منذ اعتلائه الكرسي الرسولي في مايو 2025، انتهج بابا الفاتيكان لاوون الرابع عشر مساراً حذراً تجاه الإدارة الأمريكية، متجنباً ذكر الرئيس دونالد ترمب بالاسم حتى مارس الماضي. وقد جاء هذا الخروج عن الصمت في شكل مناشدة نادرة لإنهاء العمليات العسكرية ضد إيران، محذراً من تداعيات الكراهية المتصاعدة في منطقة الشرق الأوسط. وتكشف التقارير عن فتور عميق في العلاقات الثنائية، حيث لم يعقد أي لقاء بين الطرفين حتى الآن رغم الدعوات المتكررة.
البابا لاوون، الذي دخل التاريخ كأول حبر أعظم من أصول أمريكية، خلف البابا الراحل فرنسيس الذي وافته المنية في أبريل 2025. ورغم أن انتخابه شكل مصدر فخر للعديد من الأمريكيين، بمن فيهم الرئيس ترمب، إلا أن التوقعات بحدوث تقارب سرعان ما تبددت. فقد أظهرت المواقف اللاحقة تبايناً جذرياً في الرؤى الأخلاقية والسياسية تجاه قضايا الهجرة والنزاعات الدولية المسلحة.
في خطوة تعكس حجم الجفاء، أفادت مصادر صحفية برفض البابا دعوة رسمية لحضور احتفالات الذكرى الـ250 لتأسيس الولايات المتحدة. ونقلت تقارير عن مسؤولين في الفاتيكان تأكيدهم غياب أي نية لزيارة واشنطن طالما استمرت السياسات الحالية للإدارة الأمريكية. هذا الموقف يأتي رغم مشاركة كبار المسؤولين الأمريكيين، مثل دي فانس وماركو روبيو، في مراسم تنصيب البابا بصفتهما كاثوليكيين.
تصاعد التوتر بشكل علني عقب استدعاء البنتاغون لممثل الفاتيكان لدى واشنطن، الكاردينال كريستوف بيار، في يناير الماضي. وجاء هذا الإجراء رداً على انتقادات البابا لاستخدام القوة العسكرية، حيث أبلغ مسؤولون أمريكيون ممثل الكرسي الرسولي بأن واشنطن تمتلك القدرة على فرض إرادتها عسكرياً. وقد حاول سفير الولايات المتحدة لدى الفاتيكان لاحقاً التخفيف من حدة الواقعة، واصفاً اللقاء بأنه كان نقاشاً صريحاً حول الأخلاقيات السياسية.
مع اندلاع الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران في 28 فبراير 2026، دخلت المواجهة مرحلة جديدة من التصعيد اللفظي والأخلاقي. واعتبر البابا أن لجوء القادة المتورطين في النزاع إلى الخطاب الديني لتبرير الحرب هو أمر مرفوض جملة وتفصيلاً. وشدد في عظاته على أن 'الله لا يصغي لمن يصنع الحرب'، في إشارة واضحة لرفض توظيف الرموز المسيحية في الصراعات المسلحة.
ميدانياً، تسببت الحرب في خسائر بشرية فادحة شملت اغتيال قيادات إيرانية عليا وتدمير بنى تحتية واسعة، وهو ما أثار قلق الفاتيكان العميق. وقد أعرب البابا عن ألمه الشديد لمقتل المدنيين، ومن بينهم كاهن بلدة القليعة اللبنانية بيار الراعي الذي قضى في قصف إسرائيلي. هذه الأحداث دفعت الكرسي الرسولي لتكثيف دعواته لوقف 'دوامة العنف' التي باتت تهدد الاستقرار العالمي بشكل غير مسبوق.
انتقد الفاتيكان بشدة ما وصفه بـ'دبلوماسية القوة' وتراجع التعددية الدولية لصالح الحماسة العسكرية التي بدأت تتمدد في مناطق مختلفة. وحذر البابا من أن الحرب عادت لتصبح 'موضة العصر'، منتقداً تقويض سيادة الدول والتدخلات العسكرية المباشرة. هذه المواقف وضعت الكنيسة الكاثوليكية كقوة أخلاقية في مواجهة مباشرة مع الطموحات العسكرية والسياسية للإدارة الأمريكية الحالية.
الله لا يُصغي لصلاة من يصنع الحرب، وأيديهم ملطخة بالدماء.
في المقابل، لم تتأخر الإدارة الأمريكية في الرد، حيث وصفت الناطقة باسم البيت الأبيض تصريحات البابا بالضعيفة، معتبرة أن الصلاة من أجل العسكريين عمل نبيل. ويبرز هذا الخلاف الفجوة الكبيرة بين رؤية الفاتيكان للسلام العالمي ورؤية واشنطن التي تعتمد على التفوق العسكري. وقد فسر مراقبون هذا السجال بأنه رد مباشر على وزير الدفاع الأمريكي الذي يستخدم لغة دينية مرتبطة بالحروب التاريخية.
شهدت الأيام الأخيرة من شهر مارس تصعيداً في لهجة البابا الذي دعا الرئيس ترمب صراحة للسعي نحو مخرج سلمي لإنهاء النزاع. وجاءت هذه الدعوة في وقت كانت فيه التوترات تبلغ ذروتها مع تهديد واشنطن بتدمير الحضارة الإيرانية بالكامل. واعتبر البابا أن مثل هذه التهديدات غير مقبولة وتتنافى مع أبسط القيم الإنسانية والدينية التي تدعو إليها الكنيسة.
رغم إعلان وقف مؤقت لإطلاق النار في 8 أبريل، إلا أن الشكوك لا تزال تحيط بفرص السلام الدائم في ظل الشروط المعقدة للطرفين. وتفيد مصادر بأن الجولة الأولى من المفاوضات فشلت بعد ساعات طويلة من النقاشات بسبب تضارب المطالب الأمريكية والإيرانية. كما أن استثناء الجبهة اللبنانية من التهدئة زاد من تعقيد المشهد الإنساني والسياسي في المنطقة.
تؤكد التقارير الواردة أن رهان الإدارة الأمريكية على تغيير النظام في طهران خلال فترة وجيزة لم يتحقق، مما أدى لزيادة الضغوط الاقتصادية العالمية. فإغلاق مضيق هرمز لا يزال يلقي بظلاله على سلاسل الإمداد وإمدادات الطاقة، مما يضع العالم أمام أزمة اقتصادية خانقة. وفي هذا السياق، يرى الفاتيكان أن الحلول العسكرية أثبتت فشلها في تحقيق الاستقرار المنشود.
يعيد هذا الصراع إلى الأذهان إرث البابا الراحل فرنسيس الذي كانت علاقته بترمب متوترة أيضاً بسبب ملفات الهجرة والتغير المناخي. ويبدو أن البابا لاوون الرابع عشر يسير على ذات النهج ولكن بحدة أكبر تفرضها ظروف الحرب المباشرة. فالتوتر الحالي يتجاوز الخلافات السياسية ليصل إلى جوهر الهوية الدينية وكيفية تمثيلها في الفضاء العام.
تستمر الكنيسة الكاثوليكية في ممارسة ضغوطها الأخلاقية عبر دعوة مواطني الدول المعنية للتواصل مع قادتهم لرفض خيار الحرب. ويرى الفاتيكان أن التضامن مع الضحايا في المدارس والمستشفيات والمناطق السكنية هو الواجب الأول في ظل هذه الظروف. وتبقى دعوات السلام التي يطلقها البابا بمثابة صرخة في وجه ما يصفه بـ'الادعاء السخيف' بإمكانية حل النزاعات عبر القوة المسلحة.
ختاماً، يترقب العالم ما ستسفر عنه الأيام القادمة في ظل هشاشة الهدنة المعلنة واستمرار التحشيد العسكري في المنطقة. ويبقى موقف الفاتيكان ثابتاً في معارضة 'منطق القوة'، مؤكداً أن السلام الحقيقي لا يبنى على أنقاض الحضارات. ومع استمرار إغلاق المسارات الدبلوماسية، يظل الصدام بين الكرسي الرسولي والبيت الأبيض مرشحاً لمزيد من الفصول في ظل إدارة تضع القوة العسكرية فوق كل اعتبار.





شارك برأيك
صدام القيم والمصالح: البابا لاوون الرابع عشر يواجه 'دبلوماسية القوة' لترمب في حرب إيران