أقلام وأراء

الأحد 14 يونيو 2026 11:29 صباحًا - بتوقيت القدس

عقود العمل السنوية وتطبيق صحيح القانون



إنّ علاقة العمل من أكثر العلاقات القانونية تواجداً وحساسية كونها لا تقوم فقط على التزامات متبادلة بين صاحب العمل والعامل، وإنما لارتباطها بشكل مباشر بمبدأ العدالة الاجتماعية و الاقتصادية وحماية الطرف الأضعف في العلاقة التعاقدية و هي العامل في أغلب الحالات.
إن قانون العمل الفلسطيني جاء ليضع إطاراً و تنظيماً يحفظ التوازن بين حق صاحب العمل، وحق العامل في الاستقرار والأمان الوظيفي، وأُركز هنا وأقول الأمان الوظيفي وعدم تحويل العمل إلى علاقة مؤقتة قابلة للإنهاء التعسفي تحت أي مسمى أو لإنهاء مؤقت لعلاقة العمل.
وللأسف الشديد، ظهرت وبرزت ظاهرة استخدام ما يسمى العقود السنوية كوسيلة أو كأداة في بعض الحالات لإفراغ الحماية القانونية للعامل من مضمونها، وذلك من خلال إبرام عقد لمدة عام، ثم إنهاء علاقة العمل قبل انتهاء العام بفترة قصيرة، وإعادة التعاقد معه بهدف تجنب الالتزامات القانونية المترتبة على الاستمرارية الفعلية لعلاقة العمل ظنّاً واعتقاداً من صاحب العمل أنه بهذه الوسيلة لن يتحمل أعباء او تكاليف سنوات نهاية مكافأة الخدمة أو التقاعد.
ولكن العبرة في العقود ليست فقط بالألفاظ التي ترد فيها، وإنما بحقيقة العلاقة وطبيعتها. فالعقد الذي يُسمى عقداً محدد المدة لا يجوز أن يكون وسيلة للتحايل على حقوق العامل أو للتهرب من الالتزامات التي فرضها القانون. ومتى ثبت أن العمل بطبيعته مستمر، وأن حاجة صاحب العمل للعامل دائمة وليست مؤقتة، وأن فترة الفرض على العامل بأن ينقطع عن عمله لمدة شهر أو أقل تحت بند الانقطاع، فإن ذلك يُعدّ التفافاً على قانون العمل، ولا يُعفي رب العامل من التزاماته القانونية تجاه العامل، ولا بأي صورة من الصور، فإن تكرار العقود وتجديدها بصورة نمطية قد يشكل قرينة على وجود علاقة عمل مستقرة وليست علاقة مؤقتة حقيقية.
إن حماية العامل ليست امتيازاً يُمنح له، بل هي تطبيق لمبدأ سيادة القانون، فالقواعد القانونية هدفها إرساء أركان عدالة و حماية مجتمعات و بناء نظام اقتصادي سليم و حماية دول و شعوب، جاءت لمنع اختلال ميزان القوة بين طرف يملك القدرة الاقتصادية والإدارية، وطرف يعتمد على أجره كمصدر أساسي للعيش.
وهنا يبرز دور وزارة العمل باعتبارها الجهة المسؤولة عن الرقابة على تطبيق أحكام قانون العمل، والذي لا بد لها أي وزارة العمل أن تقدم شيئاً ملموساً و مادياً تجاه دورها الحقيقي في بسط رقابتها ودورها في حماية العامل من أي اضطهاد أو انتقاص لحقوقه، إضافة إلى نشر الوعي بحقوق العمال، والتدخل عند وجود ممارسات تهدف إلى الانتقاص من الحماية القانونية المقررة لهم، فالقانون لا يكتفي بالنص، بل يحتاج إلى مؤسسات تضمن احترامه وتطبيقه، علماً أيضاً أن قانون العمل الفلسطيني منح وزارة العمل فرض عقوبات وغرامات ومخالفات في حال ثبوت وجود المخالفة.
كما يبقى القضاء العمالي الذي نفتقر لوجوده في بلادنا، والذي يجب على الجميع أن يعمل لإيجاد منظومة قضاء عمالية متخصصة لاعتبارها الضمانة الأساسية لإعادة الأمور إلى نصابها، من خلال النظر إلى حقيقة العلاقة وليس شكلها فقط، وتمحيص ظروف التعاقد، وبيان ما إذا كان العقد المحدد المدة عقداً حقيقياً أم مجرد وسيلة للالتفاف على حقوق العامل.
أما النقابات العمالية، فإن دورها لا يقتصر على الدفاع عن المطالب الاقتصادية، بل يمتد ليكون دوراً حقوقياً وقانونياً في حماية العامل من أي ممارسات تنتقص من ضماناته، والمساهمة في ترسيخ ثقافة احترام قانون العمل.
إن احترام العقود لا يعني احترام الشكل فقط، بل احترام الغاية التي وُجد القانون من أجلها العقد. فالقانون لا يحمي التحايل، ولا يسمح بأن تتحول العقود إلى وسيلة لإضعاف الحقوق التي أراد المشرّع حمايتها.
إن بناء سوق عمل عادل لا يتحقق إلا عندما يشعر العامل أن القانون يقف إلى جانبه، وأن الاستقرار الوظيفي ليس منّة من أحد، بل حق تنظمه قواعد العدالة والإنصاف.
وأخيراً و ليس آخراً، وبالرغم من قسوة الظروف الاقتصادية العامة لكل فئات الشعب الفلسطيني، فإن حماية حقوق العمال واجب أصيل ودور حقيقي، وليس شعارات، وهذا ينطبق أيضاً على العديد من الموظفين في القطاعات الخاصة.
وإن دفع الأجور للكثيرين اصبح دون الحد الأدنى للأجور المقر سابقاً من مجلس الوزراء ومع فرقية الدولار والدينار، أصبح أغلب قطاعات الموظفين والعمال يتقاضون دون الحد الأدنى للأجور، وعليه وجب إقرار مجموعة من الأنظمة و اللوائح، وقيام جهات الاختصاص بدورها الرقابي والمسؤول.

دلالات

شارك برأيك

عقود العمل السنوية وتطبيق صحيح القانون

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.