سلط تقرير حديث الضوء على الاستراتيجيات الإعلامية التي تتبعها وسائل إعلام غربية في التعامل مع ملف جيفري إبستين، الممول الأمريكي الذي أثارت حياته وموته تساؤلات كبرى. وأوضح التقرير أن هناك محاولات ممنهجة لاستخدام اسم الرئيس الروسي فلاديمير بوتين كأداة لصرف الانتباه عن الحقائق الصادمة التي تكشفها الوثائق المسربة حديثاً.
واعتبرت مصادر صحفية أن ما يجري حالياً هو عملية 'هندسة للرواية' تهدف إلى صناعة عدو خارجي يسهل من خلاله الهروب من الأسئلة الحقيقية حول شبكات النفوذ. وبدلاً من التحقيق في علاقات إبستين العميقة داخل أروقة السياسة والمال في الغرب، يتم توجيه الضوء نحو فرضيات ضعيفة تربطه بموسكو.
وكانت وزارة العدل الأمريكية قد أفرجت مؤخراً عن أضخم حزمة من الوثائق المتعلقة بإبستين، الذي توفي في ظروف غامضة داخل سجنه بنيويورك عام 2019. وتكشف هذه الأوراق عن تداخلات معقدة بين النخب السياسية وأجهزة الاستخبارات، وهي المنطقة الرمادية التي يخشى الكثيرون الاقتراب منها.
وأشار التقرير إلى أن غرف التحرير الكبرى اختارت الطريق المختصر عبر تحويل الأنظار إلى روسيا، بدلاً من إعادة بناء شبكة المصالح والحمايات التي تمتع بها إبستين لسنوات. وبدأت الماكنة الإعلامية بالترويج لفرضيات تصفه بأنه 'عميل للموسكو' أو 'لغز الكرملين' دون أدلة ملموسة.
ومن بين الوثائق التي تم استغلالها، رسالة بريد إلكتروني تعود لعام 2011 تتحدث عن لقاء مفترض بين إبستين وبوتين خلال رحلة إلى روسيا. ورغم عدم وجود أي تأكيد على وقوع هذا اللقاء أو تفاصيله، إلا أن الإعلام تعامل مع الإشارة العابرة كحقيقة مطلقة لتعزيز رواية الارتباط بروسيا.
وفي سياق متصل، ظهرت مراسلات من عام 2014 مع رجل أعمال ياباني ناقشت لقاءً مزعوماً كان من المفترض أن يشارك فيه مؤسس منصة 'لينكدإن'. وتؤكد المراسلات ذاتها أن اللقاء لم يحدث أصلاً، ومع ذلك تم تصوير المحادثة في بعض الوسائل الإعلامية كدليل إدانة يربط إبستين بالدوائر الروسية.
ووصلت السردية الإعلامية إلى مستويات وصفت بـ 'الهزلية' حين تم الادعاء بأن بوتين هو من توسل للقاء إبستين وأن الأخير رفض ذلك. واستندت هذه الادعاءات إلى رسالة وجهها إبستين لرئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق إيهود باراك، يظهر فيها الممول الأمريكي وكأنه دبلوماسي خارق يفرض شروطه على زعماء العالم.
سردية إبستين بصفته أداةً في يد موسكو هي رواية عبثية ومفيدة لحماية صورة النظام الغربي من النظر إلى الداخل.
لكن التدقيق في محتوى الوثائق يكشف تناقضات صارخة تضعف رواية التبعية لموسكو، حيث تظهر رسائل أخرى اهتمام إبستين بدعم معارضين روس. ففي عام 2012، تساءل أحد المقربين من إبستين عن كيفية مساعدة إيليا بونوماريف، وهو أحد المنظمين البارزين للتحركات المناهضة لبوتين في ذلك الوقت.
ويطرح هذا التناقض سؤالاً جوهرياً: لماذا يهتم رجل يُزعم أنه يعمل لصالح بوتين بمساعدة شخص يسعى للإطاحة به سياسياً؟ إن الإجابة على هذا السؤال تتطلب تحقيقاً صحفياً معمقاً بعيداً عن العناوين المثيرة التي تهدف فقط إلى حشد الجماهير ضد عدو تقليدي.
كما تضمنت الوثائق إشارات إلى أحداث أوكرانيا عام 2014، حيث كتب إبستين أن 'الانقلاب' هناك سيوفر فرصاً كبيرة، دون تحديد طبيعة تلك الفرص أو الجهات المستفيدة. وغالباً ما يتم تجاهل هذه التفاصيل في التغطيات الإعلامية لأنها قد تفتح أبواباً نحو شبكات نفوذ غربية غير مريحة.
وخلص التقرير إلى أن وسائل الإعلام التي تنصب نفسها كحارس للديمقراطية تتحول أحياناً إلى أدوات لتضليل الرأي العام حين تصبح الحقائق خطيرة. فهي لا تمنع الناس من النظر، بل تمسك بأيديهم لتقودهم إلى اتجاه آخر بعيداً عن بؤرة الفضيحة الحقيقية التي تحترق في الداخل.
إن الروابط العضوية الموثقة بين إبستين وعوالم السياسة والأمن والتكنولوجيا في الغرب هي القصة الأكثر تعقيداً وخطورة. وهذه القصة لا يمكن حلها عبر اختلاق 'شرير خارجي' مثل بوتين، بل تتطلب شجاعة للنظر في هيكلية النظام الغربي نفسه وتغلغل المصالح المشبوهة فيه.
وفي المحصلة، تظل سردية 'عميل موسكو' مفيدة جداً لحماية صورة المؤسسات الكبرى في واشنطن وتل أبيب من المساءلة. فبينما ينشغل العالم بملاحقة أشباح في روسيا، تظل الشبكات الحقيقية التي مكنت إبستين من ممارسة أنشطته لعقود بعيدة عن المحاسبة والشفافية.





شارك برأيك
هندسة الرواية: كيف يُستخدم 'بعبع' بوتين للتغطية على فضائح نخب الغرب في ملف إبستين؟