تحليل إخباري
أشار الباحث ميتشل بليتنك، في موقع "موندووايس" التقدمي، إلى أن الشرق الأوسط اليوم يقف عند مفترق تاريخي بالغ الخطورة، حيث تتقاطع الأزمات المزمنة مع سياسات دولية لا تزيدها إلا اشتعالًا. وبينما انشغلت النخب السياسية والاقتصادية العالمية بأضواء المنتدى الاقتصادي في دافوس، كانت المنطقة تنزلق بصمت نحو لحظة غليان قد تعيد رسم خرائطها السياسية والأمنية. فخلف الخطاب الأميركي عن "الانعزال" وتقليص الانخراط الخارجي، تواصل واشنطن لعب دور المحرّك الرئيسي للأزمات، غالبًا بالشراكة مع إسرائيل، وعلى حساب استقرار شعوب المنطقة ومستقبلها.
من فلسطين إلى سوريا، ومن إيران إلى اليمن والسودان، لم تعد الصراعات منفصلة أو محصورة جغرافيًا. إنها شبكة واحدة من التوترات المتداخلة، يغذيها تدخل أمريكي متخبّط، وعدوان إسرائيلي ممنهج، وعجز دولي عن فرض أي أفق سياسي عادل. في هذا المشهد، يصبح السؤال ليس هل سينفجر الوضع، بل أين ومتى سيكون الانفجار الأكبر بحسب الكاتب.
فلسطين: "سلام" بلا فلسطينيين
في دافوس، ترأس دونالد ترمب إطلاق ما سُمّي بـ"مجلس السلام"، في خطوة بدت أقرب إلى مناورة سياسية منها إلى مبادرة حقيقية. فالميثاق التأسيسي للمجلس خلا من أي ذكر لغزة أو فلسطين أو حتى إسرائيل، ما يعكس طبيعة المشروع: إعادة تعريف الصراع عبر تجاهله، لا حله. عمليًا، تحوّل المجلس إلى أداة تمنح غطاءً سياسيًا لمحاولات فرض ترتيبات قسرية على غزة، تحت مسمى "إدارة تنفيذية" تشرف على إخضاع السكان ونهب الأرض.
رؤية جاريد كوشنر لغزة، التي طُرحت في دافوس، تختزل القطاع في مشروع عقاري فاخر للأثرياء، بلا أي اعتبار للهوية الوطنية أو الحقوق السياسية للفلسطينيين. ورغم غياب خطة معلنة للتهجير، فإن من الصعب تصور مكان للفلسطينيين سوى كقوة عمل هامشية في وطنهم. في الوقت ذاته، تواصل إسرائيل استعداداتها لعملية عسكرية جديدة في غزة، بانتظار الضوء الأخضر الأمريكي، مستفيدة من غياب أي مسار تفاوضي جاد حول القضايا الجوهرية، وعلى رأسها نزع السلاح مقابل أفق سياسي حقيقي.
في الضفة الغربية المحتلة، يتكامل المشهد مع هجوم إسرائيلي واسع على الخليل، هو الأكبر منذ الانتفاضة الثانية. لا يهدف هذا الهجوم فقط إلى تشديد السيطرة الأمنية، بل إلى إعادة هندسة العنف الاستيطاني عبر "مأسسته" ونقله من فوضى المستوطنين إلى أطر أمنية رسمية. ويتزامن ذلك مع استفزازات دينية خطيرة، من المسجد الإبراهيمي إلى المسجد الأقصى، بما يوحي بمحاولة متعمدة لاستدراج رد فلسطيني شامل يبرر موجة قمع أوسع.
