أكدت صحيفة "فايننشال تايمز" في افتتاحيتها الأخيرة أن التهديدات التي يطلقها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بشن ضربات عسكرية ضد إيران تفتقر إلى الأهداف الواضحة والخطط المحكمة. وأشارت الصحيفة إلى أن ممارسة الضغوط القصوى على النظام الإيراني للموافقة على اتفاق جديد تتطلب موارد عسكرية كافية وتنسيقاً دولياً، وهو ما يبدو غائباً في التوجه الحالي للإدارة الأمريكية.
واعتبرت الصحيفة أن أهداف ترامب النهائية لا تزال يكتنفها الغموض، خاصة وأنها تتزامن مع أوسع موجة احتجاجات شعبية تشهدها إيران منذ ثورة عام 1979. وتساءلت الافتتاحية عما إذا كان الرئيس الأمريكي يسعى فعلياً لاتفاق نووي جديد يضمن كبح طموحات طهران، أم أن الهدف هو مجرد دفع النظام المنهك اقتصادياً نحو الاستسلام الكامل للمطالب الأمريكية.
ورصدت المصادر تضارباً واضحاً في الرسائل الصادرة عن البيت الأبيض بشأن الملف الإيراني، حيث تتأرجح المطالب بين التخلي الكامل عن البرنامج النووي وبين فرض قيود صارمة على الصواريخ الباليستية. هذا التخبط يظهر جلياً في منح ترامب مهلة قصيرة لا تتجاوز 15 يوماً للتوصل إلى اتفاق، مهدداً بوقوع "أمور سيئة" في حال انقضاء المدة دون نتائج ملموسة.
وفي سياق التحضيرات الدبلوماسية، لفتت الصحيفة إلى أن ترامب أوكل مهمة التفاوض إلى مبعوثه ستيف ويتكوف وصهره جاريد كوشنر، وكلاهما يفتقر إلى الخبرة العميقة في التعامل مع الشأن الإيراني المعقد. كما يفتقد هذا الفريق المعرفة التقنية اللازمة لإدارة مفاوضات نووية تتسم بالتعقيد الشديد والحاجة إلى إلمام بالتفاصيل العلمية والسياسية الدقيقة.
على الصعيد العسكري، كشفت تقارير أن كبار الجنرالات في البنتاغون وجهوا تحذيرات مباشرة للرئيس ترامب بشأن مخاطر أي عملية عسكرية واسعة النطاق. وتتمحور هذه التحذيرات حول نقص الذخائر الحيوية اللازمة لخوض صراع طويل، بالإضافة إلى غياب الدعم من الحلفاء التقليديين الذين يخشون تداعيات الحرب على استقرار المنطقة.
وبحسب القراءة التحليلية، فإن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يبدو الزعيم الوحيد المتحمس لتوجيه ضربة عسكرية للمنشآت الإيرانية. وتذكر الصحيفة أن نتنياهو حاول سابقاً جر الولايات المتحدة إلى مواجهات مباشرة، وهو ما يثير قلق القوى الدولية التي تفضل المسارات الدبلوماسية لتجنب انفجار الأوضاع في الشرق الأوسط.
ووصف المقال النظام الإيراني بأنه "عدو لنفسه" بسبب ممارساته القمعية الوحشية ضد المتظاهرين، والتي أدت إلى مقتل الآلاف وأثارت استنكاراً دولياً واسعاً. هذا القمع الداخلي، إلى جانب التعنت في المفاوضات السابقة مع إدارة بايدن، أدى إلى فقدان النظام لشرعيته أمام شعبه ونفور القوى الأوروبية التي كانت تدعم الاتفاق النووي.
إيران ليست فنزويلا، ومن الأفضل لترامب أن يستفيد من الدروس الكارثية التي تعلمها من العراق وأفغانستان قبل الإقدام على أي خطوة عسكرية.
وأوضحت الصحيفة أن الشعب الإيراني، الذي يبلغ تعداده نحو 90 مليون نسمة، يعيش حالة من الترقب والقلق بين الرغبة في التغيير والخوف من ويلات الحرب. فرغم السخط الشعبي العارم من سياسات النظام والعقوبات الدولية، إلا أن هناك خشية حقيقية من أن تؤدي التصريحات الأمريكية المتهورة إلى تدمير مقدرات البلاد ومستقبل أجيالها.
وحذرت الافتتاحية من أن الضربات الجوية المحدودة قد لا تحقق النتائج المرجوة، ولن تضمن استجابة طهران للمطالب الأمريكية بشكل فوري. كما استبعدت أن تنجح القوة الجوية وحدها في تغيير النظام القائم، حتى لو استهدفت عمليات الاغتيال كبار القادة السياسيين والعسكريين في هيكلية السلطة الإيرانية.
ونبهت المصادر إلى ضرورة عدم الاستهانة بقدرة إيران على الرد والانتقام في حال شعرت بتهديد وجودي يمس كيان النظام. ومن المرجح أن تشمل خيارات الرد الإيراني استهداف القواعد الأمريكية في المنطقة، وتوجيه ضربات لحلفاء واشنطن، بالإضافة إلى تهديد أمن الملاحة الدولية في الممرات المائية الحيوية.
ويبرز مضيق هرمز كأخطر أوراق الضغط الإيرانية، حيث يمر عبره نحو ثلث إمدادات النفط الخام المنقولة بحراً في العالم أجمع. وأي محاولة لإغلاق هذا المضيق أو تعطيل الحركة فيه ستؤدي إلى قفزات جنونية في أسعار الطاقة، مما قد يتسبب في أزمة اقتصادية عالمية لا تستطيع الإدارة الأمريكية تحمل تبعاتها.
وتتجه الأنظار إلى الجولة الثالثة من المحادثات غير المباشرة في جنيف، والتي اعتبرتها الصحيفة الفرصة الأخيرة والضئيلة لتفادي سيناريو المواجهة العسكرية. فإذا فشلت هذه الجهود الدبلوماسية، سيكون ترامب أمام خيار مصيري قد يغير وجه المنطقة والعالم لسنوات طويلة قادمة.
وأشارت الصحيفة إلى أن ترامب قد يكون مدفوعاً بنجاح العملية العسكرية التي استهدفت الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، معتبراً إياها دليلاً على التفوق الأمريكي المطلق. لكن المقال يشدد على أن المقارنة بين الحالتين خاطئة تماماً، فإيران تمتلك عمقاً استراتيجياً وقدرات عسكرية وتنظيمية تفوق بمراحل ما واجهته واشنطن في كاراكاس.
وختمت "فايننشال تايمز" نصيحتها للرئيس الأمريكي بضرورة استحضار الدروس القاسية التي تعلمتها الولايات المتحدة في العراق وأفغانستان قبل عقود. إن التورط في صراع مع بلد بحجم وتعقيد إيران قد يتحول إلى مستنقع جديد يستنزف الموارد الأمريكية ويخلف دماراً لا يمكن التنبؤ بنهايته أو بنتائجه الاستراتيجية.





شارك برأيك
فايننشال تايمز تحذر ترامب: إيران ليست فنزويلا ودروس العراق وأفغانستان ماثلة