تشهد الساحة السياسية الأمريكية حالة من الجدل الواسع مع ظهور مؤشرات قوية على انهيار شعبية الرئيس دونالد ترامب لمستويات غير مسبوقة خلال عامه الأول في البيت الأبيض. وتكشف متوسطات استطلاعات الرأي الصادرة عن مراكز وجامعات مرموقة أن نسبة الرضا عن أداء الرئيس تتأرجح بين 36% و42% فقط، وهو ما يعد تراجعاً حاداً مقارنة بأسلافه في ذات الفترة الزمنية.
وأظهر استطلاع رأي حديث أجرته مصادر صحفية دولية أن شعبية ترامب وصلت إلى أدنى مستوياتها بنسبة 36%، بينما قفزت نسبة الناخبين غير الراضين عن أدائه إلى 62%. والمفارقة الصادمة تمثلت في تفضيل قطاع واسع من الناخبين لأداء الرئيس السابق جو بايدن خلال عامه الأول مقارنة بترامب، رغم انسحاب بايدن السابق من السباق الرئاسي.
وفي السياق ذاته، أشارت نتائج استطلاعات صادرة عن مؤسسة راسموسن وجامعة هارفارد إلى استمرار منحنى الهبوط في رضا الناخبين، حيث يرى 48% من الأمريكيين أن أداء بايدن كان أفضل. هذه الأرقام تضع الإدارة الحالية في مأزق حقيقي قبل انتخابات التجديد النصفي المقررة في نوفمبر القادم، والتي قد تحمل نتائج كارثية للحزب الجمهوري.
وعلى الصعيد التشريعي، واجهت الإدارة انتكاسة قوية بتمرد ستة نواب من الحزب الجمهوري الذين صوتوا ضد قرار رفع الرسوم الجمركية على كندا. ولم يتأخر رد فعل ترامب الذي سارع عبر منصات التواصل الاجتماعي لتهديد النواب المنشقين وتوعدهم بحرمانهم من الدعم السياسي في الانتخابات القادمة، مما يعكس عمق الانقسام الداخلي.
وفي أروقة الكونغرس، أثارت وزيرة العدل بام بوندي، المقربة من ترامب، عاصفة من الانتقادات بسبب أسلوبها في التعامل مع أعضاء لجنة العدل والقضاء. واتهم نواب ديمقراطيون بوندي بالتعالي والوقاحة، خاصة في ملف التحقيقات المتعلقة بشبكة جيفري إبستين للاتجار بالقاصرات، حيث رفضت الاعتذار للضحايا أو كشف أسماء المتورطين.
أما في ملف الهجرة، فقد أعلن توم هومان، المسؤول عن هذا الملف، تراجع الإدارة عن حملات التفتيش والاعتقال الواسعة التي أثارت غضباً عارماً. وجاء هذا الاستسلام بعد احتجاجات شعبية حاشدة في ولايات مثل مينيسوتا، حيث تسببت القبضة الحديدية لرجال أمن الهجرة في حوادث قتل طالت مواطنين أمريكيين عن طريق الخطأ.
الناخبون الأمريكيون لم ينتخبوا ترامب ليشن حروباً متهورة ويخطف رؤساء دول، ويفرض رسوماً جمركية يدفع المواطن كلفة ارتفاعها.
وعلى المسار القانوني، تلقت وزارة العدل صدمات متتالية بعد رفض محاكم فيدرالية لنشر قوات الحرس الوطني في مدن كبرى مثل لوس أنجلوس وشيكاغو. واعتبر مراقبون أن هذه الأحكام القضائية تمثل خط الدفاع الأخير لحماية الدستور من محاولات التغول السلطوي التي تنتهجها الإدارة الحالية في مواجهة خصومها.
وتسود قناعة لدى الأوساط السياسية بأن ترامب يسعى لاستخدام وزارة العدل كأداة للانتقام من الشخصيات التي لاحقته قضائياً في السابق. ومع ذلك، فقد خسرت الوزارة معظم القضايا التي رفعتها ضد مدير مكتب التحقيقات الفيدرالي الأسبق جيمس كومي، والمدعية العامة لولاية نيويورك لتيشيا جيمس، مما أضعف موقف الإدارة قانونياً.
وفيما يخص السياسة الخارجية، أثار الاجتماع السابع لترامب مع نتنياهو خلال عام واحد مخاوف من تصعيد عسكري جديد في الشرق الأوسط. وأكدت مصادر أن الإدارة تتحضر لإرسال حاملة طائرات ثانية إلى المنطقة، وهو ما يراه منتقدون تناقضاً مع وعود ترامب الانتخابية بإنهاء الحروب الخارجية والتركيز على الداخل.
ويرى محللون أن هذه الانتكاسات المتلاحقة قد تكون بداية النهاية لما يوصف بـ 'عصر القوة المطلقة' لترامب، خاصة مع تزايد احتمالات استعادة الديمقراطيين للأغلبية في مجلس النواب. وفي حال تحقق ذلك، فإن لجان التحقيق البرلمانية ستفعل دورها الرقابي بشكل قد يؤدي إلى تساقط رؤوس كبيرة داخل الإدارة الأمريكية.
إن تحول ترامب إلى وضعية 'البطة العرجاء' أصبح احتمالاً وارداً جداً قبل نهاية ولايته، وهو مصطلح يشير إلى حالة العجز السياسي التي تصيب الرئيس عندما يفقد السيطرة على البرلمان. هذا الضعف سيحول دون تمرير التشريعات الجوهرية وسيضع حداً لسياسة التفرد بالسلطة التي طبعت العام الأول من حكمه.
ختاماً، يبقى المشهد الأمريكي مفتوحاً على كافة الاحتمالات مع اقتراب موعد الانتخابات النصفية التي ستكون بمثابة استفتاء شعبي على سياسات ترامب. فبين ضغط الشارع، وأحكام القضاء، وتمرد رفاق الحزب، يجد الرئيس نفسه في مواجهة أصعب فصول حياته السياسية التي قد تنتهي بتقليص نفوذه بشكل غير مسبوق.





شارك برأيك
تآكل شعبية ترامب وتوالي الانتكاسات السياسية: هل يقترب عصر الحكم المطلق من نهايته؟