أقلام وأراء

الجمعة 03 أبريل 2026 11:09 صباحًا - بتوقيت القدس

الجمعة العظيمة .. في طريق الآلام

منذ الثامن والعشرين من شباط الماضي، لم نتمكّن من عيش زمن الصوم الكبير بكل عمقه الروحي، وذلك بسبب الحرب التي امتدّت في الشرق الأوسط حتى طالت القدس أيضًا. ولهذا السبب عينه، لن يتمكّن المؤمنون، بأعداد غفيرة، من المشاركة في رتب وليتورجيات الثلاثية الفصحية، المرتبطة منذ آلاف السنين ارتباطًا وثيقًا بالأماكن التي شهدت حياة يسوع المسيح، ثم آلامه الموجعة وموته.

تتجلّى أحداث آلام سيّدنا المسيح في أيام وساعات الثلاثية الفصحية، حيث تمتزج مشاعر الألم بسبب اعتقاله والحكم عليه بالموت، بعد أن خذله تلاميذه وأنكروه، مع ظلمة الوحدة والشعور بالترك. ومع ذلك، فقد سلّم ذاته لمشيئة الآب، قبل أن ينبثق نور القيامة.

إنّ رتبة درب الصليب التي ستُقام اليوم، في الجمعة العظيمة لعام ٢٠٢٦، مثل كل سنة في البلدة القديمة في القدس، حيث نتأمّل آلام يسوع تحت ثقل الصليب على طريق الآلام، سيشارك فيها عشرة من الرهبان الفرنسيسكان فقط، بقيادة حارس الأرض المقدسة، الأب فرانشيسكو ييلبو.

وفي هذا السياق، تعود إلى ذاكرتي رتبة درب الصليب ليوم الجمعة العظيمة عام ٢٠٢٠، حين لم يُتح لنا السير في طريق الآلام سوى حارس الأرض المقدسة آنذاك، الأب فرانشيسكو باتون، وأنا، ورئيس دير المخلّص، الأب مارسيلو تشيكينيلّي. وقد سرنا حينها متأمّلين ومصلّين هذه العبادة العزيزة جدًا على قلوب الحجاج والمؤمنين المحليين، في غيابهم، وتحت أنظار نحو خمسين جنديًا، بسبب القيود التي فرضتها الجائحة.

لا نعرف على وجه الدقّة متى بدأت عبادة "درب الصليب" في البلدة القديمة في القدس، القائمة على التأمّل في عذابات يسوع تحت ثقل الصليب. ولكن يمكننا أن نتصوّر أنّ مريم، والدة يسوع، قد أعادت السير في الطريق نفسه الذي سلكه ابنها، ربما بعد موته مباشرة؛ إذ يمكننا تخيّل ألم قلب الأم الوجيعة وهي تعود لترى الحجارة التي وقع عليها ابنها، وتستمع إلى صدى خطواته، وتعيش من جديد مرارة ما تحمّله من إهانات وآلام.

وقد نقلت لنا الزائرة التقية إيجيريا خبر هذه الممارسة الروحية في القدس، حيث كان المؤمنون يحيون ذكرى آلام المسيح في الأماكن التي جرت فيها فعليًا. كما ترك العديد من الحجاج والمؤرخين شهادات عن هذه العبادة. غير أنّ من المرجّح أنّ محبة القديس فرنسيس الأسيزي العميقة لآلام يسوع كانت دافعًا قويًا لنشر هذه الممارسة، كثمرة لحجّه السلمي إلى الأرض المقدسة. لقد أحبّ قديس أسيزي يسوع حبًا مفعمًا بالحنان، وسار في تلك الرحلة المقدسة برغبة صادقة في زيارة الأماكن المقدسة والعناية بها. وأحبّ أن أتصوّر أنّ القديس فرنسيس، ولا سيّما على طريق الآلام، قد نما في قلبه الرجاء بأن يصبح رهبانه حرّاسًا للأماكن المقدسة. كما أحبّ الطفل يسوع حبًا مفعمًا بالحنان، وأراد أن يبقيه حاضرًا دائمًا أمام عينيه وفي قلبه، فأنشأ أول مغارة للميلاد في "غريتشو".

منذ عام ١٣٣٣، أي منذ ما يقرب من ثمانمائة عام، ونحن نحرس الأماكن المقدسة ونحافظ على قدسيتها، وذلك بناءً على تكليف من الكرسي الرسولي منذ عام ١٣٤٢، عندما طلب منا البابا كليمنس السادس رسميًا "الإقامة في الأماكن المقدسة وإقامة القداديس الاحتفالية والصلوات الطقسية فيها". إن هذا التكليف يمثّل لنا نحن الفرنسيسكان امتيازًا نصونه بكل غيرة، وشرفًا يمنحنا القوّة لمواجهة الصعوبات والتحدّيات في أرض قدّسها حضور الله، لكنها تتألّم اليوم من النزاعات والتوترات.

وفي طريقنا نحو فصح عام ٢٠٢٦، واجهنا العنف والموت، وتألمنا لمعاناة الكثير من الإخوة الذين حُرموا من حقوق كثيرة، بل ومن المحبة نفسها. ومع ذلك، يمكننا أن نشهد أيضًا فرحًا أخويًا ونعمة كبيرة لحراسة الأرض المقدسة: فقد طلب الأب الأقدس، ليون الرابع عشر، شخصيًا من الأب فرانشيسكو باتون، حارس الأرض المقدسة السابق، إعداد تأمّلات درب الصليب الذي يُقام كل عام في الكولوسيوم ويترأسه البابا نفسه.

إنها لحظة نعمة وسط محن كثيرة، في أرض شهدت آلام المسيح، والتي تنعكس اليوم في آلام إنسانية مجروحة ومهانة بعمق.


دلالات

شارك برأيك

الجمعة العظيمة .. في طريق الآلام

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.