سلط تقرير حديث لصحيفة إزفيستيا الروسية الضوء على فاعلية الصناعة الصاروخية الإيرانية وقدرتها على التكيف مع الضربات العسكرية والعقوبات الدولية المشددة. وأشار التقرير إلى أن البنية التحتية العميقة التي شيدتها طهران تمنحها هامشاً واسعاً للمناورة بين التصعيد السريع أو الانخراط في حرب استنزاف طويلة الأمد.
واعتبرت المصادر الروسية أن التصريحات الصادرة من واشنطن بشأن قرب نفاد المخزون الصاروخي الإيراني تعد سابقة لأوانها ولا تعكس الواقع الميداني بدقة. فبالرغم من الهجمات المتكررة، لا تزال أجزاء حيوية من القدرات الإنتاجية تعمل من مواقع سرية تحت الأرض بعيداً عن أعين الأقمار الصناعية.
وفي سياق تقييم الخيارات المتاحة، يرى خبراء عسكريون أن القيادة الإيرانية توازن بين سيناريوهين؛ الأول يعتمد على 'المجازفة بكل شيء' عبر مضاعفة الهجمات لإرباك الدفاعات الجوية للخصم. أما السيناريو الثاني فيتمثل في 'الحرب الطويلة' التي تعتمد على الإدارة الدقيقة للذخائر وترشيد استخدامها لضمان الاستمرارية لعدة أشهر.
من جانبه، صرح وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو بأن طهران فقدت نحو نصف مخزونها الصاروخي، بالإضافة إلى تضرر كبير في قدراتها البحرية والجوية. وأضاف روبيو أن الضغوط الاقتصادية والتضخم والجفاف تزيد من ضعف الموقف الإيراني في أي مفاوضات محتملة للتوصل إلى اتفاق.
وتشير تقديرات استخباراتية لدى دولة الاحتلال إلى أن نحو 60% من منصات الإطلاق الإيرانية قد تعرضت للتدمير، مما أدى إلى اختلال في التوازن العملياتي. ومع ذلك، تؤكد المصادر أن إيران لا تزال قادرة على توظيف مخزونها المتبقي بفاعلية تصل إلى 40% من مستواها الذي كان قبل اندلاع المواجهة.
وبحسب تحليل استهلاك الذخائر، فقد تركز الاستنزاف في فئة الصواريخ قصيرة المدى مثل طرازات 'فاتح' و'ذوالفقار' و'قيام' التي شكلت العمود الفقري للهجمات الأخيرة. في المقابل، حافظت طهران على نسبة تتراوح بين 55% و70% من صواريخها الاستراتيجية متوسطة وبعيدة المدى مثل 'عماد' و'خرمشهر'.
ويؤكد الخبير العسكري يوري ليامين أن صور الأقمار الصناعية لا تظهر سوى 'قشرة' القدرات الإيرانية، بينما تظل خطوط التجميع وأنظمة خلط الوقود الصلب محمية في أعماق الجبال. هذه المنشآت الحصينة صُممت خصيصاً لتتحمل القصف الجوي المكثف وتستأنف العمل خلال ساعات قليلة من تعرض مداخلها للاستهداف.
الخطأ الجوهري في تقييم وضع صناعة الصواريخ الإيرانية يكمن في تجاهل حجم الاستراتيجية تحت الأرض التي بُنيت على مدى عقود.
وأوضح ليامين أن التجربة الميدانية في سوريا أثبتت فشل الضربات الجوية في تعطيل منشآت الإنتاج تحت الأرض بشكل نهائي. فإيران تمتلك القدرة التقنية على إزالة الأنقاض وإعادة فتح خطوط الإمداد، مما يجعل الرهان على شلل الصناعة الصاروخية رهاناً غير واقعي في المدى المنظور.
وعلى عكس التوقعات الغربية التي تنبأت بحاجة طهران لسنوات لترميم قدراتها، أظهرت الوقائع الميدانية قدرة الصناعة الإيرانية على العودة لإنتاج مئات الصواريخ شهرياً. هذا التعافي السريع يشير إلى وجود احتياطيات ضخمة من المعدات وقطع الغيار المخزنة في أماكن آمنة وجاهزة للتركيب.
وفيما يخص الحصار البحري، يرى المحللون أنه لا يشكل عائقاً حاسماً أمام تدفق المكونات التكنولوجية الصغيرة والحيوية. فإيران تستخدم المسارات البرية والتعاون عبر بحر قزوين، بالإضافة إلى قنوات توريد غير مباشرة عبر دول ثالثة لضمان استمرار دورة الإنتاج الصاروخي.
إن الوضع الراهن للصناعة العسكرية الإيرانية لا يشير إلى انهيار شامل، بل إلى تباطؤ مؤقت في وتيرة الإنتاج يمكن تجاوزه. وتمتلك طهران خبرة متراكمة في الالتفاف على العقوبات، مما يسمح لها بتعويض الخسائر في المنشآت السطحية عبر الاعتماد الكلي على المجمعات الصناعية الجبلية.
وتشير التقارير إلى أن الأنظمة الاستراتيجية الكبرى وبرامج الفضاء الإيرانية لم تدخل بعد دائرة الاستخدام المكثف في المواجهات الحالية. وهذا يعني أن طهران تحتفظ بـ 'أوراق قوة' لم تُستخدم بعد، مما يعزز من قدرتها على خوض صراع طويل الأمد يعتمد على استنزاف موارد الخصم.
ويرى مراقبون أن التقليل من شأن العمق البنيوي للمؤسسة العسكرية الإيرانية قد يؤدي إلى تقديرات استراتيجية خاطئة من قبل القوى الدولية. فالبنية العسكرية الصناعية في إيران صُممت طبقياً لتكون مقاومة للصدمات الكبرى، وهي مجهزة للعمل في ظروف الحرب الشاملة والانعزال التام.
ختاماً، يبقى التساؤل حول كمية الصواريخ المتبقية رهناً بقدرة إيران على الحفاظ على وتيرة التصنيع الحالية تحت ضغط النيران. ومع استمرار تدفق المكونات عبر المسارات البديلة، يبدو أن 'مخازن الاستنزاف' الإيرانية لا تزال تمتلك ما يكفي لإطالة أمد المواجهة وتغيير معادلات الردع في المنطقة.





شارك برأيك
لعبة الاستنزاف الصاروخي: هل تآكلت ترسانة طهران فعلياً تحت ضغط الضربات؟