عربي ودولي

الإثنين 16 فبراير 2026 5:41 مساءً - بتوقيت القدس

أزمة تعيين وزيرة الثقافة المصرية: تساؤلات حول معايير الاختيار والنزاهة العلمية

تواجه وزارة الثقافة المصرية حالة من الجدل المتصاعد عقب اختيار الدكتورة جيهان زكي لتولي الحقيبة الوزارية، وهو القرار الذي أعاد إلى الأذهان أزمات سابقة تتعلق بمعايير اختيار المسؤولين في المناصب السيادية. ويرى مراقبون أن هذا التعيين يضع النظام في مواجهة مباشرة مع الرأي العام، خاصة بعد تكرار أزمات مشابهة في تشكيلات حكومية سابقة.

تأتي الأزمة الرئيسية من خلفية قانونية تتعلق بملف الوزيرة الجديدة، حيث واجهت اتهامات بالسطو العلمي على مؤلف للصحفية بمؤسسة الأهرام سهير عبد الحميد. وقد انتهت هذه القضية بصدور حكم قضائي يقضي بسحب كتاب الوزيرة من الأسواق ومنع تداوله، بعد ثبوت نقل أجزاء كبيرة منه حرفياً.

استند الحكم القضائي الصادر ضد الوزيرة إلى تقرير لجنة فنية متخصصة أثبتت واقعة السرقة العلمية، وقضت المحكمة بناءً عليه بتعويض مالي قدره مئة ألف جنيه لصالح الطرف المتضرر. وتثير هذه الواقعة تساؤلات حول دور الجهات الرقابية في فحص ملفات المرشحين للمناصب الكبرى قبل إعلان التعيينات رسمياً.

اللافت في مسيرة جيهان زكي أنها عُينت عضواً في مجلس النواب قبل فترة وجيزة من ترشيحها للوزارة، مما يشير إلى غياب الرؤية الاستراتيجية في إعداد الكوادر للمناصب التنفيذية. فلو كانت هناك نية مسبقة لتوزيرها، لما كان هناك مبرر لتعيينها في البرلمان ثم سحبها منه بعد أسبوعين فقط.

يقارن المتابعون بين أزمة وزيرة الثقافة وأزمة وزير التربية والتعليم الحالي الذي استمر في منصبه رغم التشكيك في صحة شهاداته العلمية. ويبدو أن هناك نهجاً حكومياً يتجاوز الأزمات المتعلقة بالنزاهة الأكاديمية للمسؤولين، مما يرسل رسائل سلبية للأجيال الجديدة حول قيمة العلم والأمانة.

تخصص الوزيرة في علم المصريات وحصولها على الدكتوراة من فرنسا يضعها في سياق 'النخبة الفرانكوفونية' التي طالما سيطرت على مفاصل العمل الثقافي في مصر. ومع ذلك، فإن هذا التخصص الأكاديمي لا يعفيها من الانتقادات الموجهة لغياب ثقلها الفكري والأدبي في المشهد الثقافي العام.

تاريخياً، شهدت مصر أزمات مشابهة عند تعيين فاروق حسني وزيراً للثقافة، حيث واجه معارضة شرسة من كبار المثقفين رغم انتمائهم للنظام آنذاك. الفرق الجوهري يكمن في أن الصحافة القومية في ذلك الوقت سمحت بنشر مقالات الرافضين، بينما يسود الصمت حالياً تجاه التجاوزات القانونية.

يرى محللون أن وزارة الثقافة فقدت بريقها الذي تأسس في عهد قمم مثل ثروت عكاشة وأحمد هيكل، حيث تحولت التعيينات إلى مسار 'فني' بحت بعيداً عن السياسة. فمنذ عهد إيناس عبد الدايم، أصبح اختيار الوزراء يميل إلى التخصصات النوعية بدلاً من الشخصيات ذات المشروع الثقافي الشامل.

هناك محاولات حالية من بعض الأطراف للدفاع عن الوزيرة عبر الادعاء بأن الأزمة مفتعلة من قبل خصوم سياسيين، وتحديداً جماعة الإخوان المسلمين. هذا الطرح يتجاهل حقيقة وجود حكم قضائي بات وتقارير فنية تثبت واقعة السطو العلمي، مما يعد ازدراءً لمنظومة العدالة.

تتردد أنباء عن محاولات قانونية لرد الاعتبار للوزيرة عبر محكمة النقض، وهو ما يراه البعض محاولة للتأثير على سير العدالة. إن إقحام الدولة في معارك قانونية للدفاع عن اختيار شخصي يثير التساؤل حول مدى استحقاق المنصب الوزاري لكل هذا الجهد الدفاعي.

في المقابل، يظهر صمت مريب من قبل النخبة الثقافية التي كانت تملأ الدنيا ضجيجاً في فترات سابقة دفاعاً عن 'هوية الوزارة'. هؤلاء الذين حاصروا مبنى الوزارة سابقاً لمنع وزير معين من الدخول، يبدون اليوم وكأنهم فقدوا القدرة على الاعتراض أو التقييم الموضوعي.

إن غياب المعايير الواضحة في الاختيار يؤدي بالضرورة إلى حالة من 'دولة الضيق'، حيث يتم تداول المناصب في دوائر محدودة للغاية. هذا النهج يقلص من فرص الكفاءات الحقيقية في الوصول إلى مواقع صنع القرار، ويجعل الولاء أو القرابة معياراً يسبق الكفاءة والنزاهة.

الأزمة الحالية ليست مجرد واقعة سطو علمي، بل هي انعكاس لخلل بنيوي في كيفية إدارة الملف الثقافي في مصر. فالثقافة التي كانت تقود التنوير في المنطقة، تجد نفسها اليوم رهينة لتعيينات تفتقر إلى القبول الشعبي والنخبوي على حد سواء.

يبقى الدرس المستفاد من هذه الأزمات المتكررة هو ضرورة العودة إلى الشفافية والمحاسبة في العمل العام. فبدون احترام الأحكام القضائية والمعايير الأخلاقية في التعيينات، ستظل المؤسسات الرسمية تعاني من فجوة ثقة عميقة مع المجتمع والمثقفين الحقيقيين.

دلالات

شارك برأيك

أزمة تعيين وزيرة الثقافة المصرية: تساؤلات حول معايير الاختيار والنزاهة العلمية

النشرة الإخبارية

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

بتسجيلك، فأنت توافق على الشروط والأحكام الخاصة بنا وسياسة الخصوصية.