عربي ودولي

الثّلاثاء 24 فبراير 2026 1:34 مساءً - بتوقيت القدس

تحركات أمريكية مكثفة لطي ملف الصحراء: مسعد بولس يسابق الزمن لاتفاق إطار قبل الصيف

يسعى مسعد بولس، المبعوث الخاص للرئيس الأمريكي دونالد ترامب للشؤون العربية والشرق أوسطية، إلى استثمار البراغماتية الأمريكية لتقريب وجهات النظر في ملف الصحراء. ويطمح بولس، الذي يوصف بامتلاكه رؤية تقوم على المصالح المشتركة، إلى دفع أطراف النزاع لتوقيع اتفاق إطار قبل بداية الصيف المقبل، معتبراً أن الملف رغم تعقيده يحتاج إلى حلول دائمة لا مؤقتة.

نجح المبعوث الأمريكي في كسر الجمود الدبلوماسي عبر عقد ثلاث جولات من المفاوضات في ظرف شهر واحد، وهو معدل قياسي لم يسبق أن حققه المبعوثون الأمميون السابقون. وقد جمعت هذه اللقاءات كلاً من المغرب والجزائر وموريتانيا وجبهة البوليساريو، حيث انطلقت الجولة الأولى من ولاية فلوريدا، تلتها جولة ثانية في مدريد، وصولاً إلى الجولة الثالثة في واشنطن هذا الأسبوع.

تستند الاستراتيجية الأمريكية الحالية إلى رؤية جديدة للأمن القومي، حيث يحظى بولس بدعم مباشر من الرئيس ترامب الذي يفضل الحلول السريعة والمباشرة. ويرى مراقبون أن الإيقاع المتسارع للمفاوضات يعكس رغبة واشنطن في فرض واقع سياسي جديد يتجنب الجميع فيه إغضاب الإدارة الأمريكية الحالية التي تستخدم ثقلها الدبلوماسي لإنهاء النزاعات المزمنة.

يتمحور جوهر المفاوضات الحالية حول مقترح الحكم الذاتي في نسخته الجديدة التي تقدم بها المغرب، تماشياً مع قرار مجلس الأمن رقم 2797. ويهدف هذا المسار إلى إيجاد صيغة تضمن السيادة المغربية من جهة، وتمنح الصحراويين صلاحيات واسعة لإدارة شؤونهم السياسية والاقتصادية والثقافية على غرار نماذج الحكم الذاتي المتقدمة في أوروبا وكندا.

يدخل المغرب هذه المفاوضات بروح المنتصر دبلوماسياً بعد توالي الاعترافات الدولية بمقترحه، لكنه يحمل في الوقت ذاته هواجس تتعلق بحجم التنازلات الدستورية المطلوبة. ويتخوف الجانب المغربي من أن تؤدي الصلاحيات الواسعة المقترحة إلى ضرورة تعديل الدستور بشكل جذري، أو أن تفتح الباب لمطالب مشابهة في مناطق أخرى من البلاد.

من جانبها، تحاول جبهة البوليساريو تحقيق أكبر قدر من المكاسب السياسية داخل إطار الحكم الذاتي لضمان كيان يتمتع بخصوصية عالية، وهو ما تعتبره قيادتها وسيلة لحفظ ماء الوجه أمام المتشددين. وفي المقابل، تبدو الجزائر أقل معارضة من السابق، حيث تدرك أن الموقف الأمريكي من مغربية الصحراء بات ثابتاً، وتسعى لتجنب أي انعكاسات سلبية قد تترتب على استمرار التوتر مع الغرب.

أما موريتانيا، فتشارك في المفاوضات بحثاً عن ضمانات أمنية واقتصادية تحمي مصالحها الحيوية في المناطق الحدودية. وتتركز الهواجس الموريتانية حول تأثير التنمية الاقتصادية المتسارعة في الصحراء، خاصة بناء الموانئ الجديدة، على نشاط ميناء نواذيبو الاستراتيجي، بالإضافة إلى رغبتها في تأمين علاقات اجتماعية مستقرة لساكنة الشمال.

تبرز في كواليس المفاوضات رغبة أمريكية واضحة في استبعاد الاتحاد الأوروبي من طاولة الحوار، حتى بصفة رمزية، رغم استضافة مدريد لإحدى الجولات. وتعزو مصادر هذا الموقف إلى عدم تقديم الاتحاد الأوروبي أي جهود ملموسة لحل النزاع سابقاً، واكتفائه بمواقف سلبية تجاه قضية تقع مباشرة على حدوده الجنوبية وتعد من مخلفات إرثه الاستعماري.

رغم الاستبعاد الرسمي، يرى محللون أن إشراك الأوروبيين كمراقبين قد يكون ضرورياً في مراحل لاحقة، خاصة وأنهم سيكونون من الممولين الرئيسيين لمشاريع التنمية في إطار الحكم الذاتي. كما أن تجاهل الدور الأوروبي قد يحيي مبادرات من قوى سياسية داخل القارة لا تزال تتمسك بمبدأ تقرير المصير، مما قد يعقد مسار الحل السياسي المستدام.

تركز واشنطن في مقاربتها الحالية على الحلول السياسية الكبرى، بينما يرى البعض أنها تهمش الجوانب الاجتماعية والإنسانية الناتجة عن عقود من الجفاء بين العائلات. وقد أفرز النزاع المستمر منذ عقود أحقاداً تراكمت عبر ثلاثة أجيال، وهو ما يتطلب برامج اجتماعية مكثفة لتبادل الزيارات وبناء الثقة، يرجح أن يتم التعامل معها بعد إقرار اتفاق الإطار.

يبقى التحدي الأكبر أمام مسعد بولس هو كيفية التوفيق بين المطالب المتناقضة للأطراف الأربعة قبل الموعد النهائي في مايو المقبل. وسيكون عليه استخدام مهاراته التفاوضية لإقناع الأطراف بالتوقيع على وثيقة تاريخية في البيت الأبيض، تنهي واحداً من أطول النزاعات في القارة الأفريقية وتفتح صفحة جديدة من التعاون الإقليمي.

دلالات

شارك برأيك

تحركات أمريكية مكثفة لطي ملف الصحراء: مسعد بولس يسابق الزمن لاتفاق إطار قبل الصيف

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.