تواجه إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تحذيرات متزايدة من الانزلاق في 'مستنقع' جديد بالشرق الأوسط، حيث تشير تقارير دولية إلى أن الحرب التي انطلقت قبل ثلاثة أسابيع ضد إيران لا تزال بعيدة عن الحسم. ورغم التصريحات المتفائلة من البيت الأبيض حول تدمير القدرات العسكرية الإيرانية، إلا أن الواقع الميداني يشير إلى استمرار طهران في تهديد الممرات الملاحية وأمن الطاقة العالمي.
وأفادت مصادر صحفية بأن ترامب حاول تسويق الحملة العسكرية على أنها حققت أهدافها في أيامها الأولى، معتبراً أن المهمة 'انتهت إلى حد كبير'. ومع ذلك، لا يزال مضيق هرمز، الذي يعد شريان الحياة لتجارة الطاقة العالمية، مغلقاً، مما دفع أسعار النفط إلى مستويات قياسية أثارت ذعر التجار والمستهلكين على حد سواء.
وفي شهادة لافتة أمام الكونغرس، أكدت مديرة الاستخبارات الوطنية الأمريكية، تولسي غبارد أن هيكلية النظام الإيراني لا تزال 'سليمة' ومستعدة لإعادة التسلح بمجرد توقف العمليات العسكرية. هذا التقييم يتناقض بشكل صارخ مع خطاب الإدارة الذي يروج لانهيار وشيك في قدرات طهران الدفاعية والهجومية.
من جانبه، أعرب جون بولتون، مستشار الأمن القومي السابق، عن قلقه من مسار الحرب الحالي، مشيراً إلى أن عدم إنجاز المهمة بالكامل سيؤدي إلى بقاء نظام منهك لكنه قادر على العودة لممارساته السابقة بسرعة. ويرى مراقبون أن هذا التخبط يعيد للأذهان الأخطاء الاستراتيجية التي ارتكبتها واشنطن في حروب سابقة بالمنطقة.
وعلى الصعيد الميداني، سجلت القوات الأمريكية خسائر بشرية بلغت 13 جندياً، في وقت يدرس فيه البنتاغون إرسال تعزيزات برية قوامها 2500 جندي. هذه التطورات تضع الحزب الجمهوري في موقف حرج أمام الناخبين، خاصة مع ارتفاع أسعار الوقود بنسبة 33% تزامناً مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي.
الضغوط المالية بدأت تظهر بوضوح بعد طلب البنتاغون ميزانية إضافية بقيمة 200 مليار دولار لتمويل العمليات الحربية، وهو مبلغ ضخم يعادل ميزانيات وزارات خدمية أساسية. هذا الإنفاق الهائل يثير تساؤلات حول وعود ترامب الانتخابية السابقة بإنهاء 'الحروب الأبدية' وتجنب استنزاف ثروات أمريكا في الخارج.
ويرى خبراء أن ترامب، الذي وصف غزو العراق سابقاً بأنه 'أسوأ خطأ'، يكرر الآن ذات السيناريو عبر وضع أهداف فضفاضة للحرب يصعب قياس نجاحها. فمنع طهران من امتلاك سلاح نووي وإنهاء دعمها للفصائل المسلحة هي شروط يراها المحللون 'مستحيلة' في ظل الواقع الحالي المعقد.
إيران تنتصر بمجرد بقائها على قيد الحياة، وقد أثبتت بوضوح قدرتها على البقاء رغم الضربات.
وفي سياق متصل، أشار السفير الأمريكي السابق رايان كروكر إلى أن إيران تحقق نصراً رمزياً بمجرد صمودها وبقائها على قيد الحياة تحت وطأة القصف. وأضاف أن القدرة الإيرانية على البقاء أثبتت فاعليتها، مما يجعل من الصعب على واشنطن إعلان انتصار عسكري حاسم ونهائي في المدى المنظور.
التناقضات في تصريحات ترامب برزت أيضاً حول حالة الجيش الإيراني، فبينما يدعي أن الأسطول الإيراني أصبح 'في قاع البحر'، يقر بأن مجرد التفكير بوجود ألغام يمنع السفن من عبور المضيق. كما أن ادعاءات انخفاض إطلاق الصواريخ الباليستية بنسبة 90% تصطدم باستمرار اختراق هذه الصواريخ للدفاعات الأمريكية المتطورة.
وزير الدفاع بيت هيغسيث حاول التخفيف من حدة هذه المخاوف، مؤكداً أن الصراع الحالي يختلف جذرياً عن حروب العقد الماضي ولا يمثل 'هاوية لا نهاية لها'. إلا أن هذا الخطاب الرسمي يواجه تشكيكاً واسعاً من قبل أعضاء في الكونغرس ومحللين استخباراتيين سابقين يرون أن خيارات الانسحاب باتت محدودة.
السناتور إليسا سلوتكين، المحللة السابقة في وكالة المخابرات المركزية، صرحت بوضوح أن المؤشرات الحالية لا تدل على تحقيق انتصار أمريكي ناجز. وحذرت من أن أي انسحاب مفاجئ الآن قد يترك خلفه نظاماً إيرانياً أكثر تشدداً وعسكرة، مما يضع الإدارات الأمريكية المستقبلية تحت ضغط دائم.
وعلى مستوى القوات البرية، لا يزال الغموض يكتنف نيات ترامب الحقيقية، حيث صرح للصحافيين بأنه لن يرسل قوات برية، لكنه عاد وأبلغ وسائل إعلام أخرى بأنه قد يفعل ذلك 'إذا لزم الأمر'. هذا التذبذب يزيد من مخاوف القادة العسكريين من تحول العملية إلى مواجهة شاملة ومباشرة على الأرض.
إيران من جهتها، لا تبدي أي رغبة في تقديم تنازلات، وتعتبر الحرب معركة وجودية لا تقبل الحلول الوسط، خاصة مع اتساع الفجوة بين الأهداف الأمريكية والإسرائيلية. هذا الإصرار الإيراني يعقد مهمة الوسطاء ويجعل من وقف إطلاق النار أمراً بعيد المنال في الوقت الراهن.
في نهاية المطاف، يرجح محللون أن يعلن ترامب 'النصر' في لحظة معينة لاعتبارات سياسية واقتصادية، حتى لو لم يتغير الواقع على الأرض بشكل جذري. لكن هذا الإعلان سيترك المنطقة أمام أزمات متفجرة، تشمل بنية تحتية مدمرة وممرات ملاحية غير آمنة ونظاماً يمتلك دوافع قوية للانتقام.





شارك برأيك
فايننشال تايمز: مغامرة ترامب في إيران تهدد بـ 'مستنقع' طويل الأمد وأزمة طاقة عالمية