واشنطن – سعيد عريقات – 12/3/2026
في خطوة جديدة ضمن سياستها الرامية إلى "تجفيف مصادر تمويل الجماعات التي تصنفها إرهابية"، أعلنت الولايات المتحدة فرض عقوبات على أربع جمعيات خيرية قالت إنها تعمل كواجهة لتمويل حركة حماس، وتحديداً جناحها العسكري المعروف باسم "كتائب عز الدين القسام" وذلك بحسب بيان صدر عن وزارة الخارجية الأميركية يوم الخميس. وتقول الإدارة الأميركية إن هذه الجمعيات تستخدم العمل الإنساني كغطاء لجمع الأموال وتحويلها إلى أنشطة عسكرية في قطاع غزة.
وبحسب البيان رسمي الذي استلمت جريد القدس نسخة عنه، فإن هذه الإجراءات تأتي في إطار الجهود الأميركية لتعطيل قنوات التمويل التي تعتمد عليها الحركة، وللكشف عما وصفته واشنطن بـ"استغلال المنظمات المدنية والخيرية" في دعم أنشطة عسكرية. وترى الإدارة الأميركية أن هذه الشبكات المالية تشكل أحد الأعمدة الأساسية التي تسمح لحماس بالحفاظ على قدراتها التنظيمية والعسكرية داخل غزة وخارجها.
وأكدت واشنطن أن العقوبات تستهدف "شبكة تمويل غير مشروعة"، وأنها تهدف إلى قطع الطريق أمام التدفقات المالية التي قد تُستخدم في دعم العمليات العسكرية للحركة. كما شددت على أن هذه الإجراءات تندرج ضمن استراتيجية أوسع لمكافحة تمويل الإرهاب، تشمل مراقبة المؤسسات المالية والجمعيات التي يُشتبه في تورطها في تحويل الأموال إلى جماعات مسلحة.
وبحسب البيان "تؤكد الإدارة الأميركية في الوقت نفسه أنها لا تستهدف العمل الإنساني في حد ذاته، بل تسعى إلى ضمان وصول المساعدات الإنسانية إلى المدنيين الفلسطينيين" عبر منظمات "موثوقة وآمنة"، بعيدة عن أي استغلال سياسي أو عسكري. وتشدد واشنطن على أنها تدعم الجهود الدولية الرامية إلى تحسين الأوضاع الإنسانية للفلسطينيين، بالتوازي مع العمل من أجل تحقيق سلام دائم في المنطقة.
وتستند هذه العقوبات إلى الأمر التنفيذي رقم 13224 الخاص بمكافحة الإرهاب، والذي أُصدر في أعقاب هجمات 11 أيلول 2001، ويمنح الحكومة الأميركية صلاحيات واسعة لتجميد الأصول المالية وفرض قيود على الأفراد أو الكيانات التي يُشتبه في دعمها لأنشطة إرهابية. وقد سبق أن أدرجت وزارة الخارجية الأميركية حركة حماس ضمن قائمة المنظمات الإرهابية بموجب هذا الأمر التنفيذي في 31 تشرين الأول2001.
كما تُصنّف الولايات المتحدة الحركة أيضاً كـ"منظمة إرهابية أجنبية" وفق المادة 219 من قانون الهجرة والجنسية، وهو تصنيف يتيح فرض عقوبات إضافية، ويجعل تقديم أي دعم مادي للحركة جريمة يعاقب عليها القانون الأميركي.
وتقول وزارة الخزانة الأميركية إن الإجراءات الجديدة تأتي بعد تحقيقات مالية موسعة، رصدت خلالها ما اعتبرته نمطاً متكرراً من استخدام المؤسسات الخيرية لجمع التبرعات وتحويلها إلى قنوات مرتبطة بحماس. وتضيف أن العقوبات تشمل تجميد أي أصول قد تكون خاضعة للولاية القضائية الأميركية، إضافة إلى حظر التعامل المالي مع هذه الكيانات.
وترى واشنطن أن هذه الخطوة تشكل جزءاً من سياسة أوسع تهدف إلى تضييق الخناق على البنية المالية للحركة، ليس فقط داخل الأراضي الفلسطينية، بل أيضاً عبر شبكات الدعم في الخارج.
وتعكس هذه الخطوة استمرار النهج الأميركي التقليدي في التعامل مع حركة حماس، والذي يركز أساساً على الأدوات المالية والقانونية لتقويض قدرات الحركة. فواشنطن تعتبر أن البنية المالية لحماس لا تقل أهمية عن بنيتها العسكرية، وأن ضرب مصادر التمويل يمكن أن يضعف قدرتها على الصمود والتنظيم. غير أن منتقدين يرون أن هذا النهج يتجاهل السياق السياسي الأوسع للصراع الفلسطيني-الإسرائيلي، حيث إن الضغط المالي وحده لم ينجح خلال العقود الماضية في إنهاء نفوذ الحركة أو تقليص حضورها الشعبي في قطاع غزة.
ويثير استهداف الجمعيات الخيرية دائماً جدلاً واسعاً في الأوساط الإنسانية والحقوقية، لأن الخط الفاصل بين العمل الإنساني والعمل السياسي في مناطق النزاع غالباً ما يكون هشاً. ففي غزة، تعتمد شرائح واسعة من السكان على مؤسسات خيرية لتوفير الغذاء والرعاية الصحية والتعليم. لذلك يخشى بعض المراقبين أن تؤدي القيود المالية والعقوبات إلى تعقيد عمل المنظمات الإنسانية الشرعية، أو إلى تقليص تدفق التبرعات الدولية، وهو ما قد ينعكس مباشرة على المدنيين الذين يعيشون أصلاً في ظروف إنسانية صعبة.
سياسياً، تأتي هذه العقوبات في سياق أوسع من التوترات الإقليمية والتصعيد العسكري المتكرر في المنطقة. فالإدارات الأميركية المتعاقبة استخدمت العقوبات الاقتصادية كأداة رئيسية في سياساتها الشرق أوسطية، سواء تجاه دول أو جماعات مسلحة. لكن التجربة تشير إلى أن العقوبات، رغم قدرتها على إضعاف بعض الشبكات المالية، نادراً ما تكون كافية وحدها لإحداث تحول سياسي جذري. ولذلك يرى بعض المحللين أن مثل هذه الإجراءات تعكس إدارة للصراع أكثر مما تعكس إستراتيجية شاملة لحله.





شارك برأيك
الولايات المتحدة تفرض عقوبات على شبكة جمعيات مرتبطة بحماس