تحليل

الأربعاء 17 يونيو 2026 1:07 صباحًا - بتوقيت القدس

مستقبل الإسلام السياسي في ميزان التحولات: هل طوت حرب إيران صفحة الأيديولوجيا؟

تواجه تجربة الإسلام السياسي في الشرق الأوسط اختباراً وجودياً غير مسبوق، حيث تزايدت التساؤلات حول نهاية هذه المرحلة التاريخية التي بدأت مع الثورة الإيرانية عام 1979. فبعد عقود من محاولة تصدير النموذج الثوري القائم على ولاية الفقيه، تجد طهران نفسها اليوم في مواجهة واقع مرير فرضته الحرب الأخيرة مع الولايات المتحدة وإسرائيل، والتي أدت إلى خسارات فادحة في الأرواح والعتاد.

لقد رسم آية الله الخميني عند تأسيس الدولة ملامح حكم إسلامي يوزع العدالة ويدعم المستضعفين، معتبراً أن إيران ستكون نموذجاً لتحرير المسلمين في كل مكان. إلا أن هذا الطموح اصطدم بواقع العزلة الدولية العميقة والاحتجاجات الداخلية المتكررة، حيث عبر جيل الشباب الإيراني عن استيائه من القيود الأخلاقية الصارمة والفشل الاقتصادي الناتج عن العقوبات والحروب المستمرة.

أفادت مصادر بأن الحرب التي اندلعت في فبراير 2026 كشفت عن حدود القوة العسكرية والأيديولوجية لإيران، فرغم صمود النظام في السلطة، إلا أنه فقد قيادات تاريخية وازنة. وقد اضطر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في نهاية المطاف للموافقة على إطار اتفاق سلام يعيد إنتاج تفاهمات عام 2015، بعد أن استنزفت الحرب مخزونات الصواريخ الدقيقة الأمريكية دون تحقيق سحق كامل للخصم.

على صعيد المنطقة العربية، شهدت السنوات الأخيرة تراجعاً ملحوظاً في نفوذ الأحزاب المستلهمة من الدين، حيث فشلت حركات الربيع العربي في الحفاظ على مكتسباتها السياسية. ففي مصر، أطاح الجيش بحكم الإخوان المسلمين عام 2013 بعد احتجاجات شعبية، بينما شهدت تونس تحولاً نحو السلطة المطلقة للرئيس قيس سعيد، مما أضعف حضور الإسلاميين في المشهد السياسي.

تشير استطلاعات الرأي الحديثة، مثل 'الباروميتر العربي'، إلى أن أغلبية المواطنين في دول مثل مصر والأردن والمغرب باتوا يفضلون فصل الدين عن الشأن العام. ولم يعد تأييد وجود رجال الدين في مراكز القرار يتجاوز عتبات منخفضة في معظم العواصم، باستثناء العراق الذي لا يزال يشهد نفوذاً قوياً للمؤسسة الدينية في توجيه السياسات العامة.

في المقابل، تبرز السعودية كنموذج للتحول الجذري بعيداً عن الوهابية التقليدية، حيث قاد ولي العهد الأمير محمد بن سلمان حملة لتقليص سلطة رجال الدين. واستبدلت المملكة الخطاب الديني المتشدد بنزعة قومية سعودية تركز على الترفيه والسياحة وجذب الاستثمارات العالمية، في إطار رؤية اقتصادية تهدف لتنويع مصادر الدخل بعيداً عن النفط.

أما في سوريا، فقد قدم أحمد الشرع نموذجاً لافتاً للتحول من الفكر الجهادي المتشدد إلى براغماتية الحكم، حيث يسعى لتقديم نفسه كزعيم سياسي تقليدي. فبعد انتصار قواته في عام 2024، ظهر الشرع بزي مدني في لقاءات دولية، بما في ذلك لقاؤه مع ترامب، مؤكداً على أولوية الاستقرار الوطني على حساب فرض القوانين الدينية المتطرفة.

يرى باحثون أن الإسلام السياسي يمر بمرحلة تشبه أفول الأيديولوجيات الكبرى كالشيوعية والبعثية، حيث فقدت هذه الحركات بريقها كحلول سحرية للمشاكل الاجتماعية. وقد ساهمت ممارسات تنظيمات متطرفة مثل 'داعش' و'القاعدة' في تشويه صورة العمل السياسي الإسلامي لدى قطاعات واسعة من المسلمين، مما دفع نحو البحث عن بدائل وطنية.

رغم هذا التراجع، لا يزال بعض قادة الحركات الإسلامية، مثل عمرو دراج، يعتقدون أن الدورة السياسية قد تعيدهم للواجهة مرة أخرى بسبب استمرار القمع الاستبدادي. ويجادل هؤلاء بأن غياب العدالة الاجتماعية في الأنظمة الحالية يبقي الباب مفتوحاً أمام عودة الشعارات الدينية كأداة للتعبئة الشعبية ضد الفساد والتبعية للقوى الخارجية.

تؤكد مصادر تحليلية أن الحرب الإيرانية الأخيرة، رغم تدميرها للبنية التحتية العسكرية، قد منحت المتشددين في طهران ذريعة لتعزيز قبضتهم تحت مسمى 'المقاومة'. ويرى خبراء أن هدية ترامب للإيرانيين كانت في تحويل الصراع من مواجهة حول الحريات الداخلية إلى معركة سيادة وطنية ضد الهيمنة الأجنبية، وهو ما قد يطيل عمر النظام الديني.

لقد أثبتت التجربة الإيرانية أن البقاء في السلطة لا يعني بالضرورة نجاح المشروع الأيديولوجي، حيث تحولت الدولة من منارة للثورة إلى كيان يعتمد على العنف للحفاظ على وجوده. ومع غياب الدعم الشعبي الحقيقي، تضطر هذه الأنظمة لاستخدام الرموز الوطنية والقانون الدولي بدلاً من الحجج الدينية لمخاطبة العالم وحشد الداخل.

في بنغلاديش ودول أخرى، أظهرت الحركات الاحتجاجية الحديثة أن المطالب الشعبية باتت تتركز حول حقوق المرأة والعدالة السياسية بعيداً عن الأطر الدينية التقليدية. هذا الفصل المتزايد بين الممارسة الدينية الشخصية والعمل السياسي العام يشير إلى نضج في الوعي الشعبي يتجاوز الشعارات التي سادت في ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي.

إن المشهد الراهن في الشرق الأوسط يعكس خريطة معقدة من التناقضات، حيث تتصارع بقايا الأحلام الثورية مع واقع الدول القومية الصاعدة. وبينما تضعف التنظيمات العابرة للحدود، تبرز الهويات الوطنية كبديل أكثر استقراراً وقبولاً لدى القوى الدولية، مما يقلص مساحة المناورة أمام حركات الإسلام السياسي التقليدية.

ختاماً، يبدو أن 'الإسلام هو الحل' لم يعد الشعار القادر على حسم الانتخابات أو ضمان استقرار الحكم في ظل التحديات الجيوسياسية الراهنة. ومع ذلك، فإن بقاء جذور الأزمات الاقتصادية والسياسية في المنطقة يعني أن الدين سيظل حاضراً في الفضاء العام، ولكن ربما بأشكال جديدة تبتعد عن نموذج الدولة الدينية الشمولية التي سعت إيران لفرضها.

دلالات

شارك برأيك

مستقبل الإسلام السياسي في ميزان التحولات: هل طوت حرب إيران صفحة الأيديولوجيا؟

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.