تكرر مصطلح 'المصالحة الوطنية' في ليبيا خلال العقد الأخير حتى أفرغ من معناه، وتحول إلى أداة للمناورة السياسية والمزايدة بدلاً من أن يكون مساراً حقيقياً لإنهاء الأزمة. إن المصالحة ليست مجرد إجراء إداري أو نصوص تشريعية تُقر في اجتماعات ومؤتمرات، بل هي نتيجة لمسار شاق يبدأ بالعدالة التي لا يمكن القفز فوقها.
إن ما تحتاجه ليبيا هو تفعيل مفهوم 'العدالة الانتقالية' بمراحلها الواضحة: الاعتراف بالحقائق، محاسبة الجناة، تعويض الضحايا، وتخليد الذاكرة لضمان عدم تكرار المآسي. وبدون هذه الخطوات، تظل أي دعوة للمصالحة مجرد صفقة سياسية مقنعة تهدف لتبييض سجلات أمراء الحرب وإعادة تدوير الشخصيات التي كانت وقوداً للصراع.
في الواقع الليبي الراهن، لا يزال النزاع مستمراً، والانتهاكات يومية، والسلاح منتشر بكثافة، بينما تتناطح السلطات في الشرق والغرب على شرعيات مزعومة. وفي هذا المناخ، تُستخدم دعوات المصالحة للتغطية على الجرائم المستمرة، من اعتقالات تعسفية واختفاء قسري وقتل خارج إطار القانون.
المصالحة لا تُطلب من الضحية، ولا تُفرض على يد الجلاد، ولا تُشترى بالصمت؛ بل هي قرار شجاع يأتي حين يسود العدل وتتحقق المحاسبة.
إن الخلاف ليس شخصياً مع الأفراد، بل مع الأفعال والسياسات القمعية. لذا، فإن التوقف عن الانتهاكات هو خطوة أولى غير كافية؛ إذ يجب أن يتبعها إنصاف الضحايا والإفراج عن المعتقلين السياسيين وتقديم ضمانات حقيقية. المصالحة الحقيقية تبدأ عندما يقرر الناجون والضحايا أن القانون قد عاد وأن العدل قد ساد.
ما نشهده اليوم هو صراع على احتكار خطاب 'الوطن'، حيث يسعى كل طرف لفرض رؤيته الخاصة للمصالحة، بدءاً من المجلس الرئاسي، مروراً بتحركات الصديق حفتر، وصولاً إلى مبادرات مؤيدي سيف الإسلام القذافي. هذا التعدد في المسارات يعكس 'مناطحة' سياسية لا وطنية، تهدف للسيطرة على قرار العفو والمحاسبة في بلد لا تزال مقابره الجماعية وسجونه السرية تخفي الكثير من الحقائق.





شارك برأيك
المصالحة الوطنية في ليبيا: بين الشعارات السياسية واستحقاقات العدالة