؤذن منذ 15 عاماً أن ما يحدث هو 'حرمان غير معقول' وتسييس واضح للإجراءات الأمنية. وأكد الهدمي أن الذرائع التي يسوقها الاحتلال حول غياب الملاجئ غير منطقية، نظراً لمتانة بناء المصليات التاريخية التي تفوق في تحصينها الملاجئ الحديثة، مما يشير إلى أهداف أخرى خلف التفريغ.
وشدد الهدمي على أن الأقصى يمثل حيزاً اجتماعياً وروحياً فريداً يلتقي فيه الفلسطينيون من مختلف المناطق، وهو ما يسعى الاحتلال لتقويضه عبر قطع شريان الحياة عن المدينة. ويرى أن غياب الهوية العربية والإسلامية عن القدس في هذه الأيام المباركة هو أمر مدروس بعناية لفرض واقع جديد ينهي الوجود الفلسطيني الجماعي في المسجد.
الأقصى حزين ولا يوجد في رحابه أحد؛ لم أكن أتخيل يوماً أن أرى أولى القبلتين فارغة من عمارها في أقدس ليالي العام.
وتشير البيانات التاريخية إلى أن إغلاق المسجد الأقصى ومنع صلاة الجمعة فيه تكرر خمس مرات فقط منذ عام 1967، كان آخرها خلال الأيام الماضية تزامناً مع الهجوم العسكري الجاري. ويعكس هذا التكرار في الآونة الأخيرة تسارعاً في استخدام الإغلاق الشامل كأداة عقابية وسياسية ضد المقدسيين والمقدسات الإسلامية.
وحذرت محافظة القدس من أن هذه الإجراءات تندرج ضمن مخطط ممنهج لفرض السيطرة الاحتلالية المباشرة على إدارة المسجد وتهميش دور دائرة الأوقاف الإسلامية. وأوضحت المحافظة أن الاحتلال يستغل الظروف الراهنة لتغيير الوضع القانوني والتاريخي القائم (Status Quo) الذي يعترف بالوصاية الإسلامية على المقدسات.
وأكد عمر الرجوب، مدير دائرة الإعلام في المحافظة أن الإغلاق يهدف إلى تثبيت النفوذ الإسرائيلي وتهيئة الأرضية لمخططات تهويدية مستقبلية في الحرم القدسي. واعتبر أن منع المصلين من الوصول إلى باحات الأقصى في أكثر الأوقات قدسية يمثل انتهاكاً صارخاً للحقوق الدينية المكفولة دولياً وتحدياً للمجتمع الدولي.
وتضمنت القيود الإسرائيلية الأخيرة منع الاعتكاف بشكل كامل، ووقف إدخال احتياجات المصلين والموظفين، بالإضافة إلى تفعيل دوريات عسكرية مسلحة داخل الساحات. كما طالت الإجراءات 'دار الحديث الشريف' عبر منع الحلقات العلمية، في محاولة واضحة لتجفيف المنابع الثقافية والدينية داخل المسجد الأقصى.
وفي مقابل التضييق على المسلمين، رصدت مصادر محلية زيادة في أوقات اقتحامات المستوطنين للمسجد، وتسليم مئات قرارات الإبعاد بحق المرابطين والناشطين وموظفي الأوقاف. وتكشف هذه الازدواجية في التعامل عن نية مبيتة لتمكين الوجود اليهودي في المسجد على حساب الحقوق الإسلامية الأصيلة، مستغلين حالة الحرب المعلنة.
وترى الفعاليات المقدسية أن الاحتلال يبعث برسائل سياسية مفادها أن السيطرة الكاملة على الأقصى باتت ممكنة، وأنه يمتلك القدرة على فرض واقع جديد دون رادع. وتعتبر هذه الرسائل إشارة خطيرة للمجتمعين المحلي والدولي حول مستقبل المدينة المقدسة ومقدساتها التي تواجه تهديداً وجودياً غير مسبوق تحت غطاء 'الأمن'.
وختاماً، يبقى المسجد الأقصى في هذه الليالي المباركة أسيراً لإجراءات عسكرية حولت ساحاته إلى ثكنة، بينما ينتظر الفلسطينيون عيداً قد لا تكتمل فرحته إلا بالعودة إلى رحاب مسجدهم. وتظل التساؤلات قائمة حول مدى قدرة الصمود الشعبي والدبلوماسي على استعادة الوضع القائم وحماية هوية القدس من التشويه والتهويد المستمر.





شارك برأيك
الأقصى في العشر الأواخر.. ساحات خالية وقرارات إغلاق غير مسبوقة منذ عام 1967