يشهد حزب الليكود الحاكم في دولة الاحتلال حالة غير مسبوقة من تبادل الاتهامات الحادة بين أقطابه، حيث بلغت ذروتها بالهجوم الذي شنه وزير الحرب السابق يوآف غالانت ضد رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو. وصف غالانت نتنياهو بـ 'الكاذب'، واتهمه بتعمد إلحاق الضرر بالجيش الإسرائيلي، وهو ما اعتبره مراقبون بمثابة استقالة ضمنية ونهائية من صفوف الحزب.
أفادت مصادر إعلامية بأن غالانت أعلن تقاعده الفعلي من الليكود مؤخراً عبر تصريحاته الجريئة التي انتشرت بشكل واسع على منصات التواصل الاجتماعي والقنوات الإخبارية. ويبدو أن الوزير السابق خرج غاضباً من رئيس الوزراء، خاصة بعد الكشف عن وثيقة مثيرة للجدل أعدها نتنياهو لمراقب الدولة تهدف لتبرئته من مسؤولية أحداث السابع من أكتوبر.
ووفقاً لرؤية غالانت، فإن هذه الوثيقة مليئة بالأكاذيب ولا تطابق الواقع الذي كان شريكاً فيه كوزير للحرب قبل الهجوم وخلال العام الأول من الحرب. وأكدت المصادر أن غالانت يرى في سلوك نتنياهو محاولة لتزييف الحقائق التاريخية المتعلقة بإدارة الأزمة الأمنية الكبرى التي واجهتها إسرائيل.
واتهم غالانت رئيس الوزراء بالتردد الواضح في اتخاذ قرارات حاسمة، مشيراً إلى أنه امتنع عن التحرك للقضاء على قدرات حزب الله في توقيتات حرجة. كما لفت إلى أن نتنياهو لم يبادر بتعبئة قوات الاحتياط في السابع من أكتوبر، بل إنه لم يكن متواجداً في المقر العسكري عند اتخاذ القرارات المصيرية الأولى في ذلك الصباح.
تذهب التحليلات السياسية إلى أن النتيجة الحتمية لهذه المواجهة هي استحالة بقاء غالانت في حزب الليكود، خاصة بعد أن رفع أنصار نتنياهو دعوى قضائية ضده في المحكمة الحزبية. هذا الإجراء القانوني الداخلي يعني عملياً طرده الفوري، ولن تفلح أي جهود قانونية في إعادته إلى صفوف الحزب الذي يسيطر عليه نتنياهو بقبضة حديدية.
يرى محللون أن محاولة غالانت للمنافسة في أي انتخابات تمهيدية قادمة ستكون بمثابة انتحار سياسي وهدر للموارد المالية دون جدوى. فبعد استقالته من الكنيست في يناير 2025 وحلول عضو آخر مكانه، فقد غالانت ميزانيته البرلمانية ونفوذه التنظيمي داخل مؤسسات الحزب الحاكم.
لقد كانت مسيرة غالانت في الليكود مليئة بالتحولات، ففي انتخابات 2022 كان يُعد من أبرز المرشحين وحل في المركز الثالث ضمن القائمة. في ذلك الوقت، كان يُنظر إليه كأحد الورثة المحتملين لنتنياهو، لكن الصدام حول القضايا الأمنية والقانونية حوله من حليف استراتيجي إلى خصم لدود.
غالانت أعلن تقاعده الفعلي من الليكود عندما وصف نتنياهو بـ 'الكاذب' دون تردد، متهماً إياه بالافتراء والإضرار بالمؤسسة العسكرية.
استغل أعضاء الكنيست من الصفوف الخلفية في الليكود هذه التصريحات لشن هجوم مضاد على غالانت، سعياً منهم لإرضاء نتنياهو وتثبيت ولائهم. اتهم هؤلاء الأعضاء الوزير السابق بأنه أصبح 'أداة سياسية' تحركها الكراهية الشخصية، وأنه تسبب بأضرار جسيمة للدولة خلال فترة توليه حقيبة الدفاع.
تعتبر الدوائر المقربة من نتنياهو أن 'خطيئة' غالانت الكبرى تمثلت في رغبته المعلنة في إبرام صفقة فورية لإعادة المختطفين، ومعارضته الشديدة للتعديلات القضائية. ويرى هؤلاء أن مواقف غالانت ساهمت في حالة التفكك الداخلي التي شهدتها إسرائيل وأدت إلى تدهور الوضع الأمني الاستراتيجي.
من جانبه، يبدو أن نتنياهو، الذي يتمتع بنفوذ مطلق داخل الليكود، سيحرص على إتمام عملية طرد غالانت بشكل نهائي لضمان عدم وجود أصوات معارضة قوية. ومع ذلك، يتجنب نتنياهو عقد مؤتمر عام للحزب في الوقت الحالي خشية تعرضه لهجمات إضافية من أعضاء آخرين قد يشاركون غالانت بعض انتقاداته.
إن خروج غالانت المتوقع من الليكود يعكس عمق الانقسام داخل اليمين الإسرائيلي حول إدارة الحرب وملفات المحاسبة عن الفشل الأمني. وتكشف هذه التطورات عن هشاشة التحالفات الداخلية في ظل استمرار الضغوط العسكرية والسياسية على الحكومة الحالية.
تشير المصادر إلى أن غالانت، رغم محاولاته السابقة للبقاء والنضال من داخل الحزب، قد وصل إلى قناعة تامة بأن مساره مع الليكود قد انتهى. ولم تعد الفعاليات الحزبية التي كان يحضرها كافية لترميم العلاقة المحطمة مع القاعدة الموالية لنتنياهو.
في نهاية المطاف، تظل تصريحات غالانت شهادة من داخل 'الغرفة المغلقة' على طريقة إدارة الأزمات في مكتب رئيس الوزراء. وهي شهادة يرى فيها خصوم نتنياهو دليلاً إضافياً على ضرورة التغيير السياسي، بينما يراها أنصار الأخير مجرد محاولة للانتقام الشخصي بعد الإقالة.
يبقى السؤال المطروح في الأوساط السياسية الإسرائيلية حول الوجهة القادمة ليوآف غالانت، وهل سيقود تياراً جديداً أو ينضم لمعارضة الوسط. لكن المؤكد حالياً هو أن أبواب الليكود قد أُغلقت تماماً في وجه الرجل الذي كان يوماً ما الرجل الثاني القوي في المنظومة الأمنية للحزب.





شارك برأيك
تصدع في الليكود: اتهامات غالانت لنتنياهو بالكذب تمهد لخروجه من الحزب الحاكم