أعلن أعضاء رئيسيون في حلف شمال الأطلسي (الناتو) اليوم الاثنين، رفضهم القاطع للمشاركة في الخطة التي أقرها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لبسط السيطرة العسكرية على مضيق هرمز. وأشارت هذه الدول إلى تفضيلها مقترحاً بديلاً يركز على التدخل فقط في حال توقف العمليات القتالية، وهو موقف يرى مراقبون أنه سيعمق الفجوة بين واشنطن وحلفائها الأوروبيين ويصعد التوترات داخل الحلف العسكري.
وكان الرئيس الأمريكي قد أكد أن القوات المسلحة الأمريكية ستبدأ بالتعامل العسكري المباشر مع أي سفن إيرانية تحاول الاقتراب من منطقة الحصار التي دخلت حيز التنفيذ اليوم. وجاء هذا التصعيد الميداني في أعقاب فشل جولة من المحادثات الدبلوماسية التي استضافتها باكستان مطلع الأسبوع، والتي كانت تهدف إلى إيجاد مخرج سلمي للصراع المتفاقم بين الولايات المتحدة والجمهورية الإسلامية الإيرانية.
وأوضح البيت الأبيض أن الجيش الأمريكي سيعمل بالتنسيق مع بعض الشركاء الدوليين لفرض رقابة صارمة على حركة الملاحة البحرية في هذا الممر المائي الحيوي. ومن جانبه، أشار الجيش الأمريكي في بيان لاحق إلى أن إجراءات إحكام السيطرة ستستهدف حصراً السفن المتجهة إلى الموانئ الإيرانية أو تلك المغادرة منها، في محاولة لتضييق الخناق الاقتصادي والعسكري على طهران.
وتشهد المنطقة حالة من الشلل الملاحي منذ اندلاع المواجهات في الثامن والعشرين من فبراير الماضي، حيث فرضت طهران إغلاقاً شبه تام للمضيق أمام حركة السفن الدولية باستثناء ناقلاتها الخاصة. وتسعى السلطات الإيرانية من خلال هذه الخطوة إلى فرض سيادة دائمة على المضيق، مع تلويحها بإمكانية فرض رسوم عبور على السفن التجارية التي تستخدم هذا الممر الاستراتيجي مستقبلاً.
وفي تدوينة له عبر منصة 'تروث سوشال'، توعد ترامب ببدء الحصار بشكل فوري، مؤكداً أن دولاً أخرى ستنضم إلى القوات الأمريكية في هذه المهمة. ومع ذلك، سارعت عواصم أوروبية كبرى مثل لندن وباريس إلى النأي بنفسها عن هذا التحرك العسكري، معربة عن خشيتها من الانجرار إلى صراع إقليمي واسع النطاق قد لا تحمد عقباه على استقرار إمدادات الطاقة العالمية.
ويمثل رفض القوى الأوروبية المشاركة في الحصار نقطة خلاف جوهرية جديدة مع إدارة ترامب، الذي سبق وهدد بالانسحاب من حلف الناتو بشكل كامل. كما تدرس الإدارة الأمريكية حالياً خيارات تقليص الوجود العسكري في القارة العجوز، رداً على ما تصفه واشنطن بتقاعس الحلفاء عن دعم الحملة الأمريكية ضد إيران ومنع الطائرات العسكرية من استخدام الأجواء الأوروبية.
من جانبه، صرح رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر في مقابلة مع وسائل إعلام محلية، بأن بريطانيا لن تدعم إجراءات الحصار الحالية بأي شكل من الأشكال. وشدد ستارمر على أن موقفه كان حازماً وواضحاً أمام الإدارة الأمريكية، مشيراً إلى أنه لن يسمح بجر القوات البريطانية إلى أتون هذه الحرب مهما بلغت حجم الضغوط السياسية الممارسة على حكومته.
نحن لا ندعم هذا الحصار.. كان قراري واضحاً جداً بأنه مهما كانت الضغوط، وهي ضغوط كبيرة، فإننا لن ننجر إلى هذه الحرب.
