عربي ودولي

الثّلاثاء 17 فبراير 2026 2:41 مساءً - بتوقيت القدس

فيضانات المغرب: خسائر واسعة وآمال بإحياء القطاع الزراعي بعد سنوات الجفاف

طوى المغرب صفحة سبع سنوات عجاف من الجفاف الحاد الذي هدد أمنه المائي والغذائي، ليستقبل موجة فيضانات غير مسبوقة منذ نحو عقدين من الزمن. ورغم ما خلفته هذه السيول من أضرار مادية واسعة في البنية التحتية والممتلكات، إلا أنها حملت في طياتها بشائر خير لقطاع الزراعة الذي يمثل العمود الفقري للاقتصاد الوطني ويشغل نحو ثلث القوى العاملة في البلاد.

بدأت التحولات المناخية الدراماتيكية في المملكة منذ نوفمبر الماضي، وتصاعدت حدتها بشكل كبير خلال شهري يناير وفبراير من العام الجاري. وقد تركزت قوة الفيضانات في أقاليم العرائش وسيدي قاسم وسيدي سليمان والقنيطرة، حيث أدت الأمطار الغزيرة إلى ارتفاع قياسي في منسوب الوديان وتجاوز السدود لطاقتها الاستيعابية القصوى.

سجلت المعطيات الرسمية وصول سد 'واد المخازن' إلى 156% من سعته الإجمالية للمرة الأولى في تاريخه، مما تسبب في فيضان 'وادي اللوكوس' وغمر مساحات شاسعة من الأراضي المحيطة. وتعتبر هذه الفترة المطرية هي الثالثة من حيث الغزارة في تاريخ المغرب الحديث، بعد موسمي 1996 و2010، مما يعكس حجم التغير المناخي الذي شهدته المنطقة.

ميدانياً، غمرت المياه أكثر من 110 آلاف هكتار من الأراضي الزراعية الخصبة، خاصة في ضواحي مدينة سيدي علال التازي التي تشتهر بإنتاج الخضراوات والفواكه. وأفادت مصادر محلية بأن المحاصيل المعيشية مثل القمح والشعير والفول كانت الأكثر تضرراً، حيث جرفت السيول مساحات واسعة من الحقول وأتلفت مخزونات المزارعين ومواشيهم.

أكد مزارعون في المناطق المنكوبة أن الفيضانات أتت على الأخضر واليابس في القرى الزراعية، مما جعل الحياة اليومية للسكان غاية في الصعوبة نظراً لاعتمادهم الكلي على الفلاحة. وطالب المتضررون بضرورة تدخل الدولة العاجل لإصلاح البنية التحتية المتهالكة ووضع حلول جذرية تمنع تكرار هذه الكوارث في المواسم المطرية المقبلة.

على الصعيد الإنساني، اضطرت السلطات المغربية إلى إجلاء أكثر من 188 ألف شخص من المناطق المهددة بين أواخر يناير ومنتصف فبراير. وقد لجأ آلاف النازحين إلى المدارس والمراكز العامة للإقامة المؤقتة بعد أن غمرت المياه منازلهم، في حين سجلت السلطات وفاة أربعة أشخاص وفقدان آخر جراء قوة السيول الجارفة.

استجابة للأزمة، أعلنت الحكومة المغربية عن تخصيص ميزانية ضخمة بلغت 300 مليون دولار لدعم المناطق المتضررة وإعادة تأهيلها. ويشمل هذا البرنامج الحكومي تقديم مساعدات عينية ومباشرة للمزارعين، بالإضافة إلى إعادة بناء المساكن المنهارة وتطوير البنية الأساسية في الأقاليم الأربعة الأكثر تأثراً بالفيضانات.

أوضحت رئاسة الحكومة في بيان رسمي أنها ستقدم تعويضات مالية تصل إلى 140 ألف درهم لأصحاب المنازل التي انهارت بشكل كامل، بالإضافة إلى منحة مالية فورية بقيمة 6 آلاف درهم لكل عائلة متضررة. وتهدف هذه الخطوات إلى تخفيف العبء الاجتماعي والاقتصادي عن كاهل السكان الذين فقدوا ممتلكاتهم ومصادر رزقهم خلال الأسابيع الماضية.

رغم القسوة التي بدت عليها الفيضانات، يرى خبراء ومزارعون أنها 'نعمة بعد نقمة' الجفاف الذي أنهك البلاد لسنوات طويلة. فقد ساهمت هذه الأمطار في إنعاش الفرشة المائية الجوفية التي وصلت إلى مستويات حرجة، كما ملأت السدود التي كانت تعاني من نضوب حاد هدد تزويد المدن بمياه الشرب.

أشار وزير الفلاحة المغربي، أحمد البواري، إلى أن الأثر الإيجابي لهذه التساقطات سيكون ملموساً على المدى المتوسط والبعيد، خاصة فيما يتعلق بزراعة الأشجار المثمرة والمراعي. وأكد الوزير أن تحسن حالة المراعي سيسهم بشكل مباشر في خفض تكاليف الإنتاج الحيواني وضمان استقرار أسعار المنتجات الزراعية في الأسواق المحلية.

بلغ المعدل التراكمي لتساقط الأمطار هذا الموسم نحو 360 ملم، وهو رقم يتجاوز المعدل السنوي المعتاد بنسبة 54%. هذا الفائض المائي يمثل احتياطياً استراتيجياً للمملكة، حيث سيؤمن احتياجات الري للمواسم القادمة ويقلل من فاتورة استيراد الحبوب التي أثقلت كاهل الميزانية العامة خلال سنوات الجفاف.

بدأت ملامح العودة إلى الحياة الطبيعية تظهر في الأقاليم المتضررة مع تحسن الأحوال الجوية، حيث باشر آلاف المواطنين العودة إلى منازلهم تحت إشراف السلطات المحلية. وتعمل اللجان التقنية حالياً على حصر الأضرار النهائية وتقديم الدعم اللوجستي للأسر لضمان عودة آمنة وتدريجية للمناطق التي انحسرت عنها المياه.

شدد مزارعون على أن الأراضي الزراعية تحتاج الآن إلى عمليات تهيئة وتطوير كبرى لاستغلال وفرة المياه الحالية بشكل أمثل. ويرى مراقبون أن هذه الفيضانات قد تكون نقطة تحول لإعادة صياغة السياسات الزراعية في المغرب، بما يضمن التوازن بين استغلال الموارد المائية الوفيرة والحماية من مخاطر الكوارث الطبيعية.

يبقى التحدي الأكبر أمام الحكومة المغربية هو سرعة تنفيذ وعود التعويضات وإعادة الإعمار قبل حلول مواسم زراعية جديدة. فالرهان اليوم هو تحويل هذه الأزمة إلى فرصة حقيقية لتحقيق قفزة في الإنتاج الزراعي الوطني، بما يعزز السيادة الغذائية للمملكة ويحمي الفئات الهشة في الأرياف من تقلبات المناخ.

دلالات

شارك برأيك

فيضانات المغرب: خسائر واسعة وآمال بإحياء القطاع الزراعي بعد سنوات الجفاف

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.