تجاوزت الجزائر مرحلة الردع العسكري التي فرضتها حادثة إسقاط الطائرة المسيرة المالية العام الماضي، لتنتقل إلى مرحلة جديدة من هندسة العلاقات مع دول الساحل الأفريقي. هذه الحادثة التي اعتبرتها الجزائر دفاعاً عن سيادتها، تسببت في هزة دبلوماسية عنيفة أدت إلى قطيعة مؤقتة مع جيرانها الجنوبيين.
ومع مطلع عام 2026، بدأت ملامح استراتيجية جزائرية تتبلور للعودة إلى المنطقة، ليس عبر الوساطات السياسية التقليدية فحسب، بل من بوابة المصالح الاقتصادية المشتركة. تهدف هذه التحركات إلى احتواء شظايا الأزمة وبناء شراكات أكثر استدامة تعتمد على مبدأ السيادة الوطنية.
وفي خطوة عملية لكسر الجمود الدبلوماسي، أمر الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون بعودة سفير بلاده إلى النيجر لمباشرة مهامه. وجاء هذا القرار بالتزامن مع خطوة مماثلة من سلطات نيامي، مما يعكس رغبة متبادلة في تجاوز التوترات التي طبعت العلاقات خلال السنة الماضية.
وكانت الجزائر قد وجهت دعوة رسمية لرئيس النيجر الانتقالي، الجنرال عبد الرحمن تياني، لزيارة البلاد في إطار مساعي تصفية الأجواء. ووصف الرئيس تبون النيجر بأنها دولة قريبة جداً، معرباً عن أمله في أن تتبدد السحابة التي خيمت على العلاقات الثنائية مؤخراً.
وعلى الصعيد الاقتصادي، قاد وزير المحروقات والمناجم محمد عرقاب وفداً رفيع المستوى إلى واغادوغو لتعزيز التعاون الطاقوي مع بوركينا فاسو. وضم الوفد مديري كبرى الشركات الوطنية مثل سوناطراك ونفطال وسونلغاز، لبحث سبل تأمين احتياجات الجار الجنوبي من المواد البترولية.
وتسعى الجزائر من خلال هذه التحركات إلى تقديم 'بديل سيادي' يوفر الطاقة والخبرة المنجمية لدول الساحل بعيداً عن صراعات النفوذ الدولية. ويرى مراقبون أن 'دبلوماسية المحروقات' هي الأداة الأكثر فعالية حالياً لإقناع دول المنطقة بجدوى الشراكة الإقليمية.
ورغم الانفراجة مع النيجر وبوركينا فاسو، تظل مالي العقبة الأكبر في مسار الاحتواء الجزائري نتيجة الحساسيات العسكرية القائمة. فالمجلس العسكري في باماكو لا يزال ينظر إلى حادثة المسيرة كإحراج ميداني، مما دفع بالعلاقات نحو مواجهة صامتة.
أزيز الأنابيب سيكون في النهاية أقوى من ضجيج المسيّرات في صياغة مستقبل المنطقة.
وتراهن الجزائر على أن نجاح نموذج التعاون مع النيجر قد يدفع مالي لمراجعة مواقفها، خاصة في ظل أزمة الوقود الحادة التي تعصف بها. فالعزلة الدولية والضغوط الاقتصادية قد تجعل من العودة إلى طاولة التفاوض مع الجزائر خياراً لا مفر منه لباماكو.
وتشير تقارير إلى أن الجماعات المسلحة في شمال مالي فرضت حصاراً على شاحنات الوقود، مما فاقم الأوضاع المعيشية في إقليم أزواد. هذا التدهور الأمني والاقتصادي يضع ضغوطاً إضافية على الحكومة المركزية في مالي لإيجاد حلول حدودية مستقرة مع الجانب الجزائري.
من جانبه، أكد عضو مجلس الأمة الجزائري عمرون محمد أن أمن واستقرار الساحل يمثل جزءاً أصيلاً من الأمن القومي للجزائر. وأوضح أن الدولة الجزائرية متمسكة بعقيدتها الرافضة للتدخلات العسكرية الأجنبية، مفضلة الحلول الأفريقية النابعة من الداخل.
ولفت عمرون إلى أن الجزائر أدارت الأزمة بهدوء وحكمة، تاركة الوقت الكافي لنضوج الحلول الدبلوماسية بعيداً عن الإملاءات الخارجية. واعتبر أن عودة السفراء هي مؤشر قوي على فشل المحاولات الدولية لفك الارتباط بين الجزائر وعمقها القاري الاستراتيجي.
وفي سياق متصل، يرى أكاديميون جزائريون أن العودة للمسار الطبيعي مع مالي تتطلب احتراماً كاملاً للأعراف الدبلوماسية ومبدأ المعاملة بالمثل. وأكدوا أن مكانة الجزائر الإقليمية تؤهلها لإدارة ملفات التهدئة بحكمة تضمن مصالح جميع شعوب المنطقة.
إن التحركات الأخيرة لوزارة الطاقة والمناجم في واغادوغو تعكس عمق الروابط التاريخية التي تسعى الجزائر لإحيائها عبر مشاريع تنموية. هذه الخطوات السيادية تهدف إلى تعزيز الاستقرار الإقليمي من خلال خلق شبكة مصالح اقتصادية متداخلة يصعب الفكاك منها.
في نهاية المطاف، تبدو الجزائر واثقة من أن الجغرافيا والتاريخ سيفرضان كلمتهما الأخيرة في صياغة مستقبل منطقة الساحل. ومع استمرار تدفق الاستثمارات الطاقوية، قد تجد دول المنطقة نفسها أمام واقع جديد يفضل لغة البناء والحوار على لغة التصادم العسكري.





شارك برأيك
دبلوماسية الطاقة والعودة الهادئة: الجزائر تعيد هندسة علاقاتها مع دول الساحل الأفريقي