واشنطن – سعيد عريقات – 25/4/2026
أعلنت الإدارة الأميركية أن المبعوث ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر سيتوجهان إلى باكستان لإجراء محادثات مباشرة مع مفاوضين إيرانيين بوساطة إسلام آباد، غير أن طهران سارعت إلى نفي وجود أي لقاء مقرر، مؤكدة أن ملاحظاتها ستُنقل عبر المسؤولين الباكستانيين. وبين الروايتين، يتكشف مجددًا حجم الفجوة بين الطرفين، ليس فقط حول شكل التفاوض، بل حول جوهره وإمكان نجاحه أصلًا.
قالت المتحدثة باسم البيت الأبيض كارولين ليفيت إن الإيرانيين هم من طلبوا هذا اللقاء المباشر، وإن الرئيس دونالد ترمب أوفد ويتكوف وكوشنر "لسماع ما لديهم"، معربة عن أملها في أن يفضي الاجتماع إلى تحريك المسار نحو اتفاق. لكن الخارجية الإيرانية نسفت هذا الانطباع سريعًا، حين أكدت أنه لا توجد خطط لاجتماع مع الوفد الأميركي، وأن ما لدى طهران سيُنقل إلى الوسطاء الباكستانيين فقط.
هذا التناقض لا يبدو مجرد سوء تنسيق إعلامي، بل يعكس أزمة أعمق في الثقة السياسية. ففي طهران، لا يُنظر إلى كوشنر وويتكوف بوصفهما موفدين محايدين أو قادرين على إدارة تفاوض جدي، بل باعتبارهما شخصيتين تفتقران إلى المعرفة الدقيقة بالملفات النووية والأمنية والإقليمية المعقدة. كما أن الإيرانيين لا ينسون أن الرجلين شاركا في مسارات سابقة، بينما كانا، وفق تقديرات واسعة في طهران، على اطلاع بالنوايا الإسرائيلية والأميركية لشن حرب على إيران في شهر حزيران الماضي، وكذلك في نهاية شباط الذي سبقه. ومن هنا ترى القيادة الإيرانية أن التفاوض مع من عرفوا بالتصعيد قبل وقوعه ينسف أي قاعدة للثقة.
وقد وصل وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي إلى إسلام آباد في زيارة قصيرة، قبل انتقاله إلى عُمان وروسيا لإجراء مشاورات أوسع. وتشير مصادر مطلعة إلى أن هدف الزيارة يتمثل في تمرير أفكار إيرانية عبر القناة الباكستانية، واختبار ما إذا كانت واشنطن مستعدة فعلًا لتغيير نهجها، أم أنها تكرر سياسة الجمع بين الضغط والتفاوض في آن واحد.
وفي موازاة ذلك، أفادت تقارير بأن نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس يقف على أهبة الاستعداد للتوجه إلى إسلام آباد في أي لحظة، إذا خلص الرئيس ترمب إلى أن الاتصالات بلغت مرحلة حاسمة وأن المسار التفاوضي بات مثمرًا. ويعكس هذا الترتيب رغبة البيت الأبيض في إبقاء خيار التدخل السياسي الرفيع جاهزًا، إذا ظهرت فرصة لاختراق سريع أو إعلان تفاهم أول.
وكانت الجولة السابقة من المحادثات قد تعثرت بعدما أعلنت إيران أنها غير جاهزة للمشاركة، فيما لم يغادر الوفد الأميركي واشنطن أصلًا. وبعد ذلك أعلن ترمب تمديد وقف إطلاق النار أسبوعين إضافيين في اللحظة الأخيرة، في خطوة فسّرها مراقبون على أنها محاولة لمنح المسار الدبلوماسي فرصة أخيرة، من دون التخلي عن أدوات الضغط.
غير أن المؤشر الأكثر دلالة تمثل في تقارير تحدثت عن إعداد الجيش الأميركي خططًا جديدة لاستهداف قدرات إيرانية مرتبطة بمضيق هرمز، تشمل زوارق سريعة وأصولًا بحرية للحرس الثوري. كما لوّح ترمب علنًا بأن البحرية الأميركية “ستطلق النار وتقتل” أي زورق يزرع ألغامًا في المضيق. وبذلك تبدو الرسالة الأميركية مزدوجة: تفاوض على الطاولة، وتهديد في البحر.
هذا التناقض يفسر إلى حد بعيد الحذر الإيراني. فمن الصعب إقناع طهران بأن واشنطن تسعى إلى تسوية مستقرة، بينما تستمر في تطوير سيناريوهات المواجهة العسكرية. لذلك قد تنظر إيران إلى أي حوار جارٍ باعتباره أداة لشراء الوقت أو جمع المعلومات، لا مدخلًا لاتفاق دائم. وفي المقابل، يبدو أن إدارة ترمب تراهن على أن مزيج العقوبات والتهديد العسكري سيدفع الإيرانيين إلى تقديم تنازلات جوهرية.
كما أن اختيار باكستان وسيطًا يعكس حاجة الطرفين إلى قناة لا تثير حساسية مباشرة، لكن قدرة إسلام آباد تبقى محدودة إذا استمرت الهوة السياسية على حالها. فالوسيط يستطيع نقل الرسائل وتهدئة الأجواء، لكنه لا يستطيع صناعة الثقة المفقودة أو فرض تسوية على خصمين يتبادلان الشكوك.
أما اعتماد ترمب على شخصيات من دائرته الضيقة، مثل كوشنر وويتكوف، فيؤكد أن الملف الإيراني ما يزال يُدار بمنطق الولاء الشخصي أكثر من الخبرة التفاوضية المتخصصة. وهذا ما تلتقطه طهران جيدًا، فتتعامل مع القناة الحالية بوصفها امتدادًا مباشرًا لمزاج البيت الأبيض، لا مسارًا مؤسساتيًا مستقرًا يمكن البناء عليه.
وبحسب الخبراء، لا يتعلق رفض إيران لقاء كوشنر وويتكوف في إسلام آباد بالأسماء وحدها، بل برسالة سياسية أوسع مفادها أن طهران لن تمنح واشنطن صورة تفاوضية مجانية، ما لم تقترن الأقوال بتغيير حقيقي في السلوك. وحتى يحدث ذلك، ستبقى المحادثات معلقة بين التهديد والتكذيب، وبين الرغبة في الاتفاق واستحالة الوثوق بالطرف الآخر.





شارك برأيك
عراقجي لا يخطط للقاء كوشنر وويتكوف في إسلام آباد والمحادثات في مهبّ الريح