كشفت مجلة 'نيويوركر' الأمريكية في تقرير موسع عن أن الحقيقة كانت الضحية الأولى في الحرب التي يقودها دونالد ترامب ضد إيران، متهمة الرئيس الأمريكي بتقديم مبررات متناقضة ومضللة لبدء النزاع. وأشار التقرير إلى أن الإدارة الأمريكية استندت إلى ادعاءات بوجود تهديدات وشيكة، رغم تصريحات سابقة لترامب نفسه ادعى فيها تدمير البرنامج النووي الإيراني بالكامل.
وفي الثامن والعشرين من فبراير، ظهر ترامب في فيديو مسجل من منتجعه في مارالاغو ليعلن إصدار أوامر للقاذفات الأمريكية بضرب أهداف إيرانية، واصفاً الخطوة بأنها دفاعية استباقية. وجاء هذا الإعلان في وقت كانت فيه الوساطات الإقليمية، لا سيما العمانية، تتحدث عن قرب التوصل لاتفاق سلام، مما عكس فجوة عميقة بين الواقع الميداني والخطاب السياسي للبيت الأبيض.
وبحسب مصادر إعلامية، فإن ترامب أظهر عدم جدية في التعامل مع خطورة الموقف، حيث فضل البقاء في ناديه الخاص لحضور عشاء لجمع التبرعات بدلاً من العودة لغرفة العمليات في واشنطن. وقد تركت مهمة إدارة الرأي العام لمدير اتصالاته الذي اكتفى بدعوة الأمريكيين للثقة المطلقة في الرئيس دون تقديم تفاصيل واضحة حول أهداف الحرب.
وعلى الرغم من إشادة ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بدقة الضربات التي استهدفت القيادة الإيرانية، إلا أن الواقع الميداني كشف عن كارثة إنسانية في مدينة ميناب الجنوبية. فقد أسفر القصف عن مقتل نحو 175 مدنياً، معظمهم من الأطفال، بالإضافة إلى استهداف مدرسة للفتيات بصاروخ يُرجح أنه أمريكي الصنع.
وفي محاولة للتنصل من المسؤولية، ألقى ترامب باللوم على الجانب الإيراني، مدعياً أن ذخائرهم تفتقر إلى الدقة، وهي تبريرات وصفتها المجلة بالمرتجلة والمضللة. وترافق ذلك مع تضارب في التصريحات بين أقطاب الإدارة، حيث زعم ماركو روبيو أن إسرائيل هي المحرك للتحرك العسكري، بينما ادعى ترامب أنه هو من دفع تل أبيب لذلك.
الخطر الحقيقي لا يكمن في قانونية التهديدات، بل في الرقابة الذاتية التي يفرضها ملاك المؤسسات الإعلامية خوفاً من الضغوط الاقتصادية.
وامتدت سياسة التضليل لتشمل أهداف الحرب نفسها، حيث تذبذب موقف الرئيس بين السعي لتغيير النظام في طهران وبين نفي ذلك تماماً في تصريحات لاحقة. وعند مواجهته بهذه التناقضات، اختار ترامب تصعيد هجومه على المؤسسات الإعلامية، متهماً الصحفيين بالخيانة ومقاضاة بعضهم لمجرد ممارسة دورهم الرقابي.
وفي سياق متصل، اتخذ وزير الدفاع بيت هيغسيث خطوات لتقييد التغطية الصحفية داخل البنتاغون، مستبدلاً المراسلين المعتمدين بمؤثرين ومروجين موالين للإدارة. كما شهدت الساحة الإعلامية تحولاً جذرياً بعد استحواذ عائلة إليسون، المقربة من ترامب، على شبكة 'سي إن إن' التي كانت توصف سابقاً بأنها معارضة لسياساته.
ولم تتوقف الضغوط عند هذا الحد، بل هدد مدير لجنة الاتصالات الفيدرالية بسحب تراخيص القنوات التي تنشر ما اعتبره 'أكاذيب'، وهو ما لاقى ترحيباً واسعاً من ترامب. ووصف الرئيس المؤسسات الإعلامية غير المتماشية مع روايته بأنها 'غير وطنية'، ملمحاً إلى إمكانية ملاحقة العاملين فيها قضائياً بتهم تمس أمن الدولة.
ويرى مراقبون أن الخطر الأكبر يكمن في 'الرقابة الذاتية' التي بدأ يفرضها ملاك المؤسسات الإعلامية الكبرى خوفاً من الانتقام الاقتصادي أو السياسي. وقد تجلى ذلك في موقف صحيفة 'واشنطن بوست' التي تعرضت لضرر مهني كبير نتيجة محاولات مالكها البقاء في دائرة رضا البيت الأبيض وتجنب الصدام مع الإدارة.
واختتمت المجلة تقريرها بالإشارة إلى المفارقة الصارخة في خطاب ترامب، الذي يدعو الإيرانيين للتحرر من القمع بينما يمارس الترهيب ضد الصحافة في بلاده. فبعد تمزيق الاتفاق النووي وخوض حرب بلا أفق، يبدو أن الهدف القادم لنيران الإدارة هو 'الحقيقة' ذاتها، مما يهدد أسس المحاسبة الديمقراطية في الولايات المتحدة.





شارك برأيك
نيويوركر: الحقيقة أولى ضحايا حرب ترامب ضد إيران وهيمنة مطلقة على الإعلام