شهدت الساحة السياسية في أوغندا تطوراً دراماتيكياً كشف عن تباين حاد في المواقف تجاه الأزمة السودانية، حيث وجه الجنرال موهوزي كاينيروغابا، قائد الجيش ونجل الرئيس الأوغندي، انتقادات لاذعة لمحمد حمدان دقلو 'حميدتي'. ووصف الجنرال الأوغندي قائد قوات الدعم السريع بأنه 'مجرم ملطخ بالدماء'، مما أربك المشهد الدبلوماسي الذي حاول حميدتي رسمه خلال زيارته لكامبالا.
وجاءت هذه التصريحات الصادمة في وقت كان فيه الرئيس يوري موسيفيني يمنح ضيفه اعترافاً دبلوماسياً لافتاً باستقباله في القصر الرئاسي، مما عكس مفارقة كبيرة بين 'شرعية' يمنحها الأب و'بندقية' سياسية يشهرها الابن. ويرى مراقبون أن هذا الهجوم يقطع الطريق على محاولات حميدتي لانتزاع شرعية إقليمية من أوغندا، محولاً الزيارة من نصر دبلوماسي إلى هزيمة معنوية.
ويكتسب موقف الجنرال موهوزي زخماً استثنائياً كونه ليس فقط قائداً للجيش، بل الخليفة المرجح لوالده في سدة الحكم، مما يشير إلى شرخ عميق في التعاطي مع الملف السوداني. هذا الانقسام يفتح الباب أمام قراءات متعددة حول مستقبل العلاقة بين كامبالا وطرفي الصراع في السودان، خاصة في ظل سعي حميدتي المستمر للاعتراف الدولي.
ولم يكتفِ قائد الجيش الأوغندي باللغة الدبلوماسية، بل شدد على أن 'مكان المتمردين هو الهزيمة'، مشيداً بالجيوش الوطنية كصمام أمان للدول والشعوب. وأكد موهوزي أن القوات الأوغندية ستعمل بالتنسيق الكامل مع الجيش السوداني للثأر للضحايا وتطهير إقليم دارفور من الإرهاب، في رسالة طمأنة واضحة للمؤسسة العسكرية في الخرطوم.
من جانبها، تفاعلت الخارجية السودانية مع هذه التطورات، واصفة زيارة حميدتي لأوغندا بأنها مساندة مباشرة لجرائم الإبادة الجماعية التي تُرتكب بحق المدنيين. واعتبرت الخرطوم أن استقبال موسيفيني لـ 'قائد المليشيا' يتنافى مع التزامات حسن الجوار ويضرب عرض الحائط بالقوانين الدولية التي تحكم العلاقات بين الدول.
وأكد بيان الخارجية السودانية أن هذه الخطوة لا تحترم الحد الأدنى من القيم الإنسانية، ولا تبالي بحجم الفظائع التي تعرض لها المواطن السوداني على يد قوات الدعم السريع. وشددت الحكومة السودانية على أنها لن تسمح باستخدام أراضي الدول الشقيقة لدعم قوات متمردة ضد نظام شرعي ومعترف به دولياً.
وتزامنت هذه التوترات السياسية مع صدور تقارير أممية مستقلة وثقت ما وصفته بـ 'أيام الرعب' في دارفور، مشيرة إلى جرائم ترقى لدرجة الإبادة الجماعية. وأوضحت التقارير أن سيطرة قوات الدعم السريع على مدينة الفاشر اتسمت بعمليات قتل جماعي واستهداف عرقي ممنهج طال قبائل بعينها.
مكان المتمردين هو الهزيمة، وحميدتي مجرم ملطخ بدماء السودانيين والأفارقة.
ووثقت بعثة تقصي الحقائق الدولية آلاف حالات القتل والاغتصاب خلال فترة وجيزة أعقبت حصاراً استمر 18 شهراً، مما جعل الحفاوة الأوغندية بحميدتي تبدو في نظر الكثيرين قفزة فوق دماء الضحايا. وقد يفسر هذا الحرج الأخلاقي والقانوني رغبة نجل موسيفيني في النأي بجيشه عن هذه العلاقة المثيرة للجدل.
وتتضارب الآراء حول ما إذا كان هذا التناقض الأوغندي هو انقسام حقيقي أم 'تبادل أدوار' مدروس بين الأب والابن لإدارة المصالح المعقدة. فبينما يحافظ موسيفيني على دور الوسيط الإقليمي المنفتح على الجميع، يرسل ابنه رسائل حازمة للجيش السوداني وحلفائه بأن أوغندا لا تدعم تفكيك الجيوش الوطنية.
ويرى خبراء في الشأن الأفريقي أن تصريحات موهوزي كشفت حقيقة صراع الأجنحة داخل السلطة في أوغندا، حيث يخشى التيار العسكري من تضرر سمعة البلاد القارية. وأشار محللون إلى أن الشرعية السياسية التي يبحث عنها حميدتي قد تصطدم بالمواقف العسكرية الصلبة التي يمثلها الجنرال الشاب في كامبالا.
وتلعب المصالح الاقتصادية، وتحديداً في قطاع الذهب والتجارة البينية، دوراً خفياً في صياغة التقارب بين بعض النخب الأوغندية وقوات الدعم السريع. إلا أن الهجوم الأخير قد يقلص من مساحات حركة حميدتي في منطقة شرق أفريقيا، ويضعه أمام واقع جديد يتسم بالحذر والريبة من تحركاته.
وتعتبر أوغندا لاعباً محورياً في ملفات الأمن بمنطقة البحيرات الكبرى نظراً لموقعها الجغرافي الاستراتيجي الذي يحد السودان وكينيا والكونغو. لذا فإن أي تذبذب في موقفها تجاه الأزمة السودانية ينعكس بشكل مباشر على جهود الوساطة الإقليمية وموازين القوى في الصراع الدائر.
ومنذ اندلاع الحرب في السودان عام 2023، خلفت العمليات العسكرية آلاف القتلى ونحو 14 مليون نازح، مما أدى إلى أسوأ أزمة جوع في المنطقة. وفي ظل هذا الوضع المأساوي، تصبح المواقف السياسية للدول المجاورة مثل أوغندا حاسمة في تحديد مسار الصراع أو التهدئة.
ويبقى السؤال مطروحاً حول مدى تأثير هذا الصدام العلني بين الرئاسة وقيادة الجيش في أوغندا على مستقبل العلاقات مع السودان. فبين الترحيب الدبلوماسي والتنديد العسكري، يجد السودانيون أنفسهم أمام مشهد أوغندي معقد يمنح الشرعية بيد وينزعها باليد الأخرى.





شارك برأيك
انقسام في كامبالا: نجل موسيفيني يهاجم حميدتي ويصفه بـ 'المجرم الملطخ بالدماء'