وفي سياق متصل، كشفت مصادر دبلوماسية أن الأمين العام للناتو، مارك روته، نقل رسائل واضحة من ترامب إلى الحكومات الأوروبية تطالب بالتزامات ملموسة لتأمين المضيق. وكان روته قد أشار في وقت سابق إلى إمكانية قيام الحلف بدور تنظيمي في المنطقة، بشرط حصول إجماع كامل من جميع الأعضاء البالغ عددهم 32 دولة على طبيعة وأهداف البعثة العسكرية.
وعلى جبهة موازية، اقترح الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون عبر منصة 'إكس' تنظيم مؤتمر دولي بالتعاون مع بريطانيا لتشكيل قوة مهام متعددة الجنسيات. وتهدف هذه المبادرة، بحسب ماكرون، إلى استعادة حرية الملاحة في مضيق هرمز عبر مهمة وصفت بأنها 'دفاعية بحتة'، على أن يتم نشرها بعيداً عن الأطراف المتحاربة وبمجرد توفر الظروف الميدانية الملائمة.
وأمام البرلمان البريطاني، أوضح ستارمر أن المبادرة الأوروبية تهدف إلى وضع قواعد واضحة للمرور الآمن وتنسيق مرافقة ناقلات النفط بواسطة سفن عسكرية دولية. وأكد أن الهدف المشترك هو بناء خطة منسقة ومستقلة تضمن حماية التجارة العالمية بعد انتهاء الصراع الحالي، مشدداً على أن هذه الخطوات لا تتقاطع مع العمليات الهجومية التي تقودها واشنطن.
وتشير المعلومات الدبلوماسية إلى أن اجتماعاً رفيع المستوى قد يعقد في باريس أو لندن يوم الخميس المقبل لوضع اللبنات الأولى لهذه المهمة الدولية. ومن المتوقع أن تضم هذه المبادرة نحو 30 دولة، من بينها قوى إقليمية مثل الهند ودول خليجية، بالإضافة إلى دول أوروبية مثل إيطاليا وهولندا والسويد واليونان، لضمان أوسع تمثيل دولي ممكن.
وذكرت مصادر مطلعة أن السفن الحربية المشاركة في المبادرة الأوروبية ستعمل على توفير الطمأنينة لشركات الشحن دون الدخول في أي مواجهات قتالية مباشرة. وسيتم إطلاع كل من الولايات المتحدة وإيران على تفاصيل هذه المهمة لضمان عدم وقوع حوادث عرضية، لكن دون أن يكون لأي من الطرفين دور مباشر في قيادة أو توجيه هذه القوة الدولية.
وفي ظل هذه التطورات، تساءل دبلوماسيون أوروبيون عن مدى تقبل ترامب لهذه البعثة المستقلة، خاصة وأنه يستخدم السيطرة على المضيق كأداة ضغط سياسية وعسكرية قصوى. ويرى هؤلاء أن وجود قوة دولية محايدة قد يتعارض مع استراتيجية 'الضغط الأقصى' التي تنتهجها واشنطن حالياً، مما قد يؤدي إلى مزيد من الاحتكاك الدبلوماسي بين ضفتي الأطلسي.
من جهتها، دعت تركيا على لسان وزير خارجيتها هاكان فيدان إلى ضرورة حل أزمة مضيق هرمز عبر القنوات الدبلوماسية والسياسية بعيداً عن لغة الحصار. وحذر فيدان من أن تشكيل قوة دولية للإشراف على الممر المائي سيكون أمراً بالغ التعقيد، داعياً حلف الناتو إلى ضرورة إعادة تقييم علاقاته مع إدارة ترامب خلال القمة المرتقبة في أنقرة الصيف المقبل.





شارك برأيك
انقسام في حلف الأطلسي: بريطانيا وفرنسا ترفضان الانضمام للحصار الأمريكي في مضيق هرمز