تحليل

الأربعاء 17 يونيو 2026 12:22 مساءً - بتوقيت القدس

بين الدبلوماسية والشكوك: ماذا يعني الاتفاق الإيراني–الأميركي المرتقب؟

رسالة واشنطن




واشنطن – سعيد عريقات – 17/6/2026


تحليل إخباري


بينما تتجه الأنظار إلى جنيف حيث تتحدث تسريبات دبلوماسية متزايدة عن احتمال توقيع اتفاق جديد بين الولايات المتحدة وإيران في 19 حزيران، لا يزال الغموض يحيط بالتفاصيل النهائية للتفاهم المرتقب. فحتى الآن لم يصدر إعلان رسمي يؤكد اكتمال الاتفاق أو موعد توقيعه بصورة نهائية، غير أن المؤشرات المتراكمة توحي بأن الطرفين يقتربان من لحظة سياسية قد تكون الأهم في علاقاتهما منذ انهيار الاتفاق النووي السابق.


ويأتي هذا التطور بعد أشهر من التوترات العسكرية والضغوط الاقتصادية المتبادلة التي دفعت المنطقة إلى حافة مواجهة واسعة النطاق. غير أن التطورات الأخيرة كشفت أن كلاً من واشنطن وطهران توصل إلى استنتاج متشابه: استمرار التصعيد يحمل مخاطر أكبر من الفوائد المحتملة. فمن جهة، أدركت الإدارة الأميركية أن أي حرب مفتوحة مع إيران قد تفرض أثماناً اقتصادية وعسكرية باهظة يصعب تبريرها أمام الرأي العام الأميركي. ومن جهة أخرى، وجدت إيران نفسها أمام ضغوط اقتصادية متزايدة وحاجة ملحة إلى تخفيف العزلة المالية التي أثقلت اقتصادها خلال السنوات الأخيرة.


وبحسب ما تسرب من أوساط دبلوماسية غربية، يتركز الاتفاق على البرنامج النووي الإيراني وآليات الرقابة الدولية ومستويات التخصيب المسموح بها، مقابل تخفيف تدريجي لبعض العقوبات الاقتصادية والمالية المفروضة على طهران. كما يتوقع أن تضطلع الوكالة الدولية للطاقة الذرية بدور محوري في عمليات التحقق والمتابعة، بما يضمن وجود آلية رقابية دائمة تسمح بقياس مدى التزام إيران ببنود الاتفاق.


وتشير المعلومات المتداولة أيضاً إلى احتمال الإفراج التدريجي عن جزء من الأصول الإيرانية المجمدة في الخارج، والسماح بزيادة محدودة في صادرات النفط الإيرانية، وهو ما قد يمنح الاقتصاد الإيراني متنفساً يحتاجه بشدة. كما يجري الحديث عن إنشاء آليات مشتركة لمعالجة الخلافات المحتملة ومنع انهيار الاتفاق عند أول أزمة سياسية أو أمنية، وهي نقطة يراها المفاوضون ضرورية في ضوء التجارب السابقة بين البلدين.


ومع ذلك، لا تزال ملفات أساسية محاطة بالغموض. فليس واضحاً بعد حجم القيود المفروضة على البرنامج النووي الإيراني أو مدتها الزمنية، كما لم تتضح تفاصيل آلية إعادة فرض العقوبات في حال وقوع خرق للاتفاق. كذلك تبقى ملفات الصواريخ الباليستية والنفوذ الإقليمي الإيراني من بين أكثر القضايا حساسية، خصوصاً أنها كانت محور خلافات عميقة بين واشنطن وحلفائها الإقليميين خلال السنوات الماضية.


وفي الولايات المتحدة، بدأ الاتفاق المرتقب يثير انقساماً سياسياً واضحاً حتى قبل الإعلان عنه رسمياً. فالمعسكر المؤيد يضم عدداً من الدبلوماسيين السابقين وخبراء الحد من الانتشار النووي وشخصيات سياسية بارزة ترى أن الدبلوماسية، رغم عيوبها، تبقى الخيار الأكثر واقعية لمنع اندلاع حرب جديدة. ومن بين الأسماء التي يتوقع أن تدافع عن الاتفاق السناتور بيرني ساندرز والسناتور كريس مورفي ووزير الخارجية الأسبق جون كيري، إضافة إلى عدد من الخبراء المرتبطين بمؤسسات بحثية مؤثرة مثل معهد كوينسي ومؤسسة كارنيغي.


ويجادل هؤلاء بأن العقوبات والضغوط العسكرية لم تنجح في وقف البرنامج النووي الإيراني بصورة كاملة، وأن غياب الاتفاق قد يترك إيران أكثر تحرراً في تطوير قدراتها النووية. كما يرون أن الولايات المتحدة تحتاج إلى تركيز مواردها على تحديات استراتيجية أخرى، في مقدمتها المنافسة مع الصين والتطورات الدولية المتسارعة في آسيا وأوروبا.


في المقابل، يرفض معسكر واسع من المحافظين والجمهوريين المتشددين أي اتفاق جديد مع طهران. ويبرز في هذا الاتجاه السناتور توم كوتون والسناتور تيد كروز والسناتور ليندسي غراهام ووزير الخارجية السابق مايك بومبيو ومستشار الأمن القومي السابق جون بولتون. ويعتبر هؤلاء أن أي تخفيف للعقوبات سيمنح إيران موارد إضافية يمكن استخدامها لتعزيز نفوذها الإقليمي، ويرون أن الضغوط الاقتصادية كانت تؤتي ثمارها وكان ينبغي مواصلتها بدلاً من العودة إلى طاولة المفاوضات.


أما على الصعيد الاقتصادي، فإن أهمية الاتفاق تتجاوز حدود العلاقة الثنائية بين واشنطن وطهران. فاستقرار الأوضاع في الخليج يظل عاملاً مؤثراً في أسواق الطاقة العالمية، وأي تراجع في احتمالات المواجهة العسكرية قد ينعكس إيجاباً على أسعار النفط وحركة التجارة الدولية. كما أن انخفاض مستوى التوتر الجيوسياسي قد يساهم في تعزيز ثقة المستثمرين والحد من التقلبات التي شهدتها الأسواق خلال فترات التصعيد السابقة.


وتدرك إدارة الرئيس دونالد ترمب أن هذا البعد الاقتصادي يحمل أهمية سياسية خاصة مع اقتراب الانتخابات النصفية المقبلة. فإذا نجح الاتفاق في تحقيق قدر من الاستقرار وخفض المخاوف المرتبطة بالطاقة والتضخم، فقد تتمكن الإدارة من تقديمه بوصفه دليلاً على نجاح سياستها الخارجية. أما إذا تعثر التنفيذ أو ظهرت خلافات مبكرة بين الطرفين، فقد يتحول الاتفاق إلى مادة رئيسية للهجوم السياسي من جانب خصوم البيت الأبيض.


 


وفي هذا السياق، يبدو أن مفهوم "النصر" لدى إدارة ترمب يختلف عن المفاهيم التقليدية المرتبطة بالحسم العسكري. فالإدارة لا تنظر بالضرورة إلى إسقاط النظام الإيراني أو الدخول في مواجهة مفتوحة باعتبارهما معياراً للنجاح، بل ترى أن إجبار الخصم على العودة إلى التفاوض وقبول قيود جديدة يمكن أن يشكل إنجازاً سياسياً واستراتيجياً بحد ذاته. ومن هذا المنطلق، قد تسعى الإدارة إلى تسويق الاتفاق باعتباره دليلاً على نجاح سياسة الضغوط القصوى في دفع إيران إلى تقديم تنازلات لم تكن مستعدة لتقديمها سابقاً.


في المقابل، تعرف الإدارة الهزيمة بأنها الانجرار إلى حرب طويلة ومكلفة من دون أهداف قابلة للتحقيق أو تأييد شعبي كافٍ. ولذلك فإن تجنب المواجهة العسكرية الواسعة يشكل جزءاً أساسياً من الحسابات التي دفعت واشنطن إلى تفضيل المسار الدبلوماسي على استمرار التصعيد.


ويبقى أحد أكثر الأسئلة حساسية مرتبطاً بإسرائيل ورئيس وزرائها بنيامين نتنياهو. فالتجارب السابقة أظهرت أن أي تفاهم أميركي–إيراني يثير قلقاً عميقاً لدى الحكومة الإسرائيلية، التي تخشى أن يؤدي تخفيف الضغوط إلى تعزيز قدرات إيران على المدى الطويل. ومن المرجح أن تمارس واشنطن ضغوطاً سياسية وأمنية على نتنياهو لتجنب أي خطوات قد تهدد الاتفاق، غير أن قدرة البيت الأبيض على فرض إرادته ستظل محكومة بالتوازنات الداخلية الأميركية وبحجم الدعم الذي تحظى به إسرائيل داخل الكونغرس.


في النهاية، لا تكمن أهمية الاتفاق المرتقب في توقيعه فحسب، بل في قدرته على الصمود بعد التوقيع. فالتاريخ الطويل من انعدام الثقة بين واشنطن وطهران، ووجود معارضين أقوياء للاتفاق في الولايات المتحدة وإيران وإسرائيل، يجعل من مرحلة التنفيذ الاختبار الحقيقي لأي تفاهم يتم التوصل إليه. وإذا نجح الاتفاق في تجاوز هذه العقبات، فقد يفتح الباب أمام مرحلة جديدة من إدارة الصراعات الإقليمية عبر الدبلوماسية بدلاً من المواجهات العسكرية. أما إذا فشل، فسيعزز الأصوات الداعية إلى العودة لمنطق القوة، ويعيد المنطقة إلى دائرة التوتر التي حاولت المفاوضات الحالية الخروج منها.

دلالات

شارك برأيك

بين الدبلوماسية والشكوك: ماذا يعني الاتفاق الإيراني–الأميركي المرتقب؟

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.