إيران: اللعب بالنار
على الضفة الأخرى من الإقليم، تتجه الأنظار إلى إيران، حيث يلوح خطر انفجار داخلي ذي تداعيات إقليمية كارثية. الاحتجاجات الأخيرة، التي قُمعت بعنف، فتحت الباب أمام اتهامات متبادلة بشأن تدخلات خارجية، خصوصًا من الولايات المتحدة وإسرائيل. ورغم صعوبة التحقق من هذه الروايات في ظل انقطاع المعلومات، فإن التاريخ القريب يؤكد امتلاك إسرائيل شبكة استخبارات واسعة داخل إيران، وقدرتها على العمل التخريبي.
وبحسب الكاتب، المفارقة هي أن إسقاط الجمهورية الإسلامية، إن حدث، لن يفضي بالضرورة إلى نظام أكثر استقرارًا أو قربًا من الغرب. على العكس، يبدو سيناريو الفراغ والفوضى—على غرار ليبيا أو سوريا—أكثر ترجيحًا، في ظل غياب قوى سياسية منظمة قادرة على ملء الفراغ. وهذا ما يفسر، جزئيًا، تحفظ بعض القادة العرب على اندفاع نتنياهو نحو مواجهة شاملة مع طهران، إدراكًا منهم لكلفة الانهيار الإيراني على المنطقة بأكملها.
سوريا: توحيد بالقوة وهشاشة كامنة
في سوريا، تحقق الحكومة الجديدة تقدمًا في استعادة السيطرة على الأراضي، بدعم ضمني من واشنطن، وعلى حساب قوات سوريا الديمقراطية. هذا التحول ترك الأكراد في حالة صدمة، بعد سنوات من الشراكة مع الولايات المتحدة في قتال "داعش". ورغم إصدار دمشق مراسيم لطمأنة الأكراد وحماية حقوقهم الثقافية، فإن خسارة روجافا تمثل ضربة قاصمة لمشروع الحكم الذاتي، وتضع وقف إطلاق النار الهش على المحك.
في الجنوب، يبرز الاحتلال الإسرائيلي كعامل تعطيل أساسي لأي استقرار سوري. فإسرائيل لا تخفي معارضتها لسوريا موحدة وقوية، لكنها تحاول إدارة هذا الرفض بحذر، عبر الضغط السياسي في واشنطن، أو من خلال تحركات عسكرية محسوبة قد تشعل جبهات جديدة.
تشابك الصراعات: إقليم واحد، أزمات متعددة
كما تمتد ارتدادات هذه الأزمات إلى العراق، حيث يثير أي تصعيد في سوريا أو إيران مخاوف فورية، لا سيما في المناطق الكردية. كما أن مصير آلاف معتقلي "داعش" في شمال سوريا يظل قنبلة موقوتة، قد تنفجر في حال انهيار الترتيبات الأمنية الحالية. وفي الجنوب، تعكس التوترات بين السعودية والإمارات في اليمن والسودان كيف يمكن لحروب الوكالة الخليجية أن تدمر دولًا بأكملها، وسط صمت أو تواطؤ دولي.
إن ما يجري في الشرق الأوسط اليوم ليس سلسلة أزمات منفصلة، بل نتيجة منطقية لنظام إقليمي يُدار بالقوة لا بالقانون، وبالصفقات لا بالعدالة. الولايات المتحدة، رغم خطابها المتردد، ما تزال اللاعب الأكثر تأثيرًا في إشعال الحرائق أو إخمادها، لكنها تختار غالبًا الخيار الأول، إما بالعجز أو بالمصلحة. وإسرائيل، المستفيدة الآنية من الفوضى، تتجاهل حقيقة أن انهيار الدول من حولها لن يصنع أمنًا دائمًا. إن استمرار هذا المسار لا يهدد المنطقة وحدها، بل ينذر بكلفة عالمية، حيث يصبح الشرق الأوسط مرة أخرى الشرارة التي تشعل أزمات تتجاوز حدوده بكثير.





شارك برأيك
الشرق الأوسط على حافة الانفجار: كيف تعيد الولايات المتحدة وإسرائيل هندسة الفوضى الإقليمية