تحليل

الأربعاء 04 مارس 2026 7:18 مساءً - بتوقيت القدس

نحو ضبط مستدام للعلاقة المدنية-العسكرية في مصر: مدخل التدرج المؤسسي

تشكلت العلاقة بين السلطة السياسية والمؤسسة العسكرية في مصر منذ عام 1952 كنموذج فريد من الاندماج الوظيفي، حيث لم يقتصر دور الجيش على الجوانب الأمنية بل امتد ليكون ركيزة أساسية للشرعية والاستقرار السياسي. هذا التداخل البنيوي جعل من المؤسسة العسكرية فاعلاً اقتصادياً وسياسياً واسع النفوذ، مما أوجد ما يمكن وصفه بالدولة ذات العمود العسكري المركزي.

تؤكد التجارب الدولية المقارنة أن محاولات فك هذا الارتباط عبر مقاربات صدامية غالباً ما تنتهي بنتائج عكسية، حيث تؤدي المواجهة المباشرة إلى إعادة إنتاج مركزية الجيش بدلاً من تقليصها. ومن هذا المنطلق، يبرز التدرج المؤسسي كخيار استراتيجي بديل يهدف إلى إعادة تعريف الأدوار داخل الدولة المصرية دون المساس بالأمن القومي أو الاستقرار العام.

إن المقاربة الصدامية تحمل تكلفة باهظة تتمثل في إنتاج استقطاب نخبوي حاد وانتقال الصراع من الحلبة السياسية إلى أروقة المؤسسات السيادية. ولتجنب هذه المخاطر، يقترح المحللون استراتيجية زمنية تمتد ما بين عشرة إلى خمسة عشر عاماً، تهدف إلى خلق توازن جديد يراعي الوزن التاريخي والاقتصادي للمؤسسة العسكرية.

تتعدد الخيارات أمام صانع القرار، إلا أن خيار الهيكلة السريعة يواجه مخاطر رد الفعل المؤسسي العنيف والاهتزاز الاقتصادي المفاجئ. وفي المقابل، فإن تثبيت الوضع القائم قد يؤدي إلى جمود مؤسسي وضغوط اقتصادية طويلة الأمد، مما يجعل خيار التدرج هو المسار الأكثر عقلانية واستدامة للمستقبل المصري.

يرتكز نموذج التدرج المقترح على مبدأ إعادة تعريف الدور العسكري ليكون أكثر احترافاً وتركيزاً على العقيدة الدفاعية الخارجية. يتطلب هذا التحول تقليص الانخراط التدريجي في المهام التنفيذية المدنية، بالتوازي مع تعزيز التعليم الاستراتيجي والدستوري داخل الكليات العسكرية لضمان وعي مؤسسي بالحقوق والواجبات.

في الجانب الاقتصادي، يقترح الخبراء مساراً مرحلياً يبدأ بتحويل بعض الكيانات التابعة للمؤسسة العسكرية إلى شركات مساهمة عامة. هذا الإجراء يمهد الطريق لإخضاع هذه المؤسسات لمعايير الحوكمة والشفافية، وإدماجها تدريجياً ضمن المنظومة الضريبية الوطنية، مما يقلل من حدة التنافس مع القطاع الخاص.

تعد الرقابة البرلمانية الفنية ركناً أساسياً في عملية الضبط المدني، شريطة أن تكون رقابة متخصصة لا تهدف لكشف أسرار الأمن القومي. يمكن تحقيق ذلك عبر لجان تقنية ترفع تقارير دورية غير علنية، مع تعزيز دور وزارة الدفاع كمؤسسة مشتركة تدير العلاقة بين الجانبين المدني والعسكري بكفاءة.

بالنظر إلى نماذج دولية مثل إسبانيا بعد عام 1978 وتركيا، نجد أن الإجماع السياسي والتحولات التشريعية المتتابعة كانت مفتاح النجاح في تثبيت الرقابة المدنية. ومع ذلك، تظل الحالة المصرية ذات خصوصية نظراً للمركزية الاقتصادية للجيش، مما يفرض مساراً زمنياً أطول يتناسب مع طبيعة التحديات المحلية.

تتضمن المرحلة الأولى من الاستراتيجية المقترحة، والتي تمتد لثلاث سنوات، بناء الثقة عبر حوارات مؤسسية مغلقة تهدف لصياغة رؤية مشتركة. يتم التركيز في هذه المرحلة على ترسيخ دور الجيش كضامن للأمن القومي، مع البدء في برامج تعليمية تدمج مفاهيم الإدارة المدنية والقانون الدستوري في الفكر العسكري.

أما المرحلة الثانية، التي تستغرق نحو أربع سنوات إضافية، فتركز على الهيكلة الاقتصادية عبر نقل الأنشطة غير الاستراتيجية إلى القطاع العام أو المساهمات العامة. تهدف هذه الخطوة إلى إدخال آليات الرقابة المالية تدريجياً، مع ضمان عدم تأثر الاستثمارات الحساسة أو إحداث اضطراب في السوق المحلي.

تصل الاستراتيجية إلى مرحلتها الثالثة والأخيرة بعد عقد من الزمن، حيث يتم ترسيخ الرقابة المدنية المؤسسية بشكل كامل عبر البرلمان. في هذه المرحلة، تصبح العقيدة العسكرية مركزة كلياً على التهديدات الخارجية، وتنتقل الأدوار التنفيذية المتبقية في القطاعات المدنية إلى الوزارات المختصة بشكل طبيعي وسلس.

لا يخلو هذا المسار من مخاطر محتملة، أبرزها المقاومة الداخلية من مراكز القوى أو القلق المجتمعي من تغير دور الجيش التقليدي. وللتخفيف من هذه المخاطر، يجب إشراك القيادات المهنية في عمليات التخطيط، وتبني خطاب وطني يؤكد أن الإصلاح يهدف لتقوية الدولة وليس إضعاف المؤسسة العسكرية.

إن نجاح أي إعادة توازن مؤسسي في مصر يظل مرهوناً بتوفر إصلاح اقتصادي موازي وتوافق نخبوي واسع يقلل من فرص الارتداد عن المسار الإصلاحي. فالزمن هنا عامل بنيوي، والتحول لا يمكن أن يكون فورياً بل هو عملية تراكمية تتطلب صبراً سياسياً ورؤية استراتيجية بعيدة المدى.

في الختام، يمثل التدرج المؤسسي المسار الأقل كلفة والأكثر استقراراً لإعادة صياغة موقع المؤسسة العسكرية ضمن الدولة الحديثة. إن الهدف النهائي ليس الإقصاء، بل الوصول إلى حالة من التكامل الوظيفي الذي يحفظ للجيش هيبته ودوره الدفاعي، ويمنح السلطة المدنية قدرتها على الإدارة والرقابة الفعالة.

دلالات

شارك برأيك

نحو ضبط مستدام للعلاقة المدنية-العسكرية في مصر: مدخل التدرج المؤسسي

